بعد أن مات تحت أقدام المؤمنين ورجال الدين. التبشير ينهض من جديد على اكتاف الإنجيليين.
المسيحية كديانة تعتبر التبشير واجبا مقدسا وفرضا على كل مؤمن من اجل إيصال رسالة المسيح إلى جميع البشر في كل مكان وفي سبيل ذلك لا تهم نوعية الوسائل المستخدمة ولا حجم التضحيات المقدمة المهم هو جمالية الصورة التي يعكسها كل مبشر لتعاليم المسيح الخالدة.
بفضل التبشير استطاعت المسيحية أثبات وجودها في عالم مليء بالأصنام وبالكثير من الديانات الأنانية التي تفضل كل واحدة أتباعها على الآخرين وحقق المبشرون في القرون الأولى نجاحات باهرة حملوا من خلالها الدين الجديد إلى كل مكان وطئته أقدامهم دون الاعتماد على أية سلطة دنيوية أو عسكرية ولا حتى على فلسفة يصعب فهمها لأنهم وفق وصف المسيح ليسوا سوى حملان سيدخلون في قطعان الذئاب والمسيح ليس في نظرهم سوى كلمة الله التي يستحق العالم بأسره سماعها دون استثناء.
والنتيجة كانت رفع الصليب هذه الآلة المكروهة فوق كل زاوية من الأرض وانتساب أكثر من نصف سكان المعمورة للمسيحية حتى اليوم ولكن بالرغم من ذلك فالنتائج لا زالت متواضعة ولا زال العالم كله لا يعرف المسيح وبحاجة إلى المزيد من المبشرين إلى حاملي الكلمة الذين يشهدون لتواضع المسيح ومحبته بتصرفاتهم وبخصائصهم وباللون والبريق الذي يجعل المؤمن مشعا بقوة روح القدس فتراه لامعا حتى لو كان قليلا في وسط كبير أو ضئيلا داخل مجتمع عملاق فهو في كل خطوة يتحركها يجب أن يبرهن للعالم بان المسيحية انتشرت بجمال الروح وصفاء الذهنية ورقة المشاعر الإنسانية التي تجذب للدين أكثر من الترهيب والإجبار وتقنين الناس في خطوط ضيقة لا يملكون خيار الخروج منها.
كل مسيحي مؤمن يجب أن يكون مبشرا. هذا ما تعلمناه من الراهبات ونحن صغار وللأسف لم نطبقه بعد إن كبرنا وبفضلنا انحسر التبشير كثيرا وتحول من مهمة تقع على عاتق كل مؤمن إلى مجرد مجال اختياري يفضله بعض الكهنة ورجال الدين ولا يقترب منه آخرون مطلقا لأنه أصبح مثار للشكوك وسببا لاتهام العديد من ممارسيه بضبابية الهدف وانطلاقهم من غايات مبطنة أو سعيا وراء مكاسب مادية أو مصالح بعض القوى الخارجية.
أليس التبشير ركنا من أهم أركان المسيحية ويجب أن يتواجد في كل جزئيات حياتنا اليومية وينطلق من أفواهنا في كل ثانية ويتم ترسيخه من قبل كنائسنا المحلية أو التقليدية التي يعتبر الكثيرون بأن التبشير لم يعد من اختصاصها وكل
من يظن ذلك فهو على خطـأ لأن التبشير جزء أساسي من عقيدتنا الدينية ويجب أن نتعاطاه بشكل طبيعي تماما كالصلاة والصوم لكي يتمكن كل مؤمن من الحديث عن محاسن ديانته دون أن يخشى من عواقب الإنصات أليه.
يجب أن نتحدى نظرة المجتمع الإسلامي للتبشير فإذا اعتبروه تهديدا حقيقيا لديانتهم ولاستمرار أعرافهم الاجتماعية يبقى ذلك شأنهم الخاص ولا يعنينا موقفهم السلبي تجاه جزء مهم من ديانتنا لا من قريب ولا من بعيد وإذا التزمنا به من باب عدم أثارة المشاكل فنحن بذلك نكون مجرد منافقين نبيع الدين لنشتري أشياء أخرى وربما بصمتنا فنحن نحرم شركائنا في الوطن من التمتع بمزايا نادرة لا تتوفر في عقائدهم.
هل اختفت روح التحدي التي عرفت بها كنائسنا التقليدية ؟ وهل تحول رجال ديننا إلى مجرد موظفين عند أكثر من سلطة أم تراه الشعور بثقل المسؤولية الاجتماعية الملقى على عاتقهم حولهم إلى خصوم شرسين للمبشرين القادمين من خلف الحدود لا سيما إن هؤلاء قد يمارسون بعض نشاطاتهم في مناطق تمثل مركز نفوذ للكنائس المحلية التي بدأت تخسر الكثير من أتباعها الذين أستهوتهم حيوية التبشير المفقودة في كنائسهم التي انشغلت بنقاشات داخلية وانقسامات مذهبية عارية عن أي مسوغ ديني وأكثرها اليوم تقف صامتة أمام انخراط أبنائها بين صفوف الإنجيليين والمبشرين الجدد الذي بدئوا بالفعل بتحقيق نتائج ملموسة حتى بين أبناء الديانات الأخرى بعد أن برهنوا للكنائس المحلية بأنها مجرد مؤسسات دينية هرمة تحتاج إلى الكثير من التحديث الروحي بعد أن نخرت الانقسامات والاختلافات أسسها وحولتها إلى هدف سهل أمام الأنهيار.
ملاحظة. لم أكتب هذا الموضوع ألا لغيرتي الشديدة على كنائسنا التقليدية.
عصام خبو بوزوة – تلكيف.