شناشيل
الخلية البعثية
عدنان حسينلم يكن العرض الذي أعدته وأخرجته وزارة الداخلية وبثته قناة "العراقية" أول من أمس ناجحاً، بل كان بمثابة مسرحية مهلهلة. فقد أثار العديد من الأسئلة ولم يقدّم لها أجوبة، وهي أسئلة ليست من النوع التي يُطلقها عمل فني أو أدبي يهدف الى إشراك المشاهد أو القارئ في التأمل والتفكير في مضمون العمل ودلالاته.
فكرة جيدة أن يجري الجمع بين المجرم وضحيته، في الأقل من أجل تعميق شعور المجرم بذنبه. وفكرة جيدة أن يعقد الوكيل الأقدم لوزارة الداخلية السيد عدنان الأسدي مؤتمراً صحفياً يتضمن عرضاً لعدد من الارهابيين القتلة أمام عدد من عائلات ضحاياهم ومواجهة مباشرة بينهم، وعرض هذا تلفزيونياً للتأثير في الرأي العام وتأليبه على الإرهاب والإرهابيين، لكن الإعتراض هو على ما وراء العرض برمّته من معلومات .
الذين عُرضوا هم بعض من خلية مرتبطة بحزب البعث مؤلفة من 200 شخص ومتورطة بعمليات قتل وتفجير في عدة محافظات قتل فيها أكثر من ثلاثة آلاف شخص، بحسب ما أُعلن في المؤتمر الصحفي الذي يستفاد من معلوماته ان هذه الخلية ظلت تعمل بحرية منذ العام 2004، وانها مسؤولة عن عمليات كبرى هزّت ليس العاصمة بغداد والمدن المفجوعة الأخرى وإنما العراق كله بسبب جسامة الخسائر البشرية والمادية في معظم هذه العمليات، ومنها تفجيرات الشورجة والصدرية وسوق الغزل ووزارة الصحة والمطوّعين في قيادة شرطة بغداد وشارع حيفا والكرخ وعلاوي الحلة وعرس الدجيل وسوق الذهب في المنصور.
معلوم ان الأحزاب تتألف من خلايا متفرقة يختلف عدد أفرادها باختلاف علنية عمله وسريّته، فخلية الحزب العلني في بلاد ديمقراطية يمكن أن تضم عشرة أو أكثر من الأعضاء، لكن خلية الحزب السري حتى في البلاد الديمقراطية لا يمكن أن يزيد عديدها عن بضعة أفراد، وذلك بسبب الخشية من الانكشاف لأجهزة الأمن والاستخبارات. وحزب البعث محظور في بلادنا ومحرّم عمله دستورياً، وأجهزة الأمن والقضاء تتعامل مع البعثي باعتباره ارهابياً، ومن المفترض ان هذا الحزب، وهو الذي خبر العمل السري في الماضي، لا يشكّل خلاياه الا بأقل عدد من الأعضاء للمحافظة عليها من الإنكشاف، فكيف تكون هناك خلية بعثية بمئتي عضو كما ظهر في المؤتمر الصحفي لوزارة الداخلية؟
الأهم من هذا: كيف ظلت هذه الخلية الكبيرة للغاية تعمل بحرية وترتكب أعمالاً إجرامية كبيرة كل هذه السنوات من دون أن تنكشف؟ أين كانت أجهزة الأمن والاستخبارات؟ لماذا لم تكن هذه الأجهزة في ملاحقتها للخلية البعثية بنفس الدرجة من الكفاءة والحماسة في ملاحقة نشطاء المظاهرات السلمية المطالبين باصلاح النظام السياسي وتعديل مسار العملية السياسية ومكافحة الفساد المالي والاداري وتوفير الخدمات العامة الغائبة المُغيّبة؟
لا أظن اننا نحتاج من وزارة الداخلية الى فبركات ومبالغات وروايات غير محبوكة، فكل ما يلزمنا منها ومن غيرها الوقائع الصحيحة والمعلومات السليمة والأخبار الصادقة لنصفّق لها بحرارة وحماسة.
adnan.h@almadapaper.net