فايز سارة يكتب من قلب الثورة
كتاب "العرب وتحديات القرن" الذي صدر مؤخرا عن دار النشر البريطانية "إي-كتب"، ربما يكون الأول بين كل الأعمال التي تناولت "الربيع العربي" الذي يكتبه واحد من الذين زرعوا بذراته.
ولكن هذه ميزة واحدة من ميزات الفكر والمراقبة والتأمل التي قادت المؤلف الى الاستنتاج بان التغيير بات حتميا.
احتفالا بالوجه الأول، كتب الناشر في تقديمه للكتاب قائلا:
لا يكتب فايز سارة عن الربيع العربي من وجهة نظر الباحث أو المراقب أو المحلل السياسي. إنه "ورطة" من تورطاته الشخصية.
فاذا كان ملايين الناس قد انخرطوا في غمرة مشروع الثورة من أجل الحرية والديمقراطية، فإن كاتبا مثل فايز سارة يختلف عن غيره من الكتاب الذي تابعوا مجريات هذا المنعطف التاريخي، بأنه كان، رفقة أحرار آخرين، واحدا من صاغة خيوط فجره الأولى.
لقد أمضى فايز سارة نحو ثلاث سنوات في السجن منذ مطلع عام 2008، ومثلها تقريبا في وقت سابق، دفاعا عن حرية الكلمة، وساهم في تقديم رؤية وطنية ناضجة من أجل الإصلاح. ولم يخرج من السجن إلا على أبواب هذا الربيع، حتى لكأن الأقدار ساقت أيامه لتلاقي ليس رفعة الرأس وحدها بالموقف النضالي الشهم من أجل التغيير، وانما أيضا بالبرهان المادي على صواب تلك الرؤية، وضرورتها، وراهنيتها الملحة.
والأمر لم يكن ليتعلق بسوريا وحدها. فقضية الحرية والديمقراطية ما كانت لتستدعي هذا "الربيع" كله، بكل مكان اندلعت فيه التظاهرات، وبكل الشهداء الذين سقوا بدمائهم أغصانه اليانعة، لو لم يكن الإستبداد قد أصبح مأزقا للناس ولنفسه في آن معا.
لقد أدرك الناس انهم لن ينجوا إذا ما واصل الطغاة مألوفهم القمعي، في بيئة سياسية لم تترك إلا الفساد ليكون حاكما. ولئن استأنس بعض الحاكمين الى آليات الاستبداد التي لم توفر لهم الفرصة لرؤية ما يجري على أرض الواقع من متغيرات، في الاقتصاد والاجتماع، فان مأزقهم الخاص لم يكن أقل سوءا. فهم كانوا عاجزين عن التغيير عندما عزت الحاجة اليه، كما انهم كانوا عاجزين عن المحافظة على ما هم عليه. فالانهيارات كانت تتراكم من حولهم دون أن يروها، ودون أن يكونوا قادرين على فهمها، ودون ان تتوفر لديهم لا الكفاءة العقلية للنظر الى أبعد من أنوف شعاراتهم، ولا الدائرة الداخلية التي يمكنها أن تدلهم على الموقف الرشيد منها.
وهذا الكتاب أبعد ما يكون عن التنظير للحرية. إنه إبنها أولا. كما إنه إبن معتركها الدامي، وإبن مشاغلها اليومية أيضا.
فايز سارة كاتب وصحافي من الطراز الرفيع أيضا. إنه واحد من قلائل الكتاب الذين تأسرهم وتغرر بهم الكلمة حتى لا يمكن النظر اليهم كأشخاص، وانما كأفكار ومواقف وخيارات ووجهات نظر.
الذين يعرفون فايز سارة، يعرفون كم إنه صادق مع نفسه، وقد تأسرهم فيه تفاصيل إنسانية كثيرة، ولكنهم يعرفون إن بساطته في قول الحقيقة (كما يراها على الأقل) تكاد لا تضارعها بساطة.
يتحدث مثلما يكتب، ويكتب مثلما يتحدث. ولن تجد فيه إلا ذلك الشخص نفسه حتى ولو فارقته ما شئت من الزمن.
هل علمته تجربة السجن شيئا؟
لقد زاد على قربه قربا. وربما جعلته المحنة أكثر انكسارا على ما كان يجرحه في وطنه، ولكنه زاد تمسكا بعروة الكلمة الحرة. يقولها وهو لا يخشى من أمرها شيئا، حتى ولو اكتشف قاضي الاستبداد السوريالي الذي كان يحاكمه انها تثير "الوهن في نفسية الأمة".
والحال، فقد امضى فايز سارة جل عمره وهو يطارد ما كان يبدو "خيط دخان". حتى اندلع هذا الربيع ليقول له إن سنواتك التي امضيت، في السجن الصغير، كما في السجن الكبير، لم تمض هباء.
لقد أثمرت رجلا رجلا، كما أثمرت كلمة كلمة!
ويقول الكاتب في تمهيده للكتاب:قد لا يكون مر ظرف على العرب أصعب من الظرف الذي عاشوا فيه ابان العقود الاخيرة. فرغم انهم يعدون أكثر من عشرين دولة، تزيد مساحتها عن مساحة اوربا، وعددهم يزيد عن ثلاثمائة مليون نسمة، ولهم جيوش كبيرة ومجهزة بافضل الاسلحة والمعدات، وعندهم ثروات وقدرات مادية هائلة، فقد عاشوا في حالة ضعف شديد، اساسها ضعف انظمتهم وانعدام قدرات ارادتها السياسية، وعدم القدرة على اتخاذ المبادرة على كل الاصعدة من اجل تغيير اوضاعهم، وتقدم البلدان والشعوب العربية، بل وصل الامر الى عدم القدرة العربية على وقف التدهور المتزايد أو الحد منه على الاقل.
هذا الكتاب يحاول تلمس جوانب من الحياة العربية في خلفياتها وفي أمثلة من الواقع من جهة ثانية، قبل الانتقال الى ملامسة قضايا المستقبل عبر طرح بعض احتياجاته الاساسية، وهي التي مهدت للثورة التي انطلقت مع نهاية العام 2010 من تونس، والتي ما لبثت ان شملت مصر وليبيا واليمن وسوريا وبلدان اخرى، انتصرت الثورة في بعضها، وهي تسير باتجاه الانتصار في بلدان اخرى، فيما تتجه بلدان اخرى لتحول سلمي، يبدل ويغيير واقعها السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وهي الاساس في اهداف وخلاصات الثورة العربية الراهنة.
في هذه الاطلالات على الواقع العربي جهد هدفه كشف خلفيات الواقع العربي للمساعدة من اجل الخروج نحو واقع عربي افضل، ليس لان ذلك هو ضرورة عربية فقط، بل لانه ضرورة انسانية للمنطقة ولشعوبها وللعالم كله، ذلك ان تردي الوضع في المنطقة، وتفسخه المتزايد، الامر الذي كان بين عوامل الثورة، التي ترسم اليوم صوراً مغايرة للمنطقة وشعوبها سوف تؤثر على صورة العالم ومستقبل شعوبه. وما ارجوه اني قدمت مساهمة في هذا السياق.
وتضم محتويات الكتاب الفصول التالية:
الفصل الاول: مشكلات في البنية العربيةـ في اختلال علاقة العرب والسياسة
ـ رجال السياسة عندما يكون هدفهم السلطة
ـ تحدي المجتمع المدني العربي
ـ قيم وعادات لمجتمع عربي مهترئ
ـ في مكونات ثقافة العنف العربية ونتائجها
ـ العرب والعلمانية: ملاحظات عامة
الفصل الثاني: قضايا راهنةـ الدولة الفاشلة في البلدان العربية
ـ التردي العربي: الفلسطينيون صورتنا!
ـ الـ"بدون" العرب متى تحل مشكلتهم؟
ـ الاغتيال السياسي: ملامح من تاريخ اسود
ـ اللاجئون: بعض الاسباب والمسارات
ـ الفقر في الواقع العربي
ـ العرب وأموالهم في الغرب بعد احداث ايلول
ـ العرب والبيئة: المشكلة والعقاب المؤجل
الفصل الثالث: آفاق في المستقبل العربيـ الديمقراطيون في المنطقة العربية: المبادرة مجدداً
ـ الشراكة من اجل التغيير في الواقع العربي
ـ العرب بين تجربة الحوار والحاجة اليه
ـ تحسين صورة العرب لدى الآخر من أين تبدأ
ـ كيف يمكن تفعيل الشارع العربي
ـ نحو جهد اوسع لرعاية الثقافة العربية
الفصل الرابع: بداية الثورات العربية
ـ هل كان الفقر سبب الثورات؟
ـ في خطاب السلطات المنهارة وسلوكها
ـ ثروات الطغاة العرب
ـ مصر بعد تونس لماذا بدت الاحزاب عاجزة؟
ـ نهاية الحزب الحاكم
ـ العرب اذ يطيحون بأمن الدولة
ـ واشنطن وحركة التغيير في الشرق الاوسط
ـ حتى لا تذهب منجزات الشباب ادراج الرياح!
ـ في مستقبل الحراك العربي
خاتمة: بعد ان انتهينا أرفق لكم عرضا لكتاب "العرب وتحديات القرن" لمؤلفه الكاتب السوري فايز سارة راجية أن تتكرموا بنشره.
مع أطيب الأمنيات
منال عبد الرحيم
e-kutub.com
للمراسلات ارجو الكتابة الى:
ekutub.info@gmail.comــــــــــــــــــــــــــــ