نحو الذكرى العاشرة لرحيل المناضل توما توماس
(5)
نبيل يونس دمان
مقدمة : لدي الكثير من الذكريات والصور والاوراق للراحل الخالد ، كلما سنحت الظروف انشر بعضها ، يراودني امل جمعها وتوثيقها يوما ما ، وبالتنسيق مع اولاده الطيبين . اود الان نشر صفحات مختارة من كتابي الموسوم ( القوش حصن نينوى المنيع ) الذي بنتظر الطبع .
3- مهمة سعدي الزاويتي
سعدي هو احد رؤساء العشائر في منطقة زاويته – دهوك ، في فترة اواسط الستينات تعاون مع الحكومة ، وقد كلف آنذاك بالتوجه الى القوش لاعتقال او قتل توما توماس لقاء حفنة من المال او مركز أغري به .
جهز سعدي حملة جيدة التسليح والاعداد وبمعيته العشرات من رجاله واقاموا في بناية المار قرداغ . شرع سعدي بالتجول في سوق البلدة وميادينها المتواضعة وازقتها ، مزهوا ً بسلاحه ورجاله وهو يحيط بالسرية مهمته التي قدم من اجلها. ارتكب بعض الحماقات ضد ابناء البلدة شأنه شأن من سبقه من مطايا السلطة ، وبعد فترة من الزمن شاءت الصدف ان يتواجد ابن القوش البار توما توماس في سوق البلدة غير هيّاب ومستعد لأية مفاجأة . بلغت اسماع السلطة وجوده في السوق من وكلائها ، ضعاف النفوس الذين لا يخلو منهم مكان او زمان ، فأيقظت الأغا ليجهز رجاله بسرعة وينفذ مهمته .
لم تمض دقائق حتى كان سعدي وازلامه على كامل الاستعداد ، واتجهوا حثيثا ً من مركز الشرطة الى سوق البلدة ، بعد قليل أوصَل خبر ذلك التحرك المشبوه وعلى جناح السرعة بعض شباب البلدة الغيارى الى ابي جوزيف . وعند انتشار الخبر بين الناس سرى نوع من الحذر والترقب ، فيما القائد وكعادته دائما ً ، لم يعر اهمية كبيرة لما سمعه ، بل واصل حديثه مع الناس بالهدوء الذي عرف به.
حدثت بلبلة في السوق عند قرب وصول الجحوش ( بحق سماهم البارزاني الخالد : جاش بوليس ) الى السوق ، ولخشية الناس من وقوع مواجهة مسلحة ، شرع اصحاب الدكاكين باقفال دكاكينها ، وخرج من كان جليسا ً في المقاهي الشعبية ، والبعض اسرع الى بيته ابتعادا ً من الموقف الصعب ، ولكن مع ذلك ظل قسم في السوق يراقب ما سيحدث ولاتخاذ الخطوات الضرورية للدفاع عن ابن بلدتهم المحبوب ، وهم مسلحون بالمسدسات المخفية جيدا ً.
كان سلاح توما توماس مسدسا ً ايضا ً ، لكن من نوع فاخر ومن عيار 14 ( چارداخوي ) ، فسحب اقسامه واستعد للمواجهة ، وفي تلك الاثناء وصل عدد من رجاله المدججين بالسلاح الى السوق ، واتخذوا مواقعهم فوق مقهى 14 تموز، موجهين اسلحتهم باتجاه الشارع المتجه نحو المركز . في تلك الساعة الحرجة ، توجه بعض المواطنين الى ابي جوزيف بالنصح ‘ في تجنب الصدام والانسحاب الى داره في محلة سينا ، فاجابهم بانه لا ينوي مغادرة مكانه وانه سيتصرف بما يراه مناسبا ً.
في اللحظات الحاسمة ، اتخذ توما توماس من احد منعطفات السوق كمينا ً له ، وفيما سعدي يتباطأ ويتردد في خطواته الاخيرة قبل ان تطأ اقدامه السوق ، في تلك الاثناء خرج توما توماس وبيده مسدسه ليقف امام مجموعة الجحوش ، فيما سحب الرجال فوق المقهى ( وعددهم اثنين فقط ، اذكر منهم عبد الرحمن المزوري من قرية پيرموس خلف جبل القوش ) اقسام بنادقهم ومطلقين صوتهم الهادر الى المتقدمين بالتوقف ، والقائد يأمرهم بالاستسلام . اصاب الموقف سعدي أغا بالهلع وهزته المفاجأة ، فقال : " أسْ بَني ..... اي يا صاحب المقام نحن اخوة واصدقاء ، وليس بيننا عداء ، انا ورجالي لا نضمر لك السوء ، بقدر ما نحن في الطريق الى مقرنا في بناية المار قرداغ " . فأجابه توما توماس بشهامته المعهودة : " ان كان ذلك هدفكم ، تستطيعون المواصلة دون توقف او التفات الى الوراء ".
هكذا أنزل سعدي سلاحه من كتفه ونكسه ، وفعل ذلك رجاله ، ومروا جميعا ً امام القائد بذل وانكسار في عرف العشائر . بعد ايام لم يطق البقاء في القوش خجلا ً ، فانسحب منها الى منطقته منكفئا ً ، ولم يسمع به احد منذ ذلك اليوم .[/b][/size][/font]