محطات الأنا في مدائني أنا


المحرر موضوع: محطات الأنا في مدائني أنا  (زيارة 1922 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل عبدالكريم الكيلاني

  • عضو
  • *
  • مشاركة: 24
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
محطات الأنا في مدائني أنا
« في: 19:51 09/01/2012 »
محطات الأنا في مدائني أنا

قصاصة

عبدالكريم الكيلاني

Alhakeekah2@yahoo.com

منذ زمن وبعيد وأنا أحاول اقناع نفسي بأن الحياة لا تستحقّ مني ايلاء الاهتمام بها، سيما وانها لطالما حاولت ايقاعي في شرك التيه والخذلان في مختلف مفاصلها الطبيعية، وكم أجادت في عملها هذا وأتْقنتْ حرفتها في كل ما يتعلق بشخصي، لا ادري لمَ لمْ أعي مايدور حولي من مؤامرات حاكتها تلك الحياة لي دون غيري، لربما ولدتُّ من أجل أن أُساقَ الى حافة الموت عبر محطات قسرية يشوبها الألم والحزن والضياع كما تساقُ الطرائدُ الى جحورها للانقضاض عليها فيما بعدُ والإمساكُ بها لغبائها وسذاجتها أو لقلة حيلتها فالأمر سيان.
ولشدّة غبائي، رغم كل ما يصيبني من مسٍّ جنوني في الصراع الدائر بيني وبين الحياة، أنهض كل مرة كفرسٍ مدهونٍ بالكبرياء رافضاً فكرة السقوط جملة وتفصيلاً، وكأنني لم أسقط الا بمحض اختياري وارادتي ورغبة مني، وأعود ثانية أُلملم نفسي وأحث الخطى نحو المجهول
ناسياً ومتناسياً سّقطاتي السابقة وكأنها لم تحدث البتّة .
الغريب في الأمر أنني وبعد هذا العمر، لازلت أشعر بأني وليد الأمس، وأن الحياة مازالت تبتسم في وجهي، رغم أن وجهي هذا قد تبدّل ألف مرة بفعل السنين والسقطات، وما منحتها له تلك الحياة من امتيازات غوغائية بريّة غاية في الغرابة.
أحيانا أسأل نفسي عندما أتمعن خطوط الطول والعرض اللتان ترتسمان على وجهي, هل حقاً هذا هو أنا الذي أعرفه منذ سنين طويلة ؟ أم هذا أنا الآخر الذي تعرّفت عليه حديثاً بعد كل ماحصل لي من اخفاقات انهكتْ قامتي النحيفة هذه؟ أراني مختلفاً، لا أعرفني حقاً كما كنت قد عرفتني سابقاً . فلا الوجه وجهي ولا النظرة تلك نظرتي .
أغمض عينيّ كل مساء لعلّي أراني عائداً الى ما كنت عليه قبل أن أسير في شوارع التيه.لا أرى أمامي سوى مفازات شاسعة بلا شوارع ولا أرصفة ولا طريقاً يمكنني أن أعود منه ثانية ،
 لا أرى أمامي سوى مديات ممتدة لا نهايات لها يسودها الضباب والعتمة، وبسرعة أفتح عينيّ ثانية، خوفاً من أن يضيع مني أنا الآخر الذي يحملني الآن في جسده فأخسر المَشْيتَينْ.
المقهى المطلّ على الشارع الوحيد الذي أرتاده في المدينة الوحيدة التي تحمّلتْ أعبائي، يحتويني عندما تتعب خطاي من السير في طرقات الحياة، الوجوه الشاحبة الممتلئة بزوايا المقهى تختلس النظر اليّ بين الفينة والأخرى وكأنها تُجمع على غرابتي وتخاف من شكلي الحافل بالضياع والماثل أمامهم كمُتّهم محكوم عليه بالموت ، بيد أني أحاول دائماً تحاشي النظر اليهم لأثبت لهم برائتي من التّهم الموجّهة لي من قبلهم، فكما تعلمون أنا لست أنا الذي عرفوه من قبل، الآن أنا الآخر الذي لا أعرفه أنا ايضاً مثلهم، وابحث منذ زمن عن أناي الحقيقي الذي دهسته عجلات الأيام وأزهقتْ روحه في غفلة من الزمن.
كثيرون هم من كنت ابحث في ذاتهم عن نفسي وأوفرهم حظّا تلك المرأة التي أحبتني لأناي القديم الذي أضعته، ولكي أكون منصفاً أنا أيضا احببتها لأنها كانت مختلفة عن جميع من كنت ابحث في ذواتهم عن نفسي، الا أن هذا الحب الذي كنت أتعكّز عليه، بعيداً عن واقعي الذي أعيشه لأنه عصيٌّ على حالمٍ مثلي، فأنا لا أملك سوى قلباً وقلماً يشرفان على نهايتيهما بعد أن أَضّعتُ أناي في زحمة الطريق، والحالمون لا يسيرون بخطى واثقة لأنهم لايملكون أسرار الحياة سيما وأن الحياة تَسْخر من الحالمين وهذا ما أخبرني به أحدهم قبل أيام.
 أدركت في نهاية المطاف أن الحب الناقص الذي لا ينتمي للدورة الكاملة في الحياة لا يمكن له أن يستمر لإنه فاقد للشرعية بحسب قانون الحياة الذي يلاحقني بمؤامراته منذ أعوام طويلة كما أنني أدركت بأن أنايَ الذي أضعته لن يعود ثانية لأنني اعتدت على فقدان الجمال ولأنني بدأت أرضخ لأناي الجديد وسطوته وجبروته وأحببت الضياع الذي أعيشه رغماً عني وهذا ما يجعلني أعود كل مساء وأنا أحمل ذاتي الخاوية بعيداً عن الحياة التي سأهزمها بأسلحتي الجديدة وأناي الجديد .