العولمة وحق تقرير المصير الى أين ؟
منصور سناطي
ان حق تقرير المصير ، هو احد اركان القانون الدولي الذي اقرته الدول الموقعة على ميثاقه ، المتضمن احترام
مقدسات الاخرين ، والحرية الشخصية والرأي الآخر ، وعدم محاولة الغائه ، بل التفاعل معه ، أي الاخذ منه والأضافة اليه ، حسب الفائدة المتوخاة ، مع احترام الخصوصيات ، وما درج عليه الناس ، شرط عدم الاساءة الى
الاخرين ، وان الأرث التاريخي ليس ملك طائفة بعينها او شعب مخصوص ، بل تعتبر ثروة انسانية شمولية ، كما
وردت مواد يفهم منها عدم المزج بين الدين والسياسة .
ولما كانت الديانات من ضمن الخصوصيات ، وهي نفسها تشعبت وغدت فرّقا ومذاهب ، ولكون الاجتهاد في
الدين مسألة صحية ومنطقية ، ما دام هناك نصّا قابلا للتفسير ويحتمل الاجتهاد بطرق عديدة ، لأن الله بحكمته
خلقنا بعقل راجح ، وجعل بين عقولنا فروقا فردية ، واعطانا الصلاحيات والسلطان وشجّعنا على التمحيص
والغربلة ، لسبر مكنونات الأشياء وصولا لجوهرها ، واوصا نا بعدم الاكتفاء بسماتها وقشورها الخارجية بل
بكينونة وجودها ومسبباتها والفائدة المتوخاة منها ، واوصانا ان نكون حكماء كالحيّات وودعاء كالحمام ، وهي
رموز يفهم منها المزج بين الوداعة والطيبة والمحبة وبين الشجاعة والحزم والحكمة ، وان يمشيا معا ، حسب
متطلبات الحالة ، ( فلكل مقام مقال )وابرز مثال على الاعتراف بالأخر وعدم الغائه ، كان في التاريخ القريب ،
عندما اعتذر قداسة البابا الراحل من الكنيسة اليونانية ، وكذلك اعتذر من اليهود ، وهذا يعني ان الكنيسة اعترفت
ولو متأخرا بالاخطاء التي ارتكبتها ، واعترفت بخصوصيات الأخرين واجلّتها ولو بعد حين ، حتى ان بعض
الكنائس الأفريقية تمارس بعض انواع الرقص اثناء الصلاة ، ولم تتدخل الكنيسة لتغيير ما تعوّدوا عليه ودرجوا
على ممارسته ، فهي قمة الأحترام للخصوصية وتشجيعها .
والعولمة ايضا يختلف تعريفها حسب وجهات النظر الشخصية والثقافية فهي تعني : الألتصاق بالحضارة
العالمية في المجال المالي تسويقا واتصالا ، وحرية الخدمات والسلع والعمالة والمعلومات والاستثمار عبر
الأقاليم والقارات وداخل الوطن .
وهي الّلامركزية والابتعاد عن الهيمنة بل هي المنافسة الشريفة لعقد الصفقات التجارية المنصفة ، فتحرك
رأس المال لتشترك جماعات ومؤسسات ذات المصالح المشتركة لنقل انظمتها الى الأسواق الحرة كمرحلة من
مراحل التطور طويلة الأمد ، والتنسيق بين العلاقات الرأسمالية سياسيا واقتصاديا وثقافيا واعلاميا واجتماعيا
وماليا ، في حدود مفتوحة تنتقل خلالها البضائع والمعلومات والأشخاص ، لنقل القيّم والعادات وانماط السلوك
والأعتراف بالأخر وبحضارته ومقدساته ، فتتشكل السّمات العالمية المشتركة للدخول في حلبة السباق ، ليكون
التأثير والتأثر من سماتها .
يستشف مما تقدم ، انحسار النظرة القومية وافول نجمها ، والتاريخ يخبرنا بما الت اليه التعصبات القومية
من فشل ، وعجزها وقصورها لحل مشاكل شعوبها ، لذلك فالتعويل على الاحزاب القومية باتت من غير جدوى ،
فالعالم يتجه للتوحيد ،
اذا هناك اتفاقا عالميا على احترام الخصوصية ، وان محاولة اقصائها تعد مخالفة قانونية ، ما دام هناك متسع
من الأجتهاد واغناء وجهات النظر والفكر وتوسيع مدباته ، وافرازاته ، ليكون الأحترام مشتركا ، ومنح الآخر
فرصة وفسحة للنمو والتطور جنبا الى جنب ثقافتنا ومبادئنا وقيّمنا ، فالارض تسع للجميع ، بان يسكنوا معا ،
ويتفاعلوا معا ، ويتطوروا معا ، ويبحثوا معا ، لتنصب الجهود فيما يخدم الانسانية بمعناها الواسع المهيمن ،
كما ان التعصب والعنصرية المقيتة لا مكان لها تحت الشمس في الحقب اللاحقة ، مما يؤهل الاحزاب والافكار
الليبرالية العالمية ان تكتسح كافة الافكار البالية الفاشلة بعد ان اختبرتها الشعوب واكتوت بنيرانها وعانت من
مصائبها ، فالتعاون والأتحاد يجب ان يكون ديدن الشعوب مع الاحتفاظ بخصوصيتها اذا طاب لها ذلك ، ولنا
عودة !
بقلم – منصور سناطي[/b] [/size] [/font]