رحلَ صديق العراق
عبدالمنعم الاعسم
aalassam@hotmail.comفي حملة التجييش على العراق، في مصر، وضجيج التعدي على حق العراقيين في الانعتاق من قبضة الدكتاتورية وقف الرجل على مسافة محسوبة، ونصح مهرجين ناصريين، مثل مصطفى بكري، بوجوب التأني حتى يلتقط العراقيون انفاسهم بعد ان قضوا في علبة ضيقة السقف طوال ثلاثة اجيال متتالية.
لم يدخل الرجل، خلال الاعوام الثلاثة الماضية، في سجال مع اولئك المهرجين لانه كان مريضا، منصرفا الى راحة آخر العمر، متأملا معنى الموت والحياة، لكنه كان يكشف للمتطرفين عن الجرح القاتل في عنقه على يد احد البرابرة الذين، انفسهم، يرسلون الان اوساخهم الاعلامية والبشرية الى العراق بمدى وفتاوى ومفخخات وعزائم اجرامية لقتل العراقيين الامنين.
فماذا حدث للرجل، كما يحدث لنا الان؟
في الساعة الخامسة والربع من مساء يوم الجمعة الرابع عشر من اكتوبر عام 1994 كاد صديق العراقيين ان يلقى حتفه على يد مجرم ينتمي لاحدى خلايا الارهاب الاسلامية المسلحة في القاهرة، كان قد قرأ فتوى اصدرها امير الجماعة عمر عبدالرحمن بتكفير الرجل بسبب روايته الفلسفية(اولاد حارتنا) وسارع الى اغتنام الفرصة لدخول الجنة، فاعد، متقصدا، سكيناً بدائيا وشحَذه بعناية، وراح يراقب الرجل الآمن الذي تخطى آنذاك الثمانين من عمره، ثم اتخذ القرار بقتله في تلك السكين خلال ركوبه سيارة احد اصدقائه متوجها الى مكان كان يرتاده مساء كل يوم جمعة، وشاء حظ الشيخ ان تطيش يد القاتل لكن بعد ان تركت في رقبته جرحا غائرا، مثل الجروح الغائرة التي يتركها يوميا قتلة، من نفس الجنس البربري، في رقبة العراق.
القاتل، الحالم بالجنة والحور العين والولدان المخلدين، ابلغ المحكمة انه لم يقرأ (اولاد حارتنا) ولم يلتق يوما صاحبها، ولا يعرف افكاره إلا من خلال فتوى التكفير، بل وقال انه لم يكن ليهمه ان يقرأ الرواية او يستمع لرأي الكاتب او يدقق في صدق التكفير، لان (الامير) تكفل ذلك، وقال ايضا، انه بوصفه انتحاريا، جهاديا، يشعر بخيبة الامل مرتين، مرة ان ينجو (الكاتب الكافر) من سكينه، ومرة لانه تأخر عن اللحاق بالجنة وكان يتمنى ان يموت ساعة الهجوم.
في رواية للرجل اسمها (الكرنك) يمكن ان نجد العراق في سلوك وعقيدة ابطالها الذين رفضوا حكم الفرد والعنف الدموي، والتطرف ، ودافعوا عن قيم الحرية والانعتاق وحقوق الانسان، فيما كان خالد صفوان يمثل السلطة الغاشمة في ملامحها الدكتاتورية إذ اصدر عليها الكاتب حكم العدالة، وارسلها الى مزبلة التاريخ.
كنت اتحدث عن رحيل نجيب محفوظ.
ـــــــــــــــــــــــــــ
..وكلام مفيد
ـــــــــــــــــــــــــــ
“ قال عمر بن الخطاب لاحد عماله: اعتبر منزلتك عند الله بمنزلتك عند الناس”.
الطبري[/b] [/size] [/font]