السلام هبة السماء للأرض
(رسلة راعوية)
الأب يوحنا عيسىإلى أبناء أبرشية عقرة الأحباء
عليكم النعمة والسلام من لدن الله أبينا
والرب يسوع المسيحيسرني أن أوجه إليكم، أيها الأحبة، هذه الرسالة، لمناسبة أعياد الميلاد ورأس السنة الجديدة لكيما أتقدم إليكم بأحر تهاني مقرونة بأطيب أماني لكم ولأسركم الكريمة, وكذلك لكيما أتناول فيها موضوعاً نحن بأمس الحاجة إليه ألا وهو السلام.
1) السلام هبة السماء...إن السلام، ولاشك هبة من هبات السماء للأرض. وهذه الهبة تعطيها مجاناًوذلك لفرط حبها الجم وليس بسبب حق أو استحقاق منا. هنا يكمن سبب عطاء السماء لنا هذه الهبة، شأن هبات وخيرات أخرى كثيرة: إنها تحبنا، هذا هو سر السماء. وما في السماء كما على الأرض، سوى الحب وحده "الله محبة". وفيما قد ينقص في هذا الحب بعد من أبعاده على الأرض أو قد يتحول إلى شيء آخر فإن الحب في السماء يظل باقياً، قائماً، دائماً وثابتاً.
وإذا كانت السماء لم تبخل، لحظة واحدة، بهذه الهبة للأرض، فقد منت عليها، هذه المرة، بهذه العطية مرافقة لمولد أمير السلام يسوع المسيح وهو أكبر وأعظم عطية من السماء للأرض. أولم ينشد الملائكة في يوم مولده قائلين "المجد لله في السماء وعلى الأرض السلام"، الأمر الذي يعني أن السلام على الأرض أفضل تعبير مرئي عن مجد الله السماوي.
2) للأرضإذا كانت السماء قد أعطت ومازالت تعطي هذه الهبة مجاناً للأرض أي للإنسان، كل إنسان، فعليها، والحالة هذه، أن تقبلها وأن تستثمرها لتصبح بمثابة أساس دائم وثابت عليها ترتكز الحياة الإنسانية والمسيحية إذ من المعروف ألا أمن ولا استقرار، لا تطور ولا تقدم إلا عن طريق السلام. وقد دلت على ذلك تجربة الإنسان الطويلة والمريرة، عبر التاريخ، عندما كان يفقد هذه القيمة الأساسية في حياته.
والسلام الذي نعنيه وننشده ليس سلاماً خارجياً حسب وإنما سلاماً داخلياً يقوم على التماسك والوحدة مع الذات وعلى الوئام والانسجام والتناغم داخل قوى الإنسان وإذ ذاك يمكن للإنسان أن يسعى إلى نشره خارجاً عنه ونعني بذلك الإنسان الآخر كما في الطبيعة.
ومما قد يعرض هذا السلام للخطر هو وجود تحديات كبيرة وكثيرة تقف أمامه وأبرزها الخطيئة التي تدخل الاضطراب في الإنسان والتي هي أصل قيام الحروب والفوضى والنزاع والخصام. فالحروب، على سبيل المثال، تبدأ أولاً داخل الإنسان أي في عقله وقلبه ومن ثم تندلع في الخارج. ولذلك يجب إطفاء الحروب في الداخل أولاً ومن ثم في الخارج.
3) متطلبات السلامأما تحقيق هذا السلام فهو يشترط توفر متطلبات معينة:
أ. توفر مناخ ملائم للسلام لينمو ويكبر. فلا يمكن أن يقوم ويدوم السلام في ظل أو مناخ الحرب.
ب. أن يكون لجميع بني البشر طيب الإرادة في صنعه. فالسلام ليس منوطاً بشخص أو شخصين بل بكل الناس. ومتى ما أراد هؤلاء السلام عليهم أن يكفوا عن إشعال الحرب كما عليهم أن يلقوا ويكسروا كل أسلحة الحرب ويشرعوا باستخدام كل أسلحة السلام من أجل بنائه.
ج. أن تتظافر كل الجهود وتبذل كل المساعي من قبل الأفراد والمؤسسات المعنية من أجل استتباب السلام.
د. إرساء السلام على أسس ودعائم المحبة والعدالة ذلك أن السلام إن هو إلا ثمرة هاتين القيمتين إذ لا سلام من دون المحبة وكذلك من دون العدالة.
4. خطوات عملية يجب اتخاذها.بيد أن هذه المتطلبات غير كافية ما لم ترافقها خطوات أخرى عملية لكيما يقوم ويدوم ويكتمل السلام. وإليكم بعضاً من هذه الخطوات:
أ. أن نتصالح مع الله، مع الآخر ومع الذات. والتصالح مع الذات يعني أن نستعيد التماسك والوحدة مع الذات التي كنا قد فقدناها. فلا يكون هناك تعارض بل تطابق في حياتنا.
ب. أن نصفي وننقي قلوبنا من الحقد والكراهية والضغينة فنقول مع المزمر "قلباً نقياً أخلق في يا الله".
ج. أن نعترف بأخطائنا وخطايانا وذنوبنا طالبين الرحمة والمغفرة مما يتطلب منا الجرأة والشجاعة.
د. أن نصفح ونغفر لبعضنا البعض أثناء أدائنا الصلاة أو خارجها. فيأتي هذا الغفران بمثابة تعبير عن ممارسة سلطتنا على غفران الخطايا وكذلك بمثابة تعبير عن حبنا. فالذي يحب هو وحده يغفر!
ه. أن تكون لنا الشجاعة في المبادرة إلى السلام. فنقوم بأول خطوة جريئة في سبيل السلام من دون أن ننتظر من الآخر فعل ذلك. فالشجاع هو من بدأ بالخطوة الأولى.
و. أن نكون على استعداد دائم لقبول هذا السلام من الطرف الآخر من دون أن نعتبر ذلك ضعفاً أو جبناً بل قوة.
وأختتم رسالتي هذه إليكم بالدعاء لكم جميعاً من أمير السلام بقضاء أيام سعيدة هانئة. ملؤها الحب والسلام وكلي أمل بأن هذه الرسالة ستساهم في صنع السلام وإرساء دعائمه في حياتكم الشخصية والأسرية.
دمتم تحت حماية أمنا مريم العذراء
المخلص لكم
الأب يوحنا عيسى
المدبر البطريركي لأبرشية عقرة
عيد الميلاد المجيد 2011