الانسحاب الأميركي من العراق يبعث مجدداً على الخوف من استئناف الحروب والفوضى... بغداد: مخاوف من عودة إتاوات المسلحين
الأحد, 13 نوفمبر 2011
بغداد - خلود العامري – «الحياة»
بغداد تتيهأ للانسحاب الأميركي (جي بي سي ووشر)
لا تقتصر المخاوف السائدة في الشارع العراقي على الجانب الأمني فحسب، فالوضعان الاجتماعي والاقتصادي تسببا في ظهور مخاوف من نوع آخر تتمحور حول حركة السوق في البلاد عقب الانسحاب والحذر من عودة الميليشيات والجماعات المسلحة التي كانت تفرض الإتاوات على أحياء بغداد قبل سنوات.
فرجال الأعمال وبعض العاملين في السوق العراقية بدأوا يتحركون لنقل أموالهم إلى خارج البلاد خوفاً من وقوع المحظور وعودة تسلّط الميليشيات والمسلحين عليهم ومساومتهم على طريقة «الدفع أو ترك العمل».
والقاطنون في مناطق بغداد المختلفة ما زالوا يتذكرون كيف كان أصحاب المحال التجارية والشركات يدفعون الإتاوات إلى المسلحين الخارجين على القانون ليتمكنوا من مزاولة أعمالهم من دون استهداف، بل إن الجباة العاملين مع هؤلاء المسلحين كانوا يحضرون شهرياً لتحصيل الإتاوات من الجميع من دون استثناء بحجة أنهم يوفرون الحماية في تلك المناطق.
محمد هادي الربيعي أحد أصحاب المحال الذين اعتادوا دفع الإتاوات للميليشيات التي كانت تفرض سيطرتها على السكان والأحياء التجارية في حي الحرية الذي يقطنه، يقول: «كنت أدفع سبعين ألف دينار (ما يعادل 60 دولاراً) شهرياً لأحد الجباة العاملين مع الميليشيات لأتمكن من الاستمرار في عملي ولا أضطر إلى إغلاق المحل التجاري الذي أديره مثلما فعل صديقي الذي أُحرق محله التجاري لاحقاً لامتناعه عن الدفع».
الجابي الذي كان يحضر بصحبة مجموعة من المسلحين لتحصيل أموال الإتاوة المفروضة من الميليشيات، ما زالت صورته تراود ذهن محمد الذي يخشى عودة تلك الأيام بعد الانسحاب الأميركي من العراق نهاية العام الحالي والذي ما زال يترقب نتيجة هذا الانسحاب بحذر كبير.
تطمينات الجهات الأمنية حول الوضع الأمني في البلاد عقب الانسحاب ومنها ما تناقلته وسائل الإعلام المحلية عن وزير الدفاع العراقي بالوكالة سعدون الدليمي بأن الأمن سيكون مسؤولية قيادات العمليات، لم تمح من الأذهان مخاوف الناس من عودة تلك المظاهر عقب الانسحاب الأميركي الذي قد تظهر تأثيراته الاجتماعية اللاحقة لو أخفقت الحكومة في السيطرة على الأوضاع.
فالتفاؤل الذي تعكسه التصريحات لا يتجاوز إطار الدعم المعنوي للقوات العراقية بخاصة أن هذه التصريحات قد تتناقض مع تصريحات رئيس أركان الجيش العراقي التي أطلقها في أكثر من مناسبة وأكد فيها حاجة المؤسسة العسكرية إلى عشر سنوات على الأقل لاستكمال بنائها.
وعلى رغم تأكيد غالبية السياسيين العراقيين قدرة قوات الأمن العراقية على حماية الأمن داخلياً والسيطرة على الإرهاب بإمكاناتها المتوافرة التي قد لا تمكنها من السيطرة على الحدود، فإن تلك التأكيدات لا تعطي ثماراً إيجابية لدى العراقييين عموماً.
فسكان المناطق السنّية الذين شهدت مناطقهم اعتقالات واسعة للبعثيين السابقين في الأيام الماضية لا يستبعدون عودة نشاط القاعدة إلى مناطقهم كردِّ فعل على هذا التحرك، والذي سينعكس بدوره في شكل سلبي على حياتهم الاجتماعية وأعمالهم التي ستتعرض للشلل مثلما حدث في السنوات الماضية.
أما سكان المناطق الشيعية الذين ساند بعضهم وجود الميليشيات في مناطقه لإيجاد نوع من التوازن مع وجود القاعدة في المناطق السنّية، فهناك ثقل كبير على كاهلهم بسبب ممارسة الميليشيات دور الوصاية على السكان تماماً مثلما فعلت القاعدة في المناطق السنّية.
بعض العائلات الغنية في بغداد أقدمت على تصفية أعمالها في العاصمة للإقامة في كردستان في المرحلة المقبلة بانتظار ما ستؤول إليه النتائج في نهاية العام.
عضو رابطة رجال الأعمال العراقيين سمير صالح كهيه يعترف بوجود مخاوف في الأوساط الاقتصادية من مرحلة ما بعد الانسحاب. ويقول إن سوقَي العمل والاستثمار شهدا تراجعاً كبيراً «وغالبية رجال الأعمال في العراق يقفون موقف المتفرج في الوقت الحالي ويمتنعون عن توظيف أموالهم في أية نشاطات جديدة تحسباً لأية تطورات لاحقة يمكن أن تعيق أعمالهم».
ويقول إن «المستثمرين ورجال الأعمال الذين عاشوا مرحلة صراع الميليشيات والقاعدة في البلاد في السنوات الماضية ودفعوا أموالاً لا بأس بها للجانبين يقومون بدور المراقب في الوقت الحالي بانتظار ما ستسفر عنه قضية الانسحاب».
ولا يختلف ترقّب رجال الأعمال كثيرا عن ترقب بعض المنظمات المجتمعية التي تخشى عودة التقاليد السائدة في المناطق إبان سطوة القاعدة والميليشيات والتي كانت تفرض على الأهالي نمطاً اجتماعياً خاصاً من الملابس والممارسات الخاصة في هذا المجال.