موجز مختصر لرواية الاخوة كرامازوف او الاخوة الاعداء لدستويفسكي
بقلم يوحنا بيداويد
ت الثاني 2011
ملبورن اشتراليا
تعد رواية الاخوة كرامازوف للكاتب الروسي الخالد دستويفسكي بعد قصته الشهير الجريمة والعقاب من اروع قصص الادب العالمي في القرن التاسع عشر. بدأ في كتابتها عام 1879 وبعد عامين انتهى من كتابتها، و بعد نشرها فورا باربع اشهر (1881م ) مات الكاتب دوستويفسكي تاركا كنزا ادبيا كبيرا للروس والعالم مرة اخرى .
تعالج القصة الكثير من المشاكل الاجتماعية في عصر القرن التاسع عشر و العشرين والحادي والعشرين وكأن تركيب الفيلسوف هيجل يحقق من مكانة هذا الكاتب والشاعر ليكون في موقع النبي المصلح فعلا ! .
تتناول الرواية القضايا الجوهرية التي تحير الانسان في هذا العصر، مثل الخير والشر والعدالة السماوية والخلود والحرية، القصة بمجمولها تنوال قضية ازمة الاخلاق وقيم الاجتماعية بين العائلة ورجال الدين و القانون والانانية والغريزة. لهذا بعد نشرها عظمها كثير من كبار المفكرين والعظماء في العالم في ذلك العصر مثل فرويد واينشتاين والفيلسوف الوجودي مارتن هديجر وعالم الرياضيات الحديثة لودويك وايتنشتاين.
في هذه الرواية نجد قمة الابداع الفكري التي اثبتت بلا شك ان دستويفسكي هو كاتب قدير وعالم نفسي محترف وفيلسوف بكل معنر كلمة ورجل دين لاهوتي متعمق ورجل مخابرات من درجة اولى (كما يظهر بجلاء في قصته الاخرى - الجريمة والعقاب).
المحور الرئيسي في هذه الرواية هو اندلاع صراع مرير بين الاب ( فيودور كارامازوف ) وابنه البكر ( ديمتري البالغ 27 من العمر) بسبب علاقة كلاهما لامراة اسمها ( كراشونيكا ذات 22عام ) التي تحترق لممارسة غريزتها الجنسية مع كلاهما بعد عذاب طويل مع صديق قديم لها والتي هربت منه. كان كل احد يتمنى ان تكون خليلته لوحده، ويحتدم الصراع بينهما الى درجة الى تهديد الاب لابنه انه سوف يقتله اذا اقترب من خليلته مرة اخرى. فيقرر الابن بعد عودته من مدينة اخرى كان غادرها اليها من اجل العمل ان يقوم بالدفاع عن حبه لهذه المرأة فيقترب من بيت ابيه. تشاء الاقدار يعلم بهذا الصراع والتهديد بينهما شخص اخر (لقيط من شارع يقال هو ابن غير شرعي لفيودور الاب نفسه من امراة مات في بولادته طفلها اللقيط ). كان هذا الصبي المصاب بمرض الصرع اسمه (سماداركوف) يعيش كخادم للاب اكثر ما ما كان ابناً له يقوم بقتله (الاب فيودور) انتقاما منه من تصرفاته المشينة ودكتاتوريته الابوية. لكن انظار الشرطة والعدالة توجه الاتهام الى ( ديمتري الابن البكر) كمتهم في قضية قتل والده، لانه في يوم حصول الجريمة شاهد كثير من الناس الابن البكر (ديمتري) في نفس الشارع و بيده معول وعلى ملابسه قطرات من الدم وفي جيوبه بضع الالاف من الروبيات ( عملة روسية في حينها).
لكن الاخ الصغير (يوشيا) يصبح اكثر قريبا من اخيه سماداركوف (المجرم) المريض الذي استبعدت الشرطة من قيامه بالجريمة على الرغم من قرب مكان الجريمة بسبب مرضه ونوبة الصرع التي ضربته قبل يوم من حدوث الجريمة. في احدى جلسات يعترف الابن اللقيط (سماداركوف) بأنه هو من قتل (فيدور ابوهم جميعا) انتقاما لمعاملته السيئة له ولهم.
يسمع الاخ الثاني ايفان الذي كان دخل عالم الجنون والهذيان بسبب ماديته وواقعيته المفرطة وفقدان الايمان بالله واهمية الاخلاق في المجتمع حيث كان يقول : " ان الله يسمح العمل بكل شيء!" ( كما يحصل في العراق في هذه الايام من اخيه الاصغر يوشيا هذا الاعتراف الخطير والمهم بأن القاتل الحقيقي لابيه هو ( اخيه الخادم سماداركوف) .
فيهز هذا الاعتراف الخطير اعماقه ، فيستقيظ ايفان من سباته وجنونه وهلوسته و يعود الى وعيه ويقرر ان يكون مهتم بمصير العائلة ، فيبحث عن طريقة نقل هذا الاعتراف الى المحكمة لعله يبريء اخيه الاكبر ( ديمتري من الاب فقط) . وحينما كان يبحث عن طريقة لجعل القاتل الحقيقي أن يأتي الى المحكمة ويتعرف بجريمته ، يصله خبر بان اخيه المجرم الحقيقي (سماداركوف) مات بسبب مرضه اي انتحر.
وفي المحكمة يحاول ديمتري تبريئة نفسه بكافة الطرق ، فيشرح لهم بان النقود التي كان معه هي تعود لخطيبته الحقيقية ( فكتوريا) التي كلفته بأن يرسلها لاختها وانه صرف نصفها في ليلة قبل يوم حدوث الجريمة مع خليلة ابيه (كراشونيكا) في الحانة والنصف الاخر وضعها في ملابسه.
لكن المفارقة الكبيرة تأتي من خطيبته الحقيقية (فكتوريا) نفسها التي تتألم كثيرا لحالة ايفان (اخو ديمتري) الجنونية والكاّبة التي لازمته منذ زمن طويل فظنت انها هي اي ( فكتوريا ) السبب الحقيقي من وراء حالة الكاّباة التي مصاب بها ايفان الشاب كنتيجة لحبها لديمتري. لهذا تقرر التخلي عن (ديمتري) وتغرم بأخيه وتقوم بتكذيب اقوال ديمتري عن النقود التي اعطته اياها، فأنقلبت ايفادتها ضدهُ ، كان الهدف من هذه العملية هو تصحيح خطأها بحبها لديمتري.
اما الابن الصغير يوشيا الذي تربي على يد كاهن (شزيما) فيصبح مصلح واعظ بين اصدقائه في المدرسة وتستمر هذه الحقلة حتى بعد وفاة صديق عزيز عليهم.
تنتهي القصة بحكم العدالة على (ديمتري البريء) الذي كان خطيب لفكتوريا رسميا ومغرم بخليلة والده (كراشونوكا) بالاعمال الشاقة لمدة عشرين سنة في سيبيريا. ولكن فيما بعد تقوم فكتوريا واخيه الصاحي في هذا الوقت ( ايفان) بوشاية احد الحراس لتهريب ( ديمتري ) من السجن من سيبيريا و يتلقي في النهاية كل من فكتوريا و ديمتري في مستشفى حينما كان الاخير يعالج فيها، فيقرران الاعتراف بحبهما واحد للاخر على الرغم من علم كل واحد بالاخر بأنه يحب اشخاص اخرين.
وتنهي مسأة الاخوة كارامازوف اي الاخوة الاعداء في نهاية تراجيدية هو ضياع العائلة كلها وموت الاب والامهات الثلاثة والكاهن والمجرم الحقيقي الذي دفن الحقيقة معه الى الابد.
هذا المقطع منقول
هذا مقطع من حوار بين الابن الثاني ايفان واخيه الابله:
قال"إيفان":
- قل لي: أنت أريتني هذا المال الذي كنت تخبئه عندك، لتقنعني بصدق ما رويته لي، أليس كذلك؟
فنحّى "سمردياكوف" الكتاب السميك الأصفر، الذي كان يغطي حزمة الأوراق المالية، وقال متنهداً:
- خذ المال واحمله معك.
- سأحمله طبعاً.. ولكن لماذا تردّه إليّ الآن وإنت إنما قتلت لتحصل عليه؟
كذلك سأله "إيفان"، وهو ينظر إليه بدهشة كبيرة.
فأجابه "سمردياكوف" بصوت مرتجف، وهو يحرك يده بحركة ملل وسأم:
- أصبحت لا أريد هذا المال! لقد قدرّت خلال مدة ما أن أبدأ بهذا المال حياة جديدة في موسكو، أو قل أيضاً أن أسافر إلى الخارج.. كان لي هذا الأمل، ولا سيّما أنك كنت تقول: "إن كل شيء مباح".. أنت علمتني أن أفكر هذا التفكير، وأن أقضي في الأمور على هذا النحو.. كنت تقول لي دائماً: "إذا لم يوجد الإله الذي لا نهاية له، فالفضيلة إذن باطل لا جدوى منه، ولا داعي إليه".. هكذا كنت تفكر أنت، ولقد استندت أنا إلى أقوالك، واعتمدت عليها.
سأله "إيفان"، وهو يبتسم ابتسامة ساخرة:
- ثم توليت تطبيق هذا التفكير بنفسك في هذه الجريمة.. اليس كذلك؟
- نعم.. مستوحياً آراءك.
- والآن.. هل عدت إلى الإيمان بالله، ما دمت تردّ إليّ المال؟!
دمدم "سمردياكوف" يقول:
- لا.. . أنا لا أؤمن بالله.
- فلم تردّ إليّ المال إذن؟
قال "سمردياكوف"، وهو يحرك يده بحركة ملل وسأم من جديد:
- كفى! فيم يهمك هذا؟ أما كنت تقول عندئذٍ أن كل شيء مباح؟ فما بالك تضطرب الآن هذا الاضطراب كله، حتى لتنوي أن تشي بنفسك؟ على أنك لن تفعل ذلك.. لا.. لن تشي بنفسك.. . لن تشي بنفسك.
كذلك ردد "سمردياكوف" بصوت جازم ينمّ عن اقتناع كامل.
فأجابه "إيفان" بقوله:
- سترى!
- هذا مستبعد استبعاداً مطلقاً.... أنت أذكى من أن تفعل ذلك.. أنت تحب المال.. أعرف هذا، وأنت تحرص كثيراً على أن يحترمك الناس، لأنك مزهو متكبر.. ثم إنك عدا ذلك تتأثر تأثراً شديداً بمفاتن الجنس اللطيف، وأنت فوق هذا كله تحب أن تعيش على ما يشاء لك هواك، دون أن تكون رهناً بأحد.. أنت تحرص على هذا أكثر مما تحرص على أي شيء آخر، ولن تريد أن تفسد حياتك هذا الإفساد بتلطيخ شرفك إلى الأبد أمام المحكمة.. أنت تشبه "فيدور بافلوفتش".. أنت بين سائر أبنائه أكثر شبهاً به، لأنك قد ورثت عنه نفسه.
قال "إيفان" وقد ظهر عليه الإعجاب بملاحظات "سمردياكوف"، وتدفق الدم إلى وجهه:
- - لست بالغبي.. كنت أظنك في الماضي أبله!