الحقائق التي لاتخفى في مقالتي عن الموصل
صلاح سليم علي نشر السيد يوسف ألو مقالا عنونه (الحقائق التي اخفاها صلاح سليم علي في مقالته عن الموصل)..وذكر إني حرفت علنا التاريخ والدراسات والأبحاث والمنشورات والمخطوطات التي لاتقبل الشك أو التحريف..والحقيقة التي يرى إني حرفتها (هي ان الموصل لم تكن اسلامية منذ تأسيسها وهذا ما يؤكده الباحثين في هذا الشأن)..وأود ان اوضح للسيد يوسف ألو إن مقالتي لم تكن عن الأديان في الموصل أو عن السكان الأصليين لمدينة الموصل بل كانت عن أسواقها مقارنة بأسواق الشرق الأدنى..وتناولتها في منظور الرحالة الغربيين الذين وفدوا اليها في العهود الأسلامية وليس في العهود القديمة..وكنت أشرت الى ان الموصل لم تكن عربية ولا اسلامية ولكن يبدو أن السيد يوسف ألو لم يقرأ مقالتي بأكملها واقتبس له نصا ماذكرته في مقدمتي لأسواق الموصل بعد استعراضي لعدد من اسواق الشرق الأدنى وهاهو النص الذي الونه بالأحمر ارضاءا للميول السياسية للسيد يوسف ألو: (
ولكن أسواق الموصل أكثر عراقة وتوغلا في القدم من الأسواق العربية الأخرى إذ تعود الى العهود السومرية والأكدية القديمة على الرغم من اندثار الدلالات الآركيولوجية الظاهرة فوق الأرض على تواجد هذه الأسواق في تلك العصور الغابرة..بأستناء دلائل نصية وردت على لسان المؤرخين والرحالة المبكرين تتحدث عن الجانب الأيمن لنينوى باعتباره امتدادا لنينوى القديمة او نينوى الخامسة والرابعة اللتان توازيان المرحلتين السومرية القديمة والأكدية..فضلا عن نصوص ومراسلات أيبلا وماري وكانيش وآشور التي تتحدث عن نينوى بصفتها مركزا تجاريا مهما يلتقي فيه التجار القادمين من بابل وايمار وايبلا والحواضر الفينيقية وآسيا الصغرى ومصر وتيماء..فالموصل بحكم موقعها في تقاطع الطرق التجارية الكبرى ومرور الطريق الملكي المتصل بطريق الحرير بها كانت ومنذ العهود القديمة احدى اكثر المراكز التجارية اهمية في الشرق الأدنى..وقد افضى الموقع الستراتيجي المهم هذا الى تطوير الصناعات المحلية التي تعتمد على الثروات النباتية والحيوانية المتنوعة المتوفرة في الجبال والسهول المحيطة بالموصل..غير ان اقدار المدينة التجارية واسواقها كانت تتقلب بين الأزدهار والتقهقر تبعا لطبيعة التناحرات السياسية والعسكرية في الشرق الأدنى..وذلك على خلاف اسواق الشرق الأخرى المستقرة نسبيا عبر التاريخ..وهذا يفسر الأختلافات في وصف المدينة من عصر لآخر..مع ذلك نلاحظ ايضا ان المؤشر العام يتجه ايجابا اي نحو استرجاع الموصل لأهميتها وبالتالي ازدهارها اقتصاديا..لأن السياسة لاتغير الجغرافيا ولا تعطل منتوج الأرض على الرغم من عنف الهجمات التي تعرضت لها المدينة وتعدد الأنتكاسات التي تعرضت لها ولجوء الغزاة الى سياسة الأرض المحروقة ..فسهل الجزيرة والجبل لم تنقطع فيهما شرايين الحياة واستمرارا في رفد الموصل بالأخشاب والثمار والأصواف والعسل و المكسرات كالجوز والفستق ومنتجات الألبان التي اشتهرت الموصل منها بالقيمر..كما صب التنوع الإثني وتعدد الجماعات الدينية في صالح التجارة بما اضفاه من مهارات متنوعة في كل المجالات..ونعلم من كتابات الملك سنحاريب انه طور "نبات الصوف" في الموصل ويقصد به القطن وانه خصص جزءا من الجانب الأيمن لدجلة لحدائق بث فيها الطيور الغريبة المتنوعة ..وهو الجانب نفسه الذي تقع فيه منطقة الفيصلية..ولعله في المنطقة الواقعة خلف السكيلا حيث بستان الزيتون الذي يعود لبيت عبو اليسي بالأرجح..) والفت انتباهك الى عبارتي اعلاه (كما صب التنوع الإثني وتعدد الجماعات الدينية في صالح التجارة بما اضفاه من مهارات متنوعة في كل المجالات) واقصد بالتنوع الأثني الأقوام المختلفة التي تناوبت السيادة الزمنية في وادي الرافدين ومنها الآشوريين والكلديين والفرس والترك وغيرهم..ولم اشر الى الدين (المسيحية والأسلام) لأن السلطة الدينية من المتغيرات وليس من الثوابت فالمسيحيين لم يشكلوا دولة في وادي الرافدين. وهم يشكلون غالبة الأمم الغربية والمسيحيين المتشددين في الولايات المتحدة والمؤازرين للصهيونية التي تهدف الى الهيمنة على العالم.. فهم على الرغم من اشعالهم للحرب الأخيرة لايقدرون على تهويد العراق..ولابد عند انتقاد مقالة ما أو نقدها من قرائتها وفهمها قبل الأستعجال بأتهام الكاتب في التحريف وبمقدورك مراجعة مقالاتي في موقع عين كاوة كالقلاع والحصون العراقية في زاموا وزاكروس ..وعرفة (كركوك) في النصوص المسمارية القديمة وملكات العراق والملك آشورناصربال الثاني ملك العالم ومآدب الملوك لتعرف إني لا أجهل التاريخ القديم للعراق..وأود ان انبه السيد يوسف الى ان المسيحية حدث مبكر في تاريخ العراق فقد ولد المسيح قبل الفي سنة وعقد ونيف ..ولكن تاريخ العراق يمتد قبل ذلك بكثير فأين كان المسيحيون في سومر وأكد وشروباخ وأريدو وكيش ولاكش وايسين وأدابا ونيبور وبابل ونينوى والف حاضرة أخرى ممتدة في بلاد مابين النهرين الآشورية الكلدية الآرامية العربية أصلا..وبكلمة الجزرية حيث انتشرت فيها حضارات تعكس ثقافة السهول وليس ثقافة الجبال على الرغم من وجود الجبال في قلب الحاضرة العربية ..
أتذكر مرة لاقيت المطران بني بحضور صديقي سهيل قاشا في الكنيسة في الميدان وطلب مني ان اترجم له كتابا عنوانه (دور المسيحيين المشارقة في الحركة القومية العربية نشرته جامعة برنستون) ..ولايشك احد في دور المسيحيين العرب في الحركات الثورية وفي الفكر القومي العربي والأسماء هنا كثيرة ولا داع لذكرها..ويقينا فأن أحدا من القوميين من غير المسيحيين لم يلحق اي أذى بالمسيحيين لكي تتحامل عليهم في مقالاتك الأخرى الذي قرأتها اليوم بعد علمي بالترهات التي وجهتها ضدي ..فالأخوة المسيحيين شاركوا في الجهد الوطني لبناء العراق وشاركوا في الحروب القومية وبذلوا الدماء دفاعا عن العراق وسيادته وكرامة شعبه الذي لم يكن فيه تفرقة بين المذاهب والأديان لولا الشر الذي جاء مع الأحتلال الأخير للعراق ولعلك لاتدري ان تغلب مسيحية وان المسيحيين شاركوا بالتصدي للحروب الصليبية..والحروب العدوانية الأخيرة على العراق ..
إني كلما تعمقت في قراءة مقالتك اكتشف تناقضات معرفية هائلة تقع تحت طائلة التنافر المعرفي ان لم نقل الفجاجة والجهل بالتاريخ، فأنت تقول:
(ايضا لم يتطرق السيد صلاح الى سكان الموصل الأصليين والذين كانوا غالبيتهم العظمى من المسيحيين ومن ثم اليهود اضافة الى وجود اعداد من عبدة الأوثان وبعض الملل الأخرى التي لم يعد لها اليوم وجود , وقد يأتي عدم ذكر السيد صلاح لهذه الحقائق تماشيا مع التهميش الذي لحق بمسيحيي العراق الذين يعتبرون احدى اهم المكونات الرئيسية لشعب العراق منذ اقدم عصور التاريخ وهم الرواد الأوائل لحضارته العريقة)
فهل من حق الناقد ان يوجه الكاتب فيما ينبغي أن يتطرق إليه او ما يتوجب عليه عدم ذكره؟ ما تسمي هذا التدخل بعبارتيك (لم يتطرق) و (عدم ذكر) ..ومن قال ان ذلك جاء (تماشيا) كما تقول مع (التهميش الذي لحق بمسيحي العراق) ؟ ! واقول لك مع احترامي للمسيحيين من طلبتي وزملائي في كل انحاء العالم بأن المسيحيين لم يهمشهم سوى الأحتلال ومن يسير في ركابه..وتكفي نظرة بالأرقام لمقارنة عدد الكنائس التي شيدت قبل الأحتلال والكنائس التي هدمت في أثنائه فهل كان العراقيون العرب من غير الحزب الذي تنتسب اليه والملة التي تنتمي اليها هم وراء تهديم هذه الكنائس أو تهجير المسيحيين؟!
ألو.. اتسمعني؟
ثم ينهي يوسف ألو مقالته المسمومة بذكرما عده بعض الحقائق ..هي (أن سكان الموصل الأصليين منذ تأسيسها وحتى الغزو الأسلامي كانوا مسيحيين أولا ويليهم اليهود ثم ذكر ان معظم تجار الموصل ان لم نقل جميعهم من اليهود وان جامع النبي يونس كان ديرا قبل ان يحوله المسلمون مسجدا..)
هنا لابد من التأكيد على حقيقة ان سكان الموصل او الحصن الغربي في الموصل لم يكونوا مسيحيين او مسلمين ببساطة لأن الحصن الغربي او الموصل (مسبيلا) موجود قبل ميلاد المسيح (ع) ومحمد (ص) بقرون..وان تجار الموصل لم يكن معظمهم يهودا بدليل كتب الرحلة العديدة والصور القديمة التي لدي ..فقد كان لليهود حي هو الأفقر في المدينة وكان التجار في معظمهم عرب مسلمين يتلوهم الأرمن فالمسيحيين فاليهود.. أما جامع النبي يونس فأدعو الكاتب الذي تجرأ على انتقادي الى الذهاب اليه الآن ليرى ثيرانا مجنحة في ظهر الجامع ..فالجامع قبل ان يكون ديرا او كنيسة كما قال كان قصرا بناه سنحاريب لأبنه اسرحدون وشيد في التلال التي تحيطه ترسانة اسماها عقل مشارتي ثم اصبح معبدا للنار على العهد الساساني قبل ان يتحول الى كنيسة ومنها الى جامع..
واختتم (ألو) ترهاته بقوله
(هذه بعض الحقائق المهمة التي كان المفروض من السيد صلاح ذكرها في مقالته كي تكون ذات مصداقية وواقعية نتمنى منه وممن يرغب في الكتابة في هذا المجال ان يكون امينا على المعلومات التاريخية وملما في التاريخ وان يكون امينا على قلمه الذي لو انزلق فسوف لن يرحمه التاريخ مستقبلا لأن الأحداث والوقائع المؤرخة لايمكن تحريفها مهما حاول اصحاب التهميش المضي في غييهم)
اكرر يا ألو فاسمعني: لنفترض ان ترهاتك حقائق كما تزعم، فكيف علي ان اخرج عن منهجية بحثي أو (مقالتي) في اسواق الشرق الأدنى وهو بحث وصفي يعتمد سرديات الرحة الأجانب، لأتحدث عن تاريخ الأديان؟ واية امانة تتحدث عنها أو حقائق تاريخية وما معايير تلك الأمانة والحقائق؟..اعلي ان اقول ان المسيحيين جاءوا قبل ميلاد المسيح وان اليهود هم من فتح الموصل وليس عتبة بن فرقد وأن مروان الثاني الذي بنى سور الموصل وجامعها الأموي واعاد اعمار الحصن الغربي ينتسب لبني قريضة اوالقنيقاع او النضير.. ثم ان لاوجود لدين اسمه الأسلام او لنبي أسمه محمد (ص)، لكي ترضى ا..عما أكتب؟ وهل لاانت مؤرخ معروف لتعطي نفسك حق الحديث عن الأمانة التاريخية والألتزام بها؟ فهل التاريخ قسما من اقسام الفندقة التي درستها في بغداد العربية في عهد اسيادها وسيادتها ثم انقلبت بعد الأحتلال وفي عهد التردي لتهاجمها؟
وأخيرا ما أحوجنا الى العودة الى شاعر الكوفة التي نفى اليها خليفتنا العظيم عمر بن الخطاب (رض) اليهود والموالي فالقى فيها ابليس الذي باض بيضة وفقست ومابرحت تفقس.. ببيت يصف الحال التي تصف الأدعياء في زمن هو الأردأ في تاريخ العراق العربي المسلم المسيحي ..وليس اليهودي، او غير ذلك، على الأطلاق:
ومن البلية عذل من لايرعوي عن جهله وخطاب من لايفهم