العمالقة يرحلون بصمت
بطرس هرمز النباتي
بالامس رحل عنا الجواهري الكبير ، بعد أن التهمته سنوات الغربة والمنافي النائية والقريبة .. ظل يتنقل حاملا أسفار العراق عبر بوابات العالم .. من منفى الى منفى .. تتلقفه عاصمة لتلفظه أخرى .. وكذلك رحل البياتي وحسين مردان ويوسف الصائغ وناصر يوسف ورابي جرجيس فتح الله ..جميعهم أعتادوا العيش بصمت . . وعندما رحلوا ، رحلواهكذا بصمت مريب .. لآ أدري ..لربما هذا الزمن الرديْ الذي لفظوه وتمردوا عليه .. أملى عليهم التعجيل بالسفر والرحيل.. ألم تحكم أبنة أنو المدللة عشتار على أنكيدو بالموت ، عندما رفض كلكامش مضاجعتها ..وهذه المرة ووسط لهيب دموزي وبذات الصمت المريب .. يصعد اله العالم السفلي ليتجه صوب أرنجا (1).. ليجبر عملاقا آ خر للهبوط معه الى عالمه المخيف ... جليل القيسي ..الرجل المنفي والمبعد،أبدا داخل أسوار القصة العراقية .. والذي أتخذ من ثيماتها ورموزها وشخوصها ملجا آمنا لنفسه ... منذ أن فارقوه أصدقائه(2) السيئيين جدا، أختار لنفسه عنوة، أقامة جبرية وأختار مدينته أرنجا سجنا طوعيا له ..ظل طيلة حياته عاشقا ومتصوفا يتعبد في محراب قلعتها العتيقة .. ومن سطوح منازلها وبدفىء نيرانها الازلية كان ينطلق بعد الكأ س الثالثة أو الرابعة بعيدا ليحلق فوق أسوار بابل واراك .. أو كان يصوغ من جديد أحتفالات أكيتو بصحبة مردوخ وعذارى ا وبغايا هياكل عشتار وحبيبها دموزي ،كل ليلة كان جليل يتسكع في شوارع وازقة ارنجا، بصحبة حراس ملوك بابل او اشور ،يقتادوه تحت حراسة مشددة ليمتثل امام عروش اباطرة التاريخ ،أتذكر عند ما حدثنا عنلقائه بالاميرة السومرية مي _ سي (3)وكيف طارحهاالغرام ، وكيف بادلته الحب، كان يقول حتى لو أصبحت من الماضي ،تذكروا شيئا واحدا ، أنما سأرضى بهذا الماضي لو أمكنني لقاء أميرتي السومرية العاشقة ولو للحضات عابرة ، اه ...ياجليل لازال صوتك الرخيم ، يملأ مسامعي .. يا حبيب البي ، هكذا كان يحلو لك أن تنادينا ، لا زلت لم انتهي من رحلتي بين طيات الاساطير والحكايات القديمة .. لا زلت أود الولوج الى عالم . لم يطرقه سواي من البشر .. ياصديقي لما تعجلت بالرحيل أذن ؟...مرة جائني صوته عبر اسلاك الهاتف ، كان متألما شاكيا ، يا عزيزي ..لدي الام لاتطاق ولربما في اربيل أخصائي يستطيع مساعدتي .. ورحت اطرق أبواب عيادات الاطباء ،لاحجز لك موعدا ، وجاء الموعد بعيدا وانتظرنا ، ومع الايام كانت مسالكه يعتريها الصدأ والقيح ..ياويلنا نحن أبناء العراق كم نرذل عمالقتنا، ونرميهم هكذافي المنافي، اوفي خانات النسيان، وعند وداعهم، نجتر الذكرى ونولول كالثكالى...و اليوم اود انا ايضا ان اجتر بعض الذكرى .. ساحاول ارسم طاولتنا المستديرة .. وقهقهات صباح هرمز التي تشبه ايقاع الماء المنساب بقوة من الكواويز الفخارية ،بهذا كنت تشبهها دوما ، ولطيف نعمان ، وتحرشاته التي لم يكن يستثني منها أحد ..أتذكر عندما جئتنا بقصتك (الموتى يتلون القصص ايضا)(4) ، كنت حينذاك في وضع لم نألفك فيه .. لقد تحدثت عن ثور مجنح في نينوى وعن محاولات هنري لايارد السير البريطاني الذي جاء من خلف بحار العالم يريد سرقته .. والثور يرفض ان يغادر مكانه ( بعناد ملك اشوري حقيقي أبى الثور ان يغادر مكانه .. الذي خلق من اجله اساسا ) جليل القيسي هذا المارد من ارنجا يعترض على هنري لايارد ويامر بايقافه ومنعه من سرقة تماثيل ونصب كالح ونمرود واريدو وشورباك وكيش واشنونا وماري ، القيسي يصرخ في وجه سراق التاريخ ،يدخل معهم في معارك لا تنتهي ثم يتضرع،لتحل فوق رؤوس من يقلق رموز أجدادنا ، لعنات الالهة أيمو وأنليل ونابو شمش ونركال، عليه وعلى أجداده.. امين ))أعتقدنا حينها أن جليل لربما قد مسه ملاك أو شيطان أو جنون أو شييْ من هذا القبيل وضحكنا مليا عندما قال أحدنا ( يبدو قد مسك جنون ولكن من النوع الخفيف ...تحارب الموتى ، وتعاشر اميرات وتصاحب ملوك وامراء مضت عليهم مئات الاعوام ) أجاب باصرار عجيب .. نعم هو كذلك .. قالها بأيجاز شديد ثم قرأنا رده وكأنه يخاطبنا نحن ، في المقابلة التي أجرتها معه جريدة أديب البغدادية (5) يقول جليل القيسي ( صدقني الذين التقيت بهم لم يكونوا اشباحا مثل أشباح الكسندر دوما في روايته (الف شبح وشبح) ولا أطيافا كطيف والد هملت ، بل كانوا هم أنفسهم ، أنا دائما في صعود أورفيوسي ، وسعيد بهلوساتي .. ما العمل والاله الاغريقي ( اتيه) اله الجنون قد مسني بعصاه مسا خفيفا ) في حوار اخر في مساء اخر ، اصر صديقنا على جملة يتيمة واحدة ( الرجال دائما يعودون )(6) فعندما كانت المشاكل والازمات تزحف نحونا ، وكنا نلوك ونجتر مرارا، معبرين عن حنقنا لمدى ما يعانيه جليل وأمثاله العمالقة من الاهمال والابعاد بينما الاميون والجهلةواللصوص وسراق الكلمات، يحتلون المقاعدالامامية والرفيعة ورحنا نشتم من حولنا وحتى ذواتنا . ونعلق خيباتنا وفشلنا على الزمن الرديء او على الالهة المتحكمة بمصائر وقدر البشر كان جليل يردد عبارة واحدة الرجال دائما يعودون ، لم نكن نفقه قصده والى ماذا يرمي ، الا حينما جائنا صباح هرمز بقصته الاخيرة وكانت تحمل ذات العبارة ... أنه وعد أو ما شابه ذلك يقطعه جليل على نفسه .. أذن اتمم وعدك، عد يا عزيزي عد، ولا تجعل من رحيلك ابديا هكذا .. قم حطم الصخرة التي فوق قبرك ..وأترك عصائبك وجراحاتك جانبا ولا تدع العالم السفلي والهته تنبشى جسدك ، كما نبشك عالمنا . .ولكني أعلم جيدا بانهم لو وفروا لك فقط كسرة خبز يابس مع بضعة أوراق وأقلام ومتكأ تسند عليه رأسك المثقل بالهموم والقصص ، وتركوك تكتب لهم، لفظلت البقاء في العالم السفلي لتعانق عشتار وحبيبها دموزي ، ورفضت عالمنا الذي لم تنل منه غير الحرمان والالم ....... [/size]
1- أرنجا مدينة كركوك وتسمى ايضا اربخا ولكنه كان يفضل هذه التسمية
2-(أصدقاء السوء)بهذه الكناية تدعى جماعة ادباء كركوك ،ولكني قمت بالتلاعب بالتسمية قليلا
3-صباح مشرق مع الاميرة مي- سي (قصة قصيرة) نشرها في مجلة بانيبال العدد24شهر اب 2004
4- الموتى يتلون القصص ايضا( قصة قصيرة)منشورة في مجلة بانيبال العدد16 اذار 2002
5-طالع المقابلة المنشورة اه في جريدة (الاديب) البغدادية العدد(70)4 ايار 2005 ص13 ملف الاديب الابداعي جليل القيسي
6- العبارة وردت ضمن (ثلاثون قصة قصيرة جدا في الحب) نشرتها له مجلة بانيبال العدد28 ت1 2005 [/b] [/font]