الحركة السياسية الآشورية السورية بين السلطة والمعارضة
سليمان يوسف يوسف
بفضل الأمن والاستقرار النسبي، الذي نعم به آشوريو سورية، بعد ترسيم الحدود مع تركيا عام 1923وخلاصهم من نير الاستعمار العثماني التركي الذي أودى بحياة أكثر من ثلثي الآشوريين السريان طيلة فترة حكمه للمنطقة، تمكنوا من لملمة جراحهم والعودة إلى مسرح الحياة واعادة بناء كيانهم الثقافي والاجتماعي، من خلال اقامة العديد من الجمعيات الثقافية والنوادي الاجتماعية والمدارس الخاصة التي سمح بها في اطار هامش الحريات الدينية في سورية. وقد شكلت تلك المؤسسات الأرضية الخصبة والبيئة المناسبة لانطلاقة العمل القومي الآشوري المنظم وتأسيس أول تنظيم سياسي آشوري في سورية عام 1957وهو المنظمة الآشورية الديمقراطية التي تشكل اليوم أحد الفصائل الأساسية في الحركة السياسية الآشورية.
ولم تكد تثبت الحركة السياسية الآشورية في سورية أقدامها على الأرض، حتى جاء حكم الوحدة مع مصر عام 1958 الذي أجهض التجربة الديمقراطية الفتية وقضى على الحياة الليبرالية في سورية بإلغائه جميع الأحزاب وممارسة الاستبداد على القوميات غير العربية، إذ فرض حصاراً حقيقياً على المؤسسات الآشورية السريانية الكلدانية. وقبل أن تكتمل فرحة الشعب السوري بالعودة الى الحياة الليبرالية بعد سقوط نظام الوحدة عام 1961ورفع غطاء الاستبداد عنه، جاء انقلاب حزب البعث العربي الاشتراكي على السلطة في آذار عام 1963 ليقوم بمصادرة الحريات السياسية واحتكار السلطة وليبقي الشعب السوري تحت حكم قانون الطوارئ. وقد عانت الحركة السياسية الآشورية في ظل حكم البعث، كسائر الأحزاب والقوى الوطنية السورية الأخرى، شتى أشكال القمع والاستبداد السياسي والفكري، حيث تعرض نشطاؤها للملاحقة والاعتقال ونفيهم من مكان عملهم الى محافظات أخرى، وأعادت سلطات البعث فرض الحصار على المؤسسات الآشورية، التي أقيمت في الثلاثينات من القرن الماضي، والتضييق على نشاطاتها. هذه الأوضاع السياسية الصعبة التي أحاطت بالآشوريين وحركتهم السياسية، أجبرتهم على الانكفاء على الذات والتحرك بحذر شديد على الساحة السياسية، كما دفعت بآلاف العائلات الآشورية السريانية الكلدانية الى الهجرة من سورية باتجاه لبنان والدول الأوروبية.
لا شك في أن إحقاق الحقوق القومية والديمقراطية للشعب الآشوري السوري، يرتبط بمدى تقدم كل من العملية الديمقراطية والحريات السياسية ومسألة حقوق الإنسان في سورية، فهذه قضايا ما زالت غائبة عن الحياة السورية. لكن هذه الظروف السياسية الصعبة التي أحاطت، وما زالت تحيط بالحركة الآشورية والتي أعاقت تطورها ونموها، لا تعفيها كحركة سياسية يمتد عمرها قرابة نصف قرن من الزمن، من مسؤولية إخفاقها في إبراز الحالة الآشورية الى الرأي العام السوري باعتبارها مسألة وطنية سورية، وبقائها هي كحركة سياسية معزولة عن بقية القوى الوطنية الأخرى، فقد كان للحركة السياسية الآشورية الكثير من الأخطاء والتقصير في أدائها السياسي. من أبرز هذه الأخطاء، فكرياً: تمحور خطاب الحركة الآشورية حول الداخل الآشوري متجاهلاً الآخر السوري وتركيزه كثيراً على المسائل التاريخية والقضايا الاجتماعية والتراثية، على حساب القضايا السياسية والحقوق الأساسية للآشوريين ومعاناتهم. كما اتسم فكرها القومي بالضعف والضبابية واعتمد بالدرجة الأولى، على الشعور القومي مهملاً جانب الوعي، وهو الأهم في السياسة؛ كان فكراً مبنياً على تصورات وتأملات معينة هي أقرب الى الرومانسية القومية من الواقعية السياسية، فكراً منفصلاً عن الواقع، وفي احيان كثيرة متناقضاً مع هذا الواقع.
سياسياً: افتقرت الحركة الآشورية لبرنامج سياسي واضح الأهداف والتصورات حول المستقبل الآشوري في سورية، كما أنها افتقرت الى آليات عمل فعالة واستراتيجية قومية، لتواجه مشكلات الواقع الآشوري المأزوم (أزمة الهوية، واشكالية التسمية) والتقدم نحو الحقوق الآشورية. لقد طرحت الكثير من الأسئلة حول الموضوع الآشوري ، لكن من غير أن تقدم أجوبة محددة وواضحة عن هذه التساؤلات. كما أن الحركة السياسية الآشورية أخطأت كثيراً برضوخها التام لمحاذير وتهديدات السلطة وابتعادها عن قوى المعارضة الوطنية وعدم انخراطها في حركة التغيير الديمقراطي في سورية، التي تسعى لبناء نظام سياسي ديمقراطي تعددي، يمكن في ظله فقط حل مسألة التعددية القومية والسياسية في سورية وحصول الآشوريين على حقوقهم. ولا شك في أن الحركة السياسية الآشورية بدأت في السنوات الأخيرة استدراك هذا الخطأ، بفتح الحوار مع مختلف قوى المعارضة السورية في الداخل ومد الجسور معها، وبدأت تظهر وتتواجد في العديد من فعاليات الحراك السياسي والثقافي الذي تشهده الساحة السورية، وهي اليوم تطمح لتصبح جزءاً من الحركة الوطنية السورية، لكنها ما زالت مترددة في الدخول ضمن تحالفات سياسية مع قوى المعارضة السياسية. وهذا التردد يعود بالدرجة الأولى الى الخشية من معاقبة السلطات السورية، وبالدرجة الثانية الى عدم وضوح موقف ورؤية المعارضة السورية ذاتها من مسألة التعددية القومية في سورية عامة ومن الموضوع الآشوري وحقوق الآشوريين خاصة. فالحركة الآشورية السورية تنظر بعين الى سلطة قوية وقمعية تخشاها، وبالعين الأخرى الى معارضة ضعيفة مشتتة تثير الشكوك حولها وبقدرتها على أن تكون بديلاً ديمقراطياً للنظام القائم واقامة مجتمع تعددي ديمقراطي ليبرالي علماني في سورية. إلى ذلك، ترى شخصيات عديدة في الحركة السياسية الآشورية أن نتائج وقرارات المؤتمر الأخير لحزب البعث الحاكم، جاءت مخيبة للآمال، خصوصاً بالنسبة لقانون الأحزاب والحريات السياسية والإعلامية. فما أوصى به المؤتمر "على أن لا تكون الأحزاب العاملة في سورية ذات هوية أثنية أو دينية أو مناطقية" جاء مجحفاً بحق القوميات غير العربية، وبخاصة الآشورية، باعتبارها أقدم المكونات أو القوميات السورية وأكثرها أصالة وعمقاً في تاريخ وحضارة سورية، كما أنها أقرب الى الـقومية الثقافية من الـقومية الإثنية أو العرقية، فهي تشمل مختلف الأديان والعقائد السورية. لهذا ترى الكثير من الأوساط السياسية والثقافية الآشورية أنه من الخطأ أن ينظر للحركة الآشورية السورية على أنها مجرد حركة إثنية أو طائفية، وإن كانت غالبية أعضائها من المسيحيين الآشوريين (سريان- كلدان). فهي لا تتخذ من دين العضو وعقيدته شرطاً لقبوله في صفوفها وهي لا تمتنع عن ضم أي شخص سوري يؤمن بأن الهوية الآشورية/السريانية/الكلدانية هي جزء ومكون أساسي من الهوية الوطنية لسورية.
-------------------
نشر هذا المقال كذلك في جريدة صدى البلد 8/8/2005