قصة قصيرةاليسار واليمين
زهـدي الـداوودياعتقد في بادئ الأمر بأن الكلمتين: اليسار واليمين تدخلان في باب الأسرار الحزبية التي يجب أن تبقى شيئاً داخليا صرفا لا يجوز إخراجه إلى العلن. ولكنه بعد عدة لقاءات قصيرة وطويلة أحيانا مع أصحابه، وجد أنهم لا يتقيدون بالسرية عند التطرق إلى الكلمتين اللتين يبدو أنهما ليستا خطرتين بالشكل الذي تصورهما هو. وتبين له من خلال النقاشات البيزنطية، والبيزنطية اللعينة هذه هي في الحقيقة مشكلة أخرى ينبغي فهمها أيضاً، أن الكلمتين لا تطلقان على الناس فحسب، بل على الأحزاب والمنظمات أيضاً. والمشكلة العويصة التي زادت في الطين بلة هي أن الكلمتين أحيانا تحملان أوصافاً تزيد في تعقيدهما أكثر.
ما معنى:
يسار متطرف
يسار معتدل
يمين في بسار اليمين
يمين وسط.
الخ...
إنه ينبغي عليه أولا أن يفهم معنى اليسار واليمين فقط دون الملحقات الإضافية المعقدة.
هل من المعقول أنه الوحيد بين أقرانه الذي لا يعرف معنى الكلمتين؟
كيف سيكون موقف أقرانه منه إذا طرح السؤال عليهم؟ ألا يسخرون منه بسبب النقص في معلوماته؟ لقد بادر ذات يوم إلى الاستفسار عن صديق حميم عن معنى الكلمتين اللعينتين. وتبين له أن الصديق لا يعرف المعنى، حيث اكتفى بالقول: إحدى الكلمتين سيئة والأخرى جيدة. ولكن أي الكلمتين جيدة؟ العلم عند الله. ثم أضاف صديقه: من المستحسن أن توجه السؤال إلى المنظم، لأنه غالبا ما يستعمل الكلمتين.
المسألة أصبحت جدية، إذ أن مجرد طرح السؤال على المنظم يعني الجهل بالموضوع. ولا شك أنه سيحاسبه لعدم طرح السؤال عليه في الوقت المناسب. أي عند سماعه الكلمتين في المرة الأولى. قال له صديقه:
"لماذا تتعلق بالموضوع بهذه الجدية؟ حالك حالنا ولا تكن فضوليا"
أجل استفساره إلى إشعار آخر وأراد أن يكون لا اباليا مثل أقرانه. وأصبح الأمر في طي النسيان.
وجاء موعد الاجتماع التالي للمنظمة الفلاحية التي يعمل فيها، إلى جانب الكوادر الفلاحية، معلمان. وبدأ المنظم، الذي ينحدر من عائلة إقطاعية افتقرت، بالإكثار من ترديد كلمتي اليسار واليمين. وبدا أنه هو الآخر حديث عهد بالكلمتين، أو هكذا تصور المعلمان الأمر. عندها تذكر صاحبنا سؤاله:
"رفيق، هل تسمح لي بسؤال؟"
أجاب المنظم باستعلاء مفتعل:
"تفضل رفيق"
"رفيق الله يخليك. ما معنى اليسار واليمين؟"
سكت المنظم بانتباه وراح يلم خيوط أفكاره، قائلا:
"سؤال وجيه يحتاج إلى جواب معقول يا رفيق"
وبعد صمت قصير قال:
"تصور نفسك واقفا أمام مرحاضين، يعزلهما جدار خفيف، أحدهما مشغول برجل مصاب بالقبض الشديد، يعالج أمره بشق النفس. وفجأة يركض رجل مصاب بالإسهال ويحتل المرحاض الثاني ويطلق صلية محترمة، بحيث يقول الرجل الأول، حاسداً بصورة عفوية: هيجي ط... على رأسي. والآن نأتي إلى جواب سؤالك:
الرجل المصاب بالقبض هو اليمين.
وأما صاحب الصلية فهو اليسار،
هل فهمت؟"