عنكاوا كوم تحاور المطران يوحنا إبراهيم
إعلامنا السرياني يحتاج الى تنظيم جدي ونحن مع وطن امن مستقر مستقل
الموصل – عنكاوا كوم – سامر الياس سعيد أعادت زيارة المطران مار غريغوريوس يوحنا إبراهيم مطران أبرشية حلب للسريان الأرثوذكس لمدينة الموصل دفقا من الذكريات التي أعادت عدد من مسيحيي مدينة الموصل الى حقبة استمرت ما بين نهاية ستينيات القرن المنصرم ومطلع سبيعينايته حيث كان المطران مارغريغوريوس قبل سيامته مطرانا يعمل معلما في مدارس الأرثوذكس ويعرف باسم (ملفونو ) فضلا عن نشاطه الملحوظ حيث تداول الموصليين كتاب صلاة الرمش وقد تزين باسم معده الشماس حنا إبراهيم لسنوات عديدة امتدت حتى يومنا الحاضر وقد كانت زيارته الأخيرة موفدا من قبل البطريرك زكا الاول عيواص لحضور حفل تنصيب المطران مار نيقوديموس داؤد متي شرف مطرانا لأبرشية الموصل حيث استثمرنا تواجده بين أحبائه لنحاوره عن الفترة التي قضاها في الموصل في تلك السنوات وما تحمله ذاكرته عنها فضلا عن محاور اخرى عبر هذا اللقاء :
*ماذا يجول بخاطرك وأنت تزور الموصل اليوم وأنت كنت من ابرز العاملين في الأبرشية ومازال حضورك فيها في تلك الحقبة يكلل ذاكرة من جايلك منهم ؟ -خدمت هذه الأبرشية كشماس منذ شباط عام 1967 ولغاية نيسان 1973 وكنت حينها صغيرا في السن وكانت الموصل من الأبرشيات التي يتغنى بها السريان لمكانتها الكنسية ودور من خدم بها ولقد أنجبت بطريركا في بداية القرن الـ (20) هو البطريرك مار اغناطيوس الياس الثالث وكان مطرانا على الموصل وعرفت مطارنة كبار أمثال مار ديونسيوس بهنام سمرجي ومار اثناسيوس توما قصير ومار غريغوريوس بولس بهنام وعندما جئت الى الموصل كان مار سويريوس زكا مطرانها الجليل من المطارنة اللامعين فخدمت تحت كنفه الى نهاية 1967 وفي هذه الفترة كنت اعلم طلاب وطالبات مدرسة الأرثوذكس ومار توما وهذه بداية الخبرة في حياتي التعليم والخدمة مع الشباب والخدمة مع الشباب والخدمة في الكنيسة وشيء أخر مهم هو العلاقة التي بنيتها مع إخوة من الكهنة فضلا عن إخوتي من الكلدان والسريان الكاثوليك ولقد امتد التعاون الى إعداد بعض الكتب في التعليم المسيحي وكذلك برامج عن المسيحية في التلفزيون المحلي:
وعندما جاء نيافة المطران صليبا شمعون في عام 1969 وكنت قد سبقته في الخدمة في الأبرشية وعرفت الناس وتعرفت على أحوال الأبرشية وكنت خير عون له في بدايات الأمر ولكنه علمني الكثير هو الأخر بصدقه وإخلاصه ومحبته للكنيسة وكان له الفضل الكبير ان يطلب لي منحة دراسية لأذهب الى روما وأكمل دراستي العليا في المعهد الشرقي حيث تتلمذ الكثير من البطاركة والمطارنة والكهنة الكاثوليك فتركت الموصل ولي محبة كبيرة لأهلها ومكانة لاتوصف بكلمات لدورها في تكوين شخصيتي وحينما كنت بعد تاريخ مغادرتي اشعر بانتمائي الفعلي لهذه الأبرشية واعتز كثيرا لمن تعرفت عليهم وبعضهم تلاميذي وأتابع نشاطات الأبرشية من كل النواحي فانا أحب التاريخ واختصاصي هو في التاريخ وارى ان أبرشية الموصل تاريخية وهي واحدة من أمهات أبرشياتنا السريانية حيث ان هنالك من البطاركة والمفارنة والمطارنة والكهنة ممن خرجوا من هذه المدينة وقد زين الكنيسة في هذين القرنين 20-21 قداسة سيدنا البطريرك مار اغناطيوس زكا ابن الموصل البار ومطرانها الهمام رئيس أساقفة بغداد بعد ان انتقل إليها وحتى تاريخ انتخابه بطريركا ومطرانية الموصل ستبقى في قلبي وفكري ولن أنساها لأنها علمتني أشياء كثيرة منها معنى الرعاية الصالحة وخدمة الناس من كل الأعمار والأجناس اما عن زياراتي للموصل فهي مرات بعد مغادرتي لها عام 1973 ولكنني اتالم للأوضاع السيئة التي مرت ليس عليها فحسب بل على العراق عموما وبما إنني اشعر بانتمائي الى الموصل كجزء من هذا الوطن الغالي كنت دائما اذكر العراق في صلواتنا ومناسباتنا وفي كل المحافل الدولية في مجلس الكنائس العالمي كنت اريد ان لاينسى العالم موطن الحضارة النهرينية ووطن الثقافات المتعددة واللغات الحية مثل السريانية والآرامية ولكن فعلا كنت اشعر بالحزن للغيمة السوداء التي خيمت سنوات على هذه البلاد الآمنة والتي عاش أبنائها تحت كنف المواطنة فليست هذه المرة الأولى لزيارتي بعد مغادرتي لها ولكنها المرة الخامسة او السادسة ولكنني في هذه المرة أتشرف بان أكون موفد قداسة البطريرك مار اغناطيوس زكا برتبة تجليس نيافة الحبر الجليل مار نيقوديموس داؤد شرف الذي اعرف عائلته معرفة جيدة واعرف جده ووالده وأفراد عائلته وانا اشهد بان هذه العائلة ملتزمة بالكنيسة وإيمان أبائها ولاغرو ان تعطي واحدا من أبنائها ليكون خادما للكنيسة واليوم هو ملاك أبرشية الموصل خلفا للمطران مار غريغوريوس صليبا شمعون وهذه المرة أنا في مهمة وخلال الأربعين سنة ونيف أنا شاهد على تجليس مطرانين في الموصل هما مار عريغوريوس صليبا ومار نيقوديموس شرف ..
*قدمت أبرشية حلب الكثير للعوائل العراقية ممن اختارت هذه المدينة ملاذا لها تحتضنها بعد ان أجبرتهم ظروف العراق على الرحيل عنه ،مالذي قدمتموه لهذه العوائل وكم تبلغ أعدادهم اليوم ؟ - بعد المحنة التي مر بها العراق جاءت عائلات مسيحية الى مدينة حلب حيث بلغت اعدادهم في بعض الأحيان ما يقارب الـ(300) عائلة ومنذ اللحظة الأولى كنت اريد ان يشعر جميع العراقيين بان لديهم أب وأخ كبير في حلب فأعطيت كل ما عندي من إمكانيات في سبيل خدمة الوافدين من المسيحيين بصورة عامة وكرست وقتا مهما من أوقاتي لرعايتهم وفتحت قلبي أولا لهم ثم دار المطرانية المكان الوحيد الذي يلتقون فيه وكنت اشعر لدى مجيئهم للمطرانية أنهم يأتون لبيتهم وقدمت لهم مساعدات ونظمت شؤونهم عن طريق مكتب خاص وعينت فيه من يدير شؤون العراقيين وكنت أفكر بأربعة أمور يحتاجون إليها تأتي في أولوياتها موضوع التعليم حيث فتحنا المدرستين السريانيتين امام جميع الطلبة العراقيين ومجانا لأننا اعتقدنا ان حرمان أولادنا العراقيين من التعليم هو جريمة في المستقبل فعليهم ان يتابعوا دروسهم ويصلوا الى الجامعات ليؤمنوا المستقبل ولايعيشوا في عالم الأمية والموضوع الثاني كان الصحة حيث كثير منهم يحتاج الى علاج ونحن في حلب لدينا مستوصفان باسم مار افرام والاخر باسم مار جرجس وقد أوصيت إدارتي المستوصفان بالالتفات الى كل وافد من العراق لخدمته وتقديم كل ما يلزم وأيضا مجانا في سبيل ان يشعروا ان الناحية الصحية مؤمنة في الأبرشية بالإضافة الى ذلك متابعة بعض الحالات التي تحتاج لتداخل جراحي وهذا ما متوفر في مشافي حلب الأخرى حيث نوجهها لرعاية المرضى العراقيين والناحية الثالثة هي تشكيلنا مكتبا قانونيا للاستشارات فمن كان بحاجة لان يعرف القانون بالنسبة لوجوده او أمور أخرى تستدعي المشاورات كالاستئجار او الشراء فكان عليه ان يراجع المكتب ومجانا أيضا ليضعه المكتب بصورة ما يلزم والناحية الأخيرة هي تامين مواد تموينية ومساعدة العائلات المحتاجة خصوصا في أيام الأعياد فكنا في هذا الأمر ننتظر مساعدات تأتينا من هنا وهناك لنصرفها بأمانة وتشارك المؤسسات الخيرية في موضوع تامين تلك الاحتياجات كما في هذا السياق فكرنا في تامين مقر يومي للعراقيين الوافدين فأعطيناهم صالة من صالات المطرانية لاجتماعهم اليومي ومن جميع الطوائف لكي يبقوا ضمن إطار عيشهم كما في العراق وأقاموا من خلال تلك الاجتماعات نشاطات روحية وثقافية كما تمخض عنها تأسيس أخوية مار توما التي تقدم مواضيع روحية واجتماعية وتحيي مناسبات ليكون اجتماعهم على مائدة المحبة ،
باختصار أقول ان رعاية العراقيين في حلب امتازت بالرعاية الأبوية والمحبة الأخوية وهم يذكرون ذلك اما عن نسبة اعدادهم فحاليا قد قلت اعدادهم عما كان في السابق فكل المسيحيين العراقيين اليوم في حلب تقدر اعدادهم بـ(700-800) عائلة وسبب تقليل العدد يعود لدور الأمم المتحدة بتامين اقامات عدد منهم بالإضافة الى النسبة الأخرى عادت الى العراق بينما كانت أعدادهم سابقا تفوق الألفي عائلة في حلب وينتظر المئات من تلك العوائل فرص السفر الى ما وراء البحار ..
*لك يعود دور الريادة في الدعوة لإقامة ملتقى يهتم بالإعلام السرياني عقد في حلب قبل عامين فضلا عن إقامة مؤتمر أول عقد العام الماضي في عنكاوا وتخلله تكريم لسيادتكم عن دوركم الفاعل في تنشيط الإعلام السرياني ..كيف ترون واقعه اليوم ..؟ - اريد ان اعترف بان إعلامنا السرياني يحتاج الى تنظيم جدي فلدينا صحف ومجلات ومواقع الكترونية وحتى قنوات تلفزيونية ولكنني شعرت في وقت من الاوقات ان انتمائنا الى تسميات أبعدت الواحد عن الأخر وجعلت الواحد في عزلة عن الأخر وهذا الأمر لايخدم وحدة الكلمة ولايتمتع برؤية إعلامية تتطلع الى مستقبل شعبنا المتعدد بطوائفه وانتماءاته المذهبية ونحن في حلب لدينا موقع مطرانية حلب ونشعر بأننا بحاجة ماسة لان نأخذ ونعطي ما لدينا وما عند الاخرين لنغني موقعنا ولكن عدم وجود رابط بيننا وبين المواقع الأخرى أضحى عائق لتطوير الموقع وبقية المواقع وهذه المنطلقات دفعتني لأدعو لأول مؤتمر للإعلام السرياني في دار المطرانية وكانت المشاركة جيدة وتخلل المؤتمر طروحات فاقت تصوراتنا وأكدت التوصيات المنبثقة عن المؤتمر على وحدة الرؤية في الإعلام السرياني فيها خدمة لشعبنا أينما كان وفي اللقاء الثاني الذي جرى في عنكاوا برزت طروحات جديدة ولكنني أتمنى على القائمين على موضوع وحدة الإعلام السرياني ان يستمروا في لقاءاتهم لان اللقاء مهما كان نوعه له فائدة كبيرة في ان ترى وتسمع وتناقش الأخر بحضوره وهذه هي الفائدة المبتغية من اللقاءات والذي ارجوه ان يستمر ويتوجب على الكنيسة بشكل عام ان تنظر الى الإعلام غير الكنسي بنظرة تقدير لان إعلام الأحزاب والمنظمات والمؤسسات غير الكنسية مهم لشعبنا وعلى هذه أيضا ان لاتتجاهل دور المواقع الكنسية وانا اعتقد وبشكل جازم ان واحدنا يكمل الأخر فنحن بدونهم نشعر بنقص وهم بدوننا يشعرون بذات الشيء فلماذا لاتمتد اليد من كل جانب الى اليد الأخرى واترك الموضوع للقائمين على الإعلام السرياني لتفعيل دوره وتطبيق توصياته والخروج بنتائج تخدم شعبنا سواء هنا في أوطاننا وخارج المنطقة ..
*تمر اليوم سوريا في مرحلة مهمة ،لابد للمسيحيين من دور فاعل وخطير في خضم تلك التطورات التي يشهدها هذا البلد فما هو الموقف الذي على المسيحيين خوضه إزاء تلك التطورات ؟ - ان المسيحيين بشكل عام والسريان بشكل خاص لاينكرون بان عهد الرئيسين حافظ الأسد وبشار الأسد كانا عهد استقرار وأمان في سوريا وما جناه المسيحيون في الأربعين سنة ونيف كان يؤكد على ان المساواة والعدالة في الدستور وفي الواقع متوافران ويكفي ان أشير الى ان الدستور وسلوك الحكومات كان يؤكدان على مساواة الجامع بالكنيسة في كل شيء مثلا في مجانية الكهرباء والماء والإعفاء من الضرائب وعدم إلزام رجال الدين المسيحيين بالخدمة الإلزامية وإهداء أراض في احياء جديدة لبناء الكنائس وغيرها من الأمور التي لم تكن موجودة بالإضافة الى حرية ممارسة الطقوس والتقاليد والعادات حتى في شوارع المدن بمناسبات الأعياد وفي الوقت الحاضر ما ناديت به ونادى به قادة الكنائس في كل الطوائف هو ان جميع المسيحيين في سوريا يقفون مع امن وأمان واستقرار هذا الوطن ونحن قلقون تجاه الفراغ والمجهول والفوضى ولهذا بالنسبة ألينا ما وفره هذا النظام نريده ان يكون موفرا دائما ونحن لانستطيع ان نجابه التطرف والجهل الا عندما يكون الوطن في امن وأمان من هنا نادينا بالحريات العامة والإصلاح في كل المجالات واقتلاع الفساد من جذوره ومنح مساحة اكبر للديمقراطية وإجراء انتخابات حرة ونزيهة وضرورة إفساح المجال امام تعددية الأحزاب ولكن هذه المطالبات ليست بالضرورة لنقف مع من يريد تشويه صفحة سوريا ويخرب البلد ويدمره فنحن المسيحيين نقف ضد كل من يقتل ويسلب ويستهتر بكرامات الناس ومن هنا ننادي بالنظام الذي هو ضد الفوضى ومن لايفهمنا يضعنا في خانة أخرى ليست لنا فهو يتخيلها ويريد الصاقها بنا وأتساءل من من المواطنين الشرفاء مسلما كان أم مسيحيا لايريد الاستقرار عنوانا لوطنه وهذه هي منطلقاتنا ولانقبل أبدا ان تصنف الكنيسة مع هذا او ضد ذاك فنحن نريد ان ينور الله العقول فيعود المواطنين الى بعضهم ويتعاونون من اجل ازدهاره وتقدمه في المجالات ونحن مع وطن امن مستقر مستقل ولانقبل بالتدخل الاجنبي سواء كان عربيا أم غير عربي حتى يحتل عقولنا ووطننا ويجعلنا تحت الهيمنة ..
*تحظى مدارس العراق وخصوصا في المناطق التي تحظى بتواجد ابناء شعبنا بتجربة التعليم السرياني فهل هنالك توجه من سيادتكم للمطالبة بتعزيز تلك التجربة ونقلها للمدارس في سوريا ؟ - تجربتنا في سوريا مع اللغة السريانية هي بسماح وزارة التربية بتعليم اللغة كلغة طقسية وليست كلغة منهجية مستقلة كاللغتين الانكليزية والفرنسية ولقد طالبنا بان تكون سوريا بالذات الوطن الرائد في تعليم اللغة السريانية الارامية كونها لغة سوريا الأصلية قبل ان تأتي العربية بعد الفتح العربي ونرجو ان تكون الأذان صاغية لتلبية هذا النداء حتى نحظى بتعليم لغة ابائنا وتراثنا لاحفادنا على الأقل في مدارسنا كما ان هذا النداء موجه أيضا لوزارة التعليم العالي في سوريا لنجعل من اللغة السريانية واحدة من اللغات التي تدرس في كلية الآداب او التاريخ كما هو الحال في مصر ولااستطيع ان أتصور ان في مصر قسم للغة السريانية وقسم غني جدا ولاعلاقة لمصر باللغة ولايوجد في سوريا مثال لهذا القسم اما عن تجربة العراق في هذا المجال حيث ادخلت اللغة كلغة أساسية في مناهج المدارس حيث يعيش هذا المكون(السرياني الكلداني الاشوري ) حيث تبدو الفرصة متاحة لسوريا لتعمل على احياء اللغة السريانية الارامية وتسمح لنا الحكومة السورية بفتح معاهد رسمية مثلما هو الحال مع معاهد اللغات في هذا البلد فانا اغبط اولئك الذين كانوا وراء احياء اللغة السريانية في مدارس العراق خصوصا في شماله واتمنى لهم التوفيق وان يستفيد شعبنا السرياني الكلداني الاشوري من هذه الفرصة فيستعيد معلومات عن لغة ابائه وتكون فعلا لغة محكية ومقرؤة ومكتوبة خاصة وان الإعلام السرياني يعطي أهمية لذلك من خلال نشر الكتب السريانية وهي تعد بوابة لبعث اللغة وجعلها لغة حية ..