دعوة عامة لاغناء مشروع
وثيقة "الموضوعات السياسية"
قررت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي في اجتماعها المنعقد في 9 كانون الاول 2011 طرح مشروع وثيقة "الموضوعات السياسية" للنقاش العام، اسوة بالوثائق الأخرى التي ستقدم الى المؤتمر الوطني التاسع للحزب. وفي الوقت الذي نتطلع فيه الى مشاركة واسعة وجادة لتدقيق هذه الوثيقة وتعميق مضامينها من لدن عموم الاصدقاء والمؤازرين، وكل المواطنين الخيرين الآخرين، من السياسيين والباحثين والكتاب والناشطين والصحفيين وغيرهم، الذين تعز عليهم قضايا الشعب والمستقبل الديمقراطي الحقيقي لأبنائه، نعد الجميع، كما جرى عند مناقشة وثيقة برنامج الحزب ونظامه الداخلي، بان نتعامل مع كتاباتهم وطروحاتهم، التي ستكون معيناً هاماً لنا، بامتنان كبير وبجدية متميزة ومسؤولية عالية. الى جانب إمكانية ان تجد تلك المساهمات طريقها الى النشر العلني في واحدة او أكثر من منابر الحزب الإعلامية، بهدف تعميق الاستفادة منها، وتوسيع عملية الحوار والنقاش حول المؤتمر وعموم وثائقه والقضايا العامة التي سيجري التصدي لها فيه.
شكرنا الجزيل لكل الذين سيبدون اهتماماً خاصاً بقراءة نص الوثيقة، مع شكر خاص مسبق لمن سيساهمون في الكتابة عنها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اللجنة المركزية
للحزب الشيوعي العراقي
18/ كانون الثاني/2012
مسودة موضوعات سياسية للمؤتمر الوطني التاسع للحزب الشيوعي العراقي
1- تمر بلادنا بمرحلة بالغة التعقيد والصعوبة، يتداخل فيها العديد من العوامل الداخلية والخارجية. وفي ظل الصراع المحتدم المتواصل فيها حول المستقبل وشكل الدولة والنظام السياسي- الاقتصادي- الاجتماعي، تبقى الأوضاع مفتوحة على احتمالات عدة، ومرهونة بمدى قدرة جماهير الشعب والمجتمع المدني بكل مكوناته، على مواصلة التحرك والضغط. وتبقى مرتبطة بمواقف الكتل والأحزاب والقوى السياسية، وقدرتها على تجاوز انانياتها ومصالحها الضيقة، وإمكانية توصلها الى برنامج واقعي ملموس، لإخراج البلاد من أزمتها، وفتح فضاءات التطور الديمقراطي الحقيقي للبلد، السياسي والاجتماعي، والسير على طريق الاعمار والبناء وإقامة دولة القانون والمؤسسات والعدالة الاجتماعية، الدولة المدنية الديمقراطية الاتحادية، كاملة السيادة.
2- تضافرت طريقة اسقاط النظام الدكتاتوري البغيض مع تداعيات الاحتلال، وتصدع الدولة، والتغييرات العميقة في علاقات القوى السياسية والمجتمعية، والتركة الثقيلة للدكتاتورية، لتشكل أوضاعا استثنائية فريدة في العراق، ولتفجر تناقضات وصراعات متنوعة ومتداخلة، سياسية وقومية وطائفية واجتماعية، تراكمت عناصرها ومسبباتها على مدى عقود سابقة، واتسعت واشتدت بوجود القوات الأجنبية، والتدخلات الخارجية، الاقليمية والدولية، وقوى الارهاب القادمة من الخارج، وامتداداتها وحواضنها في الداخل.
3- وقد وضعت هذه التطورات وحقائق الاوضاع الجديدة التي نشأت بعد 9 نيسان 2003، شعبنا أمام مهمة أساسية مزدوجة يتلازم فيها الوطني والديمقراطي، والسياسي والاجتماعي؛ أي إنهاء الاحتلال واستعادة السيادة الكاملة من جهة، وإعادة بناء الدولة العراقية على اسس دستورية ديمقراطية اتحادية وتطمين رفاه المواطنين من جهة أخرى.
انطلاق العملية السياسية
4- في هذه الاجواء، تم تدشين العملية السياسية في صيف 2003، وهي العملية الهادفة الى الانتقال بالعراق من الدكتاتورية ونظام الحزب الواحد، إلى نظام دستوري يضمن الحريات والحقوق لجميع ابناء الشعب، ويستعيد السيادة لعراق ديمقراطي اتحادي موحد مستقل. واعتمدت العملية السياسية والقوى المشاركة فيها الأساليب السلمية ومبدأ التفاهم والتوافق السياسي، في حل المعضلات التي تعترض تصفية مخلفات الدكتاتورية وإنهاء الاحتلال، وفي إعادة بناء الدولة ومؤسساتها، وصياغة وإقرار الدستور الذي يرسي الأسس والمباديء العامة لعملية بناء دولة العراق الجديدة.
وشقت العملية السياسية طريقها عبر مسارات متعرجة، وفي خضم صراعات حادة بين القوى المشاركة فيها، ودموية في مواجهة القوى المناهضة لها - من إرهابيين وبقايا النظام السابق ومن خلفهم من أطراف متنفذة، داخلية ودولية. ورغم تنوع اشكال وأطراف هذه الصراعات، فإن محورها الأساس كان في المطاف الأخير، التنافس على السلطة والثروة والقرار، وعلى تحديد شكل الدولة الجديدة ومضمونها. والى جانب ذلك كان هناك من يريد العودة بالوضع الى الوراء، متذرعا بوجود الاحتلال.
5- وعلى خلفية الصراعات بين الكتل والقوى السياسية المتنفذة، واستشراء الفساد في المؤسسات الحكومية، واستمرار تعقيدات الوضع الامني وترديه، والتدهور المريع في الخدمات العامة، وارتفاع الاسعار، وتصاعد نسب الفقر، وتفشي البطالة، واتساع التدخلات الخارجية في شؤوننا الداخلية، وتحول كل ذلك بالتدريج إلى ازمة عامة تشمل مختلف المجالات وشتى المستويات.. بات واضحا ان العملية السياسية لا تواجه صعوبات جدية واختلالات كبيرة وحسب، وإنما بدأت فوق ذلك تخرج عن مسارها السليم. فبرزت ضرورة اجراء مراجعة نقدية لمسيرتها وحصيلتها، ولأداء مؤسسات الحكم في سياقها، بغية اصلاحها وتصويب مسارها، ووضعها على السكة الصحيحة، وصولا بها الى غاياتها المرجوة. وتصدر هذه المهمة العمل على تخليصها من اس المشكلة، المتمثل في اعتماد نهج المحاصصة الطائفية – الاثنية في تشكيل مؤسسات الحكم والدولة، والذي آلت اليه التفاهمات والتوافقات السياسية.
6- وارتباطا بما تتركه هذه الأوضاع والأزمات المتتالية من تأثيرات سلبية على الملايين المحرومة ومعيشتها، ومن تغذية لمشاعر الاحباط والقلق والسخط في اوساطها، تصاعدت مطالبات الفئات الشعبية الواسعة بمعالجة المعضلات المعيشية والخدمية والاجتماعية التي تطحنها، وبوضع البلاد على طريق الاعمار والاستقرار. وتحولت تلك المطالبات بمرور الوقت إلى حركة احتجاجية ضاغطة، بمشاركة ودعم قوى شعبية وسياسية ومنظمات مجتمع مدني واتحادات جماهيرية ونقابية، في اتجاه تجاوز الشلل الذي يلف البلد ويعطل حركته الى الامام. ودفعت الاوضاع المعيشية والحياتية القاسية المزيد من أبناء الشعب، الى الانخراط في هذا الجهد الضاغط، الذي تتنوع أشكاله وتتفاوت مستوياته، ويشكل بنحو متزايد تيارا تتسع صفوفه، ويصعب حصره او تجاهله. كذلك اخذ يتسع ادراك الناس ان تحقيق مطالبهم مرهون باصلاح النظام، وإعادة الزخم الضروري إلى العملية السياسية، وفقا لمعايير وأسس جديدة وتوازنات واصطفافات سياسية، تنبذ نظام المحاصصة وتعتق البلاد من تركته الثقيلة.
7 - وفي الأشهر الماضية ترافق ذلك مع هبوب الرياح الثورية المنعشة وعواصف التغيير على منطقتنا، وتداخلها وتفاعلها مع العوامل الداخلية في اوضاع بلادنا، وتحفيزها حركات الاحتجاج والتظاهر ونزول الجماهير الى الشارع، للتعبير عن آرائها وطرح مطالبها المشروعة، وهو ما كانت بدأته منذ صيف السنة الماضية.
تعمق أزمة نظام المحاصصة
8- ومع عجز السلطة القائمة على قاعدة المحاصصة الطائفية – الاثنية، والمعتمدة منهجها، عن معالجة مشاكل البلد، اتسعت وتعمقت المشاكل وتداخلت الأزمات، لتتحول إلى أزمة لنظام الحكم، تجلت مظاهرها، بجانب ما سبق ذكره، في غياب الرؤى والاستراتيجيات القريبة والبعيدة، وفي الخلل الكبير في تطبيق مبدأ الشخص المناسب في المكان المناسب، وما يترتب على ذلك من استبعاد للعناصر الكفوءة المخلصة والوطنية، وتفشي الترهل والفساد والبيروقراطية في اجهزة الدولة ومؤسساتها واجهزتها الادارية. كذلك غياب ارادة العمل المشترك، وتقلص فضاءات التعاون والعمل الجماعي، وتنامي مظاهر الفردية، وتداخل الصلاحيات، وتقاطع التشريعات والتعليمات، وما يفضي اليه ذلك كله من ارباكات تعمق جوانب التأزم والعجز. حتى انتهى الحال بأجهزة الدولة الى الشلل وفقدان القدرة على القيام بمهامها، وادى بالكتل السياسية الى العجز عن الوفاء بالوعود التي قطعتها لناخبيها عشية انتخابات آذار 2010 .
9- وانعكس الوضع المتأزم في الفترات الأخيرة في شدة ممانعة القيادات السياسية المعنية ازاء الاصوات التي تطالبها بالتقارب المتبادل وتيسير التوصل الى تفاهمات مشتركة تحقق الانفراج السياسي المنتظر، وبالسعي لانجاز ملفات الحوار والمصالحة وتجاوز السلبيات في العملية السياسية، ومعالجة معضلات الحياة اليومية التي يكاد المجتمع بأسره يئن تحت ثقلها.
والامر المقلق بشكل خاص، ان هذه الممانعة استمرت بشكل او بآخر حتى حين ارتفع نداء الوطن، ووقفت البلاد على اعتاب قرارات ذات أهمية قصوى، في تقرير مستقبلها كدولة وطنية مستقلة ذات سيادة كاملة، مع انتهاء الانسحاب الامريكي وفقا للاتفاقية الامنية.
ضرورة اصلاح الجهاز الاداري والخلاص من المحاصصة
10- ما زال بناء مؤسسات الدولة، على اهمية ما تحقق فيه، يعاني من اعتماد المحاصصة في الكثير من المفاصل، وما يترتب عليه من سوء ادارة، وتوفير تربة خصبة لنمو الفساد وانتشاره. كما يعاني من توجيه المال العام احيانا لبناء تشكيلات وتكريس ممارسات، لا تنسجم مع السعي المعلن لاقامة دولة القانون على وفق مبدأ المواطنة. هذا المبدأ الذي لا يمكن تصور بناء سليم للدولة واجهزتها، وبضمنها القوات المسلحة، من دون اعتماده، وابقاء المنطلقات الاخرى، وبضمنها الدينية، بعيدا عنها وعن التنافس الحزبي والصراع السياسي.
11- ان من شان انجاز الكثير من المستحقات الملحة ذات الطابع السياسي- الاداري، وتطبيقها السليم، واعتماد المعايير العلمية للادارة الرشيدة، ومباديء الفعالية والكفاءة والوطنية في اسناد الوظيفة العامة، ان يبعثا الحيوية ويكرسا الصدقية في مفاصل عمل الدولة.
ويضم جهاز الدولة ما يزيد على مليونين وستمائة الف من الموظفين والمتعاقدين، وهو بالاضافة الى ترهله هذا وفساده وبيرقراطيته، يتسم غالبا في تعامله مع المواطنين بالفوقية والاستهانة، وتؤدي به طبيعته الى الاخلال بمبدأ المجانية والمساواة في تقديم الخدمات الحكومية. لذا نرى ان من الضروري التوجه نحو اصلاح حقيقي للجهاز الاداري وترشيقه، بما يعزز كفاءته ومهنيته، ويضمن العدالة في تقديمه الخدمات للمواطنين، باعتبار ذلك مهمة اساسية وشرطاً ضرورياً للبناء القويم للدولة.
ولانجاز ذلك لا بد من :
- الشروع عاجلا بعملية الاصلاح على اساس استبعاد نهج المحاصصة، وتعزيز نهج الكفاءة والنزاهة والفاعلية. ويعد الاسراع في تطبيق قانون مجلس الخدمة العامة خطوة في هذا الاتجاه.
- اعتماد الدراسة العلمية، والانطلاق من الواقع العراقي الملموس، والافادة من التجربة العالمية، بعيدا عن الاهواء والمزاجية والشخصنة في اعادة هيكلة الوزارات وغيرها من المؤسسات، وفي دمجها مع بعضها او الغاء واحدة واستحداث اخرى.
- ان تتم العملية بالتشاور الجاد مع ذوي الاختصاص والخبرة، ومع المعنيين من ذوي الرأي الحصيف والوطني.
- ان تتخذ بجانب ذلك التدابير التي تحول دون التفريط بالقوى والطاقات والكفاءات، بل على العكس تحسن اعادة توزيعها وتوظيفها لخدمة المجتمع والبلاد.
- الالتفات الى الكفاءات والمواهب العراقية الكثيرة المنتشرة في بلدان العالم المختلفة، وتأمين التسهيلات التي تشجع عودتها والاستفادة من خبراتها في تحديث اجهزة الدولة وتطوير أدائها.
- الاسراع في تطبيق مشروع الحكومة الالكترونية.
12- ان الاستمرار في تجاهل تطبيق معايير سليمة وواضحة في اسناد الوظائف العامة، سيزيد من اعداد المفسدين والمرتشين، ومن شلل اجهزة الدولة ومؤسساتها، وعجزها عن القيام بمهامها، وتحويلها الى ضيعات للمريدين والطبالين، وما يترتب على ذلك من فساد اداري ومالي وضعف في الاداء وانعدام للكفاءة.
13- من ناحية اخرى تبقى مخلفات الصراع الطائفي المسيس، وبضمنها معضلة ملايين المهاجرين والمهجرين، تمارس تأثيراتها السلبية في حياة البلاد، وتكبح عودة الاوضاع الى حالها الطبيعي في الكثير من مناطق البلاد.
موقفنا من الانتخابات
14- مرت سنتان على انتخابات مجلس النواب التي جرت في 7 اذار 2010. وفي اجواء التوتر والتأزم في العلاقات بين القوى والاحزاب والكتل السياسية، والصراع المحموم على السلطة ومواقع النفوذ التي سبقت تلك الانتخابات، مررت الكتل المتنفذة صفقة تعديل قانون الانتخابات في مجلس النواب خريف 2009 . وشكل ذلك التعديل انتقاصا من الديمقراطية ومؤسساتها، واعتداءً على التعددية والتنوع، وجسد السعي الى الهيمنة واحتكار السلطة، وليس الى المشاركة واجتذاب القوى السياسية للاسهام في صنع القرارات الاساسية، المتعلقة بواقع البلاد ومستقبلها.
15- وعكس الاصرار على تمرير التعديل في مجلس النواب توجها نحو تقسيم البلاد عمليا، عبر رفض مفهوم العراق دائرة انتخابية واحدة، المنسجم مع مبدأ المواطنة والمساواة بين المواطنين، الى جانب افراغ مفهوم القائمة المفتوحة من محتواه، بما يبيح في النهاية وصول مرشحين الى مجلس النواب، لم يحصلوا الا على بضع مئات من الاصوات. ورافق ذلك إلغاء المقاعد التعويضية، التي كانت الغاية من اعتمادها تأمين حق الحائزين على المعدل الوطني في الوصول الى البرلمان، حيث قضى التعديل المجحف بمنح المقاعد الشاغرة الى الفائزين بدل توزيعها على ذوي الباقي الاقوى، مثلما نص عليه القانون في الاصل.
16- وشكل هذا كذلك تهديدا لمبدأ التداول السلمي والديمقراطي للسلطة، حيث تعتبر الانتخابات الوسيلة الملائمة لهذا التداول، ما يوجب تكريسها وترسيخها كمؤسسة وكممارسة تجسد ارادة الشعب، واستبعاد كل ما يشوهها او ينتقص من قيمتها.
17- وقد شاب انتخابات 7 آذار 2010 الكثير من السلبيات والنواقص، التي شملت التحضير لها، واعداد سجلات الناخبين، وتهيئة ادارات المرافق الانتخابية ومراكز الاقتراع ومحطاته من قبل الجهات المعنية، مرورا بالحملة الانتخابية، والتأثيرات السيئة للمال السياسي، والتدخلات الخارجية متنوعة الاوجه، واستغلال اموال الدولة ووسائلها ونفوذها، وخرق الصمت الاعلامي في يومه المعلن، وتكرار اعمال التلاعب والتزوير في الكثير من مراكز التصويت ومحطاته، وانتهاء بمرحلة العد والفرز، التي اشر قرار الهيئة التمييزية في المفوضية حصول تلاعب خلالها، واكد صحة الطعون المقدمة في شأنها، وقضى بناء على ذلك باعادة عد وفرز اصوات الناخبين في بغداد يدويا. هذا بالاضافة الى الطعون المشروعة التي وجهت الى المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، بسبب سوء ادارتها للعملية الانتخابية، وتساهلها ازاء تدخلات كتل سياسية متنافسة وجهات خارجية في شؤونها، وسكوتها على ذلك.
18- وقد ساهمت هذه العوامل جميعا في التأثير على إرادة الناخبين وخياراتهم، وعلى نتائج الانتخابات. وكان مما له دلالته في هذا السياق، ان الكثير من اللافتات والملصقات التي رفعتها الجماهير المحتجة لاحقا، عكست ندم الناخبين وهم يعضون على الاصبع البنفسجي. وهم بهذا لا يرفضون الانتخابات بحد ذاتها، بل يأسفون لكونهم لم يحسنوا الاختيار عند صناديق الاقتراع، في الاجواء غير السليمة والضاغطة التي احاطت بهم في المراكز الانتخابية وقبلها.
19- سنواصل العمل من اجل سن قانون انتخاب ديمقراطي، واستبعاد التعديلات التي ادخلت، على قانون انتخاب مجالس المحافظات وعلى قانون انتخاب مجلس النواب، وسن قانون الاحزاب، واعادة تشكيل مجلس المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، وانجاز الاحصاء السكاني، تمهيدا للتوجه نحو اجراء انتخابات جديدة لمجالس المحافظات، والاعداد لانتخابات مبكرة او اعتيادية لمجلس النواب.
السيادة الوطنية الكاملة
20 - سيتذكر العراقيون يوم 31 آب 2010 الذي دخل التاريخ كونه يوم انجاز خطوة هامة على طريق انهاء الاحتلال، واستعادة الاستقلال والسيادة الكاملين على وفق الجدول الزمني، الذي تضمنته اتفاقية سحب القوات، الموقعة بين العراق وأمريكا. ففي ذلك اليوم استكمل سحب القوات القتالية الأمريكية من المدن والقصبات، وتحولت مهامها إلى تقديم الدعم والاسناد والمشورة وتدريب القوات العراقية. والى جانب ذلك وبدلا من العلاقات العسكرية - الأمنية بين البلدين، بدأ التركيز على العلاقات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والثقافية، وفق ما تقضي به اتفاقية الاطار الستراتيجي بين العراق والولايات المتحدة.
21- لقد تعامل بعض الأطراف المحلية أو الاقليمية مع الانسحاب، وفقا لمصالحه وأجنداته، ومنه بعض القوى السياسية العراقية، التي أخضعت الموقف من هذا الحدث الهام والكبير، إلى منظور حساباتها السياسية وحصتها مما كان "يطبخ" آنذاك على صعيد تشكيل الحكومة، وما يقدمه لها الوجود الأمريكي من دعم في ذلك.
22- لا شك إن القوات العراقية وهي تتسلم الملف الأمني بالكامل، تواجه تحديات استكمال جاهزيتها على مختلف الصعد. ويعود عدم تحقق جاهزيتها الكاملة الى جملة أسباب، منها مواقف بعض القوى- وبضمنها المتباكون اليوم على الأمريكيين المنسحبين- التي استمرأت المحاصصة، وادخلتها في بنية القوات المسلحة، وتعمدت التلكؤ في بناء هذه القوات ما دامت هي تحتمي بالقوات الأمريكية.
23- ومن نافل الكلام ان نشير إلى التأثيرات الضارة لتردي الوضع السياسي، وللتلكؤ والمماطلة والتسويف وعدم القدرة على اتخاذ قرارات جدية، ولغياب مجلس النواب وأعضائه، والتراشق والمناكدات بين الكتل الفائزة، وحالة الاستعصاء التي باتت تحكم العلاقة في ما بينها. فكل ذلك ترك آثاره السلبية على تماسك القوات المسلحة وأدائها المطلوب، في هذا الظرف الصعب والحساس.
24- وفي مجرى السير على طريق الاستقلال وتحقيق سيادة البلد والتصفية الكاملة لآثار الاحتلال، لا بد من تشخيص النواقص والثغرات في أداء القوات المسلحة، ومواصلة العمل الحثيث لبنائها على أسس سليمة بعيدا عن الولاءات الضيقة، أيا كانت، وعلى وفق معايير الكفاءة والمهنية والوطنية، والسعي لرفع قدراتها، بجانب تنشيط المنظومة الأمنية والاستخباراتية، وتكريس جهدها لصيانة العملية السياسية وتطورها اللاحق نحو بناء الدولة المدنية الديمقراطية، دولة المؤسسات والقانون، كاملة السيادة.
25- ومعروف اننا اعتبرنا عقد الاتفاقية العراقية – الامريكية، الخاصة بانهاء الوجود العسكري الامريكي (الذي تحقق يوم 31-12-2011، يوم انتصار ارادة الشعب العراقي) خطوة هامة على طريق استعادة السيادة والاستقلال الكاملين، وشددنا في حينه على ضرورة ان تسعى الحكومة والكتل السياسية، الى تهيئة مستلزمات تنفيذها بسلاسة. كما دعونا الى اتخاذ كافة الاجراءات التي تضمن تمتع العراق بحقه في السيادة على ثرواته واراضيه ومياهه واجوائه، واكدنا تكرارا رفضنا الوجود العسكري الاجنبي ايا كانت صورته، وأن لا مساومة على استقلال بلادنا وسيادتها.
26- ان على الكتل المتنفذة والحاكمة ان تدرك انها، بصراعاتها على مواقع النفوذ والهيمنة، وخلافاتها المعلنة وغير المعلنة، واعتمادها المحاصصة والحزبية الضيقة في اسناد الوظائف العامة، لا سيما في المؤسسات الامنية والعسكرية، واستعانتها بالاطراف الخارجية المختلفة، هي من اضعف الموقف الوطني الداخلي وتماسكه، وافسح في المجال للتدخل في شؤون بلادنا.
27- واننا اذ ندرك حالة الاستياء العامة في اوساط جماهير شعبنا، وما عبرت عنه في التظاهرات والفعاليات الجماهيرية المتواصلة في عموم مدن الوطن، واجواء انعدام الثقة بين الكتل الحاكمة، والصراعات المحتدمة في ما بينها وداخل كل منها، نرى ان من غير الصحيح العودة الى الاساليب والممارسات الخاطئة، التي كلفت الشعب والوطن الكثير، والتي يتحرر بلدنا بالكاد من نارها، نار الطائفية المقيتة التي اوشكت ان تحرق الاخضر واليابس، ووضعت مصير البلد على كف عفريت. كما ليس من الصائب الرجوع الى زمن الميليشيات، ايا كانت، وباية صيغة تجلت، بل ينبغي السهر على حصر السلاح بيد الدولة.
28- ولقد اكدنا مرارا موقفنا الداعي الى التمسك بتنفيذ الاتفاقية مع الولايات المتحدة بحذافيرها، بما في ذلك الانسحاب الكامل للقوات الامريكية من اراضينا في الموعد المحدد، ورفض اي تواجد عسكري اجنبي، حتى لو كان مؤقتا، وايا كانت مسمياته. وان ما انجز في 31 كانون الاول 2011 يشكل منعطفا هاما على طريق تحقيق السيادة، الذي يتوجب استكماله بتخليص العراق من الفصل السابع.
29- وان من مستلزمات تحقيق السيادة الناجزة للبلد، الدفاع عن مصالحه والوقوف بوجه اطماع دول الجوار التي تريد ان تتمدد داخل اراضي بلادنا، مستغلة اوضاعها الصعبة والفوضى الطانبة فيها، لالحاق الضرر بها وباقتصادها.
الملف الامني وتطوراته
30- يواصل الإرهابيون ممارسة هواية القتل، وارتكاب المزيد من الجرائم، وتفعيل كواتم الصوت، ويستمرون في استهداف أبناء شعبنا من مختلف القوميات والطوائف.
وليس من يجهل منطق الإرهاب والإرهابيين، ولا من يتوقع أن يلقوا أسلحتهم اختيارا، قبل دحرهم وشل أياديهم الآثمة ومنعهم من إهدار المزيد من دماء العراقيين، من دون ان تتوقف الدول الساندة والمؤيدة عن تقديم الدعم المالي والمادي واللوجستي لهم.
31- ان غاية هؤلاء الأوباش، الداخليين والخارجيين، جلية وواضحة. فهم يستهدفون العراق وأمنه واستقراره وتجربته الوليدة. ولا يروق لهم ان يروا العراق يحث الخطى ويسعى لتجاوز الصعاب وبناء مستقبله على وفق إرادة شعبه وتطلعاته.
32- ان ما يقوم به سافكو دماء العراقيين، مدنيين وعسكريين، مواطنين عاديين ومسؤولين، حتى بعد جلاء القوات الامريكية، يكذب ما ظلوا يزعمونه دون انقطاع، من ان ارهابهم موجه ضد قوات الاحتلال لا غير، وغايته إجبارها على الجلاء عن ارض الرافدين.
33- ان خطط الإرهابيين على اختلاف هوياتهم جلية وواضحة. فهم يستهدفون تعطيل الحياة العامة، واجهاض العملية السياسية،والعودة بالبلاد الي الخلف، واقامة حكم الظلاميين. والسؤال هو: ما الذي تم اعداده لإفشال مشاريعهم الشريرة في اطار المواجهة المفتوحة معهم، وصولا إلى دحرهم؟ وهل تم استخلاص العبر والدروس من خبرة السنوات السابقة، بنجاحاتها وإخفاقاتها؟
34- لقد أثبتت التجربة والممارسة العملية صواب ما كنا - ومازلنا- نذهب اليه، من ان مستلزمات وأدوات المواجهة والتصدي، يفترض ان لا تقتصر على الجانب العسكري- الامني، رغم أهميته وضرورة عدم التقليل من شأنه. فالحاجة تبقى قائمة إلى مجموعة من المقاربات ذات الصلة بتمتين الوحدة الوطنية، والوصول بالمصالحة إلى غاياتها المنشودة. كذلك الإقدام على إجراءات اقتصادية وخدمية وثقافية وإعلامية فاعلة، والسعي الى توعية الناس وكسب ثقتهم وتطمينهم، واستبعاد الممارسات التي تحد من اندفاعهم إلى مساندة الدولة ومؤسساتها في المعركة ضد الإرهاب.
35- والمؤسف انه فيما تتجدد حالات الاختراق الأمني، ويسقط مزيد من الضحايا، تواصل القوى والكتل السياسية المتنفذة التطاحن على مناصب وزارات الدفاع والداخلية والأمن الوطني. وهي بذلك تبرهن مجددا على ان مصالحها ومغانمها ارقى عندها منزلة من امن الوطن واستقراره وسلامة أبنائه. وان الصراع على النفوذ والهيمنة هو ما حال حتى الآن دون استكمال قوام التشكيلة الحكومية، التي جاءت أساسا دون مستوى الطموح، على حد وصف رئيسها.
36- لقد آن الأوان لإجراء مراجعة تقويمية جادة للخطط والمشاريع الأمنية والعسكرية، ومواصلة بناء المؤسسات والأجهزة على وفق الكفاءة والنزاهة والوطنية، والإخلاص للتجربة الديمقراطية الفتية، بعيدا عن المحاصصة اللعينة. كذلك تطهير تلك المؤسسات والأجهزة من العناصر التي تتقاطع معها في الأهداف والتوجهات. فمن المعيب بالنسبة للدولة والحكومة، ان يكون بين أدواتهما وأفراد مؤسساتهما من يشترك في إراقة دماء العراقيين.
37- ان معالجة الملف الامني تحتاج الى اتخاذ حزمة متكاملة من الإجراءات، وتوفير الإدارة الجيدة له ضمن تصور استراتيجي، بعيدا عن المواقف الارتجالية والعبثية، وعن زج القوات المسلحة في غير مهامها المحددة وفقا للدستور، او الاستعانة بهياكل ومؤسسات يجري تشكيلها لخدمة اهداف سياسية ضيقة لاصحابها، او اعادة الاعتبار للمليشيات التي كانت وراء تأجيج الاحتقان الطائفي، وكادت ان تزج بالبلاد في اتون حرب اهلية. ان مصلحة الوطن تقتضي تحريم تشكيل المليشيات، وإخضاع من يقدم على ذلك للملاحقة القانونية، وفقا لاحكام الدستور.
التعديلات الدستورية واستحقاقاتها
38- ينص دستورنا الحالي صراحة على أمكانية تعديله، اذا استدعت الممارسة السياسية والاجتماعية ذلك. وهو يحدد ايضا ضوابط ذلك في مادتين أساسيتين، تتعامل احداهما (المادة 126) مع الظروف الاعتيادية، حينما تتطلب الحاجة تعديلاً.
39- لكن الدستور، بحكم اوضاع البلاد الاستثنائية، يحتوى ايضاً ما يسمى بالأحكام الختامية والاحكام الانتقالية، التي تعالج جانبا هاما ذا طابع سياسي. فقد اعتمدت بهدف تطمين بعض شرائح المجتمع، وتأمين تطلعات سياسية، فتم الاتفاق في المادة 142 الاستثنائية على أمكانية مراجعة الدستور بالتوافق، وتقديم مقترحات إلى البرلمان لمعالجة التعديلات المطلوبة في صفقة واحدة، مع عرضها لاحقا على الاستفتاء.
وعلى أساس هذه المادة (142) شكل مجلس النواب لجنة لتعديل الدستور، الأمر الذي لا يتعارض مع نص المادة 126، ذات الصلة بالتعديلات الاعتيادية. علما ان التعديلات الدستورية استحقاق قانوني، وحاجة سياسية - اجتماعية تفرضها التجربة الشائكة للعملية السياسية في بلدنا منذ التغيير في نيسان 2003 والظروف التي كتب فيها الدستور.
40- والتعديلات ضرورية أيضا لمعالجة بعض النواقص في الصياغات، وعدم الدقة والوضوح في العديد من مواد الدستور وفقراته، بحيث لا تبقى حمالة أوجه، مثيرة للاشكالات والخلافات والنزاعات، عبر سماحها في الظروف السياسية المتقلبة بتفسيرات انتقائية، حسب اهواء الكتل السياسية وتطمينا لمصالحها الخاصة، ومتباينة او حتى متناقضة. فمن الضروري ان تكون تلك المواد الدستورية على درجة عالية من الوضوح، خاصة وان بعضها ذو صلة بصميم مصالح المجتمع، وبعلاقات أبنائه مع بعضهم.
41- ولكي تأتي التعديلات الدستورية في سياقها الطبيعي، وبناء على ما تفرضه الضرورات، فمن الواجب الا تكون غطاءً لمطامح سياسية آنية، من شأنها أن تخل بوظيفة الدستور نفسه، وبطابع الثبات النسبي المميز له، مقارنة ببقية القوانين والتشريعات.
فالالتزامات الدستورية الأساسية تتطلب تعاملا حساسا ودقيقا، بالنظر لدورها المباشر في إضفاء طابع الاستقرار والوضوح والحالة الطبيعية على مسيرة بلدنا.
42- ويبقى التوافق السياسي (وليس القائم على المحاصصة الطائفية والاثنية) بشأن التعديلات، أمرا ضروريا وحاسما في اللحظة التاريخية الملموسة، التي يمر بها العراق. وفي حال عدم تحقيق هذا التوافق، ينبغي تأجيل ما هو غير ناضج من التعديلات، وإخضاعه إلى المزيد من الحوار والبحث، وصولا إلى صياغات متوازنة ومتفق عليها.
وان أية استهانة بهذه الآلية، في ظرفنا الحالي، قد تفتح البلد على احتمالات غير محسوبة، وربما غير مسرة.
43- لا شك ان تأخيرا قد حصل في إجراء التعديلات الدستورية ضمن الفترة الزمنية المحددة، جراء تعنت تيارات وقوى وكتل سياسية، وعدم توصلها إلى تسويات متوافق عليها. وقد حال ذلك دون انجاز هذا الاستحقاق، الذي كان من شأنه ان يطور ويرسخ العملية السياسية والديمقراطية.
ان معالجة هذه المسألة، اذا ما حسنت النوايا وتوفرت الارادة السياسية التي تضع مصلحة البلد فوق أي اعتبار آخر، قد توفر الأجواء والفرص المناسبة للمضي قدما على طريق معالجة العديد من الملفات الاخرى، التي ما زالت تنتظر الحل.
تقزيم الديمقراطية والتعامل الانتقائي مع الدستور
44- شهدت بلادنا خلال الفترة الماضية مظاهر سعي الى تقزيم الديمقراطية، واعطائها مفهوما على مقاسات السلطات المتنفذة. وتجلى ذلك في ما يلي:
45- رغم ان كثيرا من مواد الدستور حمّالة اوجه، فقد مارست الاطراف الحاكمة انتقائية غريبة في التعامل معها، وتفسيرها بصور تضمن مصالحها وسيطرتها. ولا تبدو هذه القوى مبالية وهي تناقض نفسها في ذلك، وإذ لا تأخذ الدستور بكليته ومواده المختلفة في معالجة الامور.
46- التوسع في تفسير الصلاحيات بما يتناقض مع مواد الدستور، وكذلك ما له صلة بالحريات العامة والاعراف، واضفاء طابع احادي عليها، وقضمها تدريجيا، وتحديدها بقوانين وتعليمات تناقض روح الدستور. وهذا على صعيد المركز والمحافظات.
47- مخالفة السلطات الحكومية الصريحة والواضحة للمادة 38 من الدستور، ذات الصلة بحق المواطن في حرية التعبير عن الرأي بمختلف الوسائل، وفي حرية الاجتماع والتظاهر السلمي، اللذين هما من مظاهر ووسائل التعبير عن موقف ورأي. فالمتظاهرون يحملون رسالة يبغون ايصالها الى ذوي العلاقة في مركز القرار.
48- ولا بد من الاشارة الى اننا لا نتبنى ولا ندعو الى خروج التظاهرات والاحتجاجات عن سياقاتها وأهدافها، بل نشدد على ضرورة اعتمادها الوسائل السلمية للتعبير، ونرفض أي مسعى لحرفها عن مسارها الشرعي والسلمي واستغلالها لغير اهدافها. الا ان من غير المقبول، على الاطلاق، تكميم افواه الناس.
49- ممارسة السلطات على نطاق واسع اساليب الاعتقال والتعذيب وانتزاع الاعترافات والتعهدات، وملاحقة المحتجين وتهديدهم في سكنهم وعملهم، واستخدام اساليب الترغيب والترهيب في قمع الاحتجاجات وتحجيمها، وغير ذلك من الممارسات المنتهكة لحقوق الانسان.
50- التدخلات الفظة من قبل السلطة وبعض الكتل المتنفذة، في شؤون النقابات والاتحادات ومنظمات المجتمع المدني، من خلال تعطيل انظمتها الداخلية و انتخاباتها وتجميد اموالها، ومحاولة فرض قيادات عليها بالضد من ارادة منتسبيها وما تنص عليه انظمتها الداخلية.
51- السعي لفرض الرأي الواحد، وتنميط المجتمع وتأطيره وفق اطروحات "الاسلام السياسي"، وممارسة الارهاب الفكري باشكال مختلفة، ومصادرة الرأي الآخر، وتشجيع وادامة النزعات الطائفية والمناطقية والعشائرية، على حساب مبدأ المواطنة والشراكة الوطنية.
52- التدخل في شؤون القضاء، والسعي للتأثير على قراراته واحكامه، وتسييسها وفقا لمصالح واهواء الجهات المتنفذة.
ان هذه وغيرها من الممارسات، تعكس منحى خطيرا يضيق بالآخر المختلف، ويسعى الى مصادرة الحريات العامة والشخصية، في انتهاك فظ للدستور ومبادئ حقوق الإنسان والأعراف والمواثيق الدولية ذات العلاقة. وهذا لا يستقيم مع الدعوات إلى إقامة دولة القانون والمؤسسات، الدولة المدنية الديمقراطية.
الحكم الاتحادي ( الفيدرالي )
53- يرى الحزب الشيوعي العراقي في نظام الحكم الاتحادي شكل الحكم المناسب للعراق. وقد تبنى حزبنا هذا الموقف منذ اوائل التسعينات من القرن العشرين، ارتباطا بالتطورات في اقليم كردستان غداة انتفاضة آذار 1991 . وقد جرى تثبيت ذلك لاحقاً في الدستور، حيث نصت مادته الاولى على أن "جمهورية العراق دولة اتحادية واحدة مستقلة، ذات سيادة كاملة، نظام الحكم فيها جمهوري نيابي (برلماني) ديمقراطي، وهذا الدستور ضمان لوحدة العراق".
54- واكد الحزب موقفه الداعي الى تعزيز الفيدرالية في الاقليم، باعتبارها الحل الديمقراطي للقضية القومية الكردية في ظروف العراق الملموسة. كما ايّد من حيث المبدأ اقامة نظام اتحادي (فيدرالي) في العراق، على ان يقرر العراقيون شكل الاقاليم التي يتم تشكيلها وفقا للدستور، وبموجب الاليات التي يتضمنها قانون تكوين الاقاليم.
55- وشدد الحزب على ضرورة التأكد، عند تشكيل اقاليم جديدة، من الحاجة الفعلية لتكوين الاقليم المعني، وكونه يلبي طموحات المنطقة ذات العلاقة ويعبر عن الارادة الحرة لابنائها، بعيدا عن الطائفية والفرض والاكراه. كما يتوجب ان يتم ذلك في اجواء التوافق الوطني العام، وان يرتبط التنفيذ بتوفير الاجواء المناسبة لتعزيز المصالحة الوطنية الحقيقة، واعادة الامن والاستقرار. وبذلك يكون تشكيل الاقاليم في اطار العراق الديمقراطي الموحد، عامل استقرار وطمأنينة، وتمتين للوحدة الوطنية القائمة على الارادة الحرة والاتحاد الطوعي. 56- ولضمان سلامة واستقرار البناء الاتحادي للدولة، لا بد من تنظيم العلاقة بين الحكومة الاتحادية وسلطات الاقليم، واحترام ما جاء به الدستور، سواء بشأن توزيع الصلاحيات، أم بآليات تعديلها. كما ينبغي توزيع الصلاحيات بين المركز والمحافظات بما يؤدي إلى تعزيز اللامركزية، سواء على نطاق البلاد ككل ام ضمن الأقاليم، والعمل على دعم المحافظات وتمكينها من ممارسة صلاحياتها.
وفي هذا السياق يجدر الاسراع في حل القضايا العالقة ذات المساس المباشر بعملية بناء الدولة الاتحادية، وتصفية تركة النظام الدكتاتوري. ويتطلب هذا اتخاذ خطوات جادة لمعالجة اوضاع المناطق المشمولة بالمادة 140، ومواصلة وتعميق الحوار المتبادل حول القضايا الاخرى القائمة، والتوجه الجاد نحو حسم ما يتعلق بها في التعديلات الدستورية، وانجاز التشريعات الاساسية المعلقة مثل قانون النفط والغاز وقانون الموارد المالية وغيرهما.
57- ان الفيدرالية، كما جاء في الدستور، رهن بارادة العراقيين الحرة وحقهم في اختيار شكل دولتهم ونظامهم، بعيدا عن اي ظرف آني طاريء واي أجندات غير تلك التي يتوافق العراقيون عليها، وتصون مصالحهم جميعا على اختلاف قومياتهم واديانهم وطوائفهم. وبهذا المعنى فهي تتعارض على طول الخط مع دعوات التقسيم والانفصال، وتشكيل الاقاليم خارج سياقاتها الدستورية.
58- وان ما اثير اخيرا حول الاقاليم، اكد مجددا أن استمرار الصراع غير المبدئي بين القوى والكتل السياسية، والعراك على المناصب والنفوذ، وانعدام الاستقرار والأمان، وتواصل التخندق والشحن الطائفي، ونشاط المليشيات المنفلتة والخارجة على القانون، وضعف الدولة ومؤسساتها وأجهزتها، والميل الى التفرد والتهميش والاقصاء، والتضييق على الحريات، وضعف الحماس للشراكة الوطنية الحقيقية والمشاركة الفعلية في السلطة.. ان هذا كله وغيره يشجع التقوقع والانعزال، ويغذي الميول الانفصالية.
كما انه يغري مختلف الاطراف الخارجية على مواصلة التدخل في الشأن العراقي، والسعي لتوجيهه وفقا لما تريد هي، وليس كما يرى العراقيون ويريدون لمستقبل بلدهم.
السمات الاقتصادية– الاجتماعية
59- شهدت السنوات الماضية تعمق السمة الاحادية للاقتصاد العراقي، وازدياد اعتماده على العائد النفطي، الذي يمثل أكثر من 90 بالمائة من ايرادات الموازنة العامة، وحوالي 60 بالمائة من الناتج المحلي الاجمالي. ويتجلى الطابع الريعي للاقتصاد الوطني في معالمه الهيكلية وحسب المؤشرات في ما يلي :
60- أ- انحسار القدرات الإنتاجية وتراجع مساهمة الصناعة الوطنية والقطاع الزراعي والقطاعات السلعية في توليد الناتج المحلي الاجمالي. حيث لا تزيد الايرادات غير النفطية المتوقعة لسنة 2012 عن 7 بالمائة، على الرغم مما يعلن منذ سنة 2004 عن ان الدولة تتجه الى تنويع مصادر الدخل، والابتعاد عن التبعية المفرطة لقطاع النفط. لكن ما اوردناه يؤشر الاعتماد شبه الكامل على موارد النفط في تمويل الموازنة العامة للدولة. ومن المتوقع أن يوفر قطاع النفط اكثر من 92 بالمائة من ايرادات الموازنة العامة، وحوالي 65 بالمائة من الناتج الاجمالي لعام 2012 . فيما انخفضت مساهمة قطاع الصناعة التحويلية إلى حوالي 1.7 بالمائة من الناتج المحلي الاجمالي، وقطاع الزراعة إلى أكثر قليلاً من 5 بالمائة. وعند استبعاد قطاع النفط، ترتفع مساهمة قطاع الخدمات في تكوين الناتح المحلي الاجمالي الى نسبة تفوق 60 بالمائة منه، مما يؤشر كون اقتصاد العراق لم يعد اقتصادا ريعيا فقط، بل وبات خدميا ضعيف الانتاج في الوقت نفسه.
60- ب - وينعكس هذا الضعف الاقتصادي البنيوي في تجارتنا الخارجية حيث تكاد تنعدم الصادرات غير النفطية، فهي في عام 2009 مثلا لم تتجاوز قيمتها 300 مليون دولار، في حين قاربت قيمة الاستيرادات الاجمالية 38.5 مليار دولار، منها اكثر من 5 مليارات لاستيراد المواد الغذائية و3.7 مليار لاستيراد الوقود والمشتقات النفطية. وتؤلف السلع الاستهلاكية، خصوصاً المعمرة كالسيارات والأثاث والاجهزة الكهربائية والالكترونية نسبة عالية منها. وفي 2010 تواصل نمو قيمة الاستيرادات الكلية ليبلغ حوالي 44 مليار دولار. ومن المرجح أن النمو تواصل عام 2011 بالنظر لعدم ظهور اي تطور اساسي في الانتاج الوطني من شأنه تغيير هذه الصورة.
61-أ- وقد اتسمت السياسة الاقتصادية للحكومات المتعاقبة بغياب الرؤى والستراتيجيات والسياسات الموحدة للدولة في مجالات التنمية والمالية وغيرهما، وبالاضعاف القسري لدور الدولة، وخاصة ما يتعلق بدور الدولة في الميدان الاقتصادي. فيما استمرت المغالاة في تأكيد مزايا السوق الحرة في اقتصاد البلاد، دون معاينة للواقع الملموس واستحقاقاته، الامر الذي يعيق عملية الاعمار واعادة بناء القطاعات الانتاجية: الصناعية والزراعية، وكذلك الخدمية، وتحقيق التنمية الاقتصادية الشاملة والمستدامة.
61- ب- وما يعانيه القطاع الصناعي من تدهور واهمال يجسد بوضوح الآثار الاقتصادية والاجتماعية الوخيمة للخيارات والاتجاهات التي اعتمدتها السياسة الاقتصادية للدولة منذ التغيير. فبنية القطاع الصناعي حتى اواسط عقد الثمانينات من القرن الماضي كانت موزعة بين القطاعين العام والخاص، اضافة إلى القطاع المختلط. وبشكل عام كانت الصناعات الكبيرة الحجم والثقيلة ضمن القطاع العام، كالصناعات الهندسية والميكانيكية والانشائية ذات الصلة بالتصنيع العسكري، اضافة إلى صناعات القطاع النفطي. أما الانشطة الصناعية الخاصة فهي في الغالب منشات ووحدات صناعية صغيرة الحجم ذات طابع فردي وعائلي. ومنذ اواسط الثمانينات توقف الاستثمار الصناعي في القطاع العام، ما ادى إلى تقادمه تكنولوجياً وتراجع انتاجه كما ونوعا. ولم تتخذ حكومات ما بعد التغيير اجراءات وخطوات عملية وفعّالة لاستنهاض القطاع واعادة المنشآت المتوقفة والمعطلة كليا أو جزئياً إلى العمل. وإنما على العكس، سادت رؤى وتوجهات غابت عنها السياسة الصناعية التي تمليها العلاقة والترابط الوثيقان بين التنمية والتصنيع، واهمية التوسع الصناعي في تحقيق اهداف التنمية المتمثلة في خلق فرص عمل ومكافحة الفقر ورفع مستويات الدخل القومي وتحقيق عدالة اجتماعية عبر توزيع افضل للدخل. فتبنت الدولة سياسة الانفتاح على الاسواق الخارجية والغت جميع القيود والضوابط على الاستيراد، ووضعت الانتاج المحلي الضعيف والمنهك اصلاً، امام منافسة غير متكافئة مع المنتج الاجنبي، ما ادى بالضرورة إلى انهيار معظم ما تبقى من الصناعة الوطنية. وما فاقم مصاعب القطاع الصناعي والقطاعات الانتاجية عموماً، هو الفشل في تحقيق منجز ذي شأن لتحسين البنى التحتية.
62- ومن جانب آخر، يتواصل الخلل في الجمع والتنسيق السليمين للسياستين النقدية والمالية. وفيما يعتمد البنك المركزي توجها لتقوية العملة العراقية، ولادامة استقرار سعر الصرف وتحديد سعر الفائدة ومكافحة التضخم، تبدو القيود التي يتبعها صارمة في مرحلة يسعى البلد فيها للنهوض والبناء. ويتطلب الامر في العموم مرونة وتناغما افضل بين السياستين النقدية والمالية، في اطار توجه استراتيجي واضح ومحدد المعالم للدولة، وبالشكل الذي يؤمن للاقتصاد العراقي ديناميكية نمو، ويشجع الاستثمار والتصدير.
63- وينعكس الخلل في السياسة الاقتصادية على استمرار معدلات البطالة والتضخم المرتفعة، وما تعنيه من ظروف معاشية شاقة لقطاعات واسعة من ابناء شعبنا.
فالبطالة ما تزال احد التحديات التي تواجه عملية التنمية في العراق، فاعداد العاطلين عن العمل تتزايد، لا سيما من الشباب. وتذكر آخر احصائيات وزارة التخطيط ان نسبتها تشكل 15 بالمائة من القوى العاملة، في حين تشير التقديرات الى ان البطالة الناقصة (العمل بساعات قليلة، أي اقل من 35 ساعة في الاسبوع الواحد) قد يتجاوز الـ 30 بالمائة. فيما يقدر البنك الدولي نسبة البطالة بحوالي 39 بالمائة. اما في اوساط الشباب فقد تجاوزت نسبتها عند من تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عاماً 57 بالمئة. كما تبقى النسبة مرتفعة بين النساء، وتتجاوز 33 بالمائة. ووفقا لآخر تقرير رفعه ممثل الامين العام للامم المتحدة لحقوق الانسان في العراق فالتر كالين، فان نسبة البطالة في البلاد تجاوزت 28 بالمائة، ويعاني ربع السكان من الفقر الشديد.
64- كما أن مؤشر التضخم ما زال عند مستويات مرتفعة، وهو ما يساهم في التأثير المباشر على المداخيل، ويتسبب في خفض القدرة الشرائية، مع بقاء الاجور والرواتب عند مستويات لا تجاري الارتفاع المتواصل في اسعار المواد الغذائية والسلع والخدمات المختلفة والايجارات والنقل. ويشير آخر الاحصائيات المتاحة، إلى ان مؤشر التضخم خلال تموز 2011 ارتفع بنسبة 0.4 بالمائة مقارنة مع حزيران 2011، وبنسبة 6.2 بالمائة مقارنة مع الشهر ذاته من العام 2010 .
65- ولم تحقق الاجراءات الاقتصادية والتشريعات الهادفة إلى اجتذاب الاستثمار الخارجي نجاحات تذكر حتى الآن. فرغم اصدار قانون الاستثمار رقم 13 لسنة 2006 وتعديلاته اللاحقة فان الاستثمار ما زال محدودا، ولا يبرر تعويل الحكومة عليه في معالجة طائفة واسعة من المستحقات. ذلك ان الاستثمار يبحث عن أجواء طبيعية مستقرة للعمل، بعيدا عن النشاطات العنفية والارهابية والتعقيدات القانونية والادارية ومظاهر الفساد الصارخة، مثلما يبحث عن وضوح في السياسة الاقتصادية المتبعة في البلد المعني. وان ما تحتاجه بلادنا هو اتخاذ خطوات شاملة على الصعد الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والقانونية والادارية وغيرها، وعلى صعيد محاربة الفساد المستشري، لتوفير الاجواء المناسبة والجاذبة للاستثمار.
اننا لا نعارض الاستثمار الأجنبي بالمطلق، بل نشدد على أن تكون القرارات بشأنه منطلقة من رؤية إستراتيجية واضحة المعالم، تأخذ بالاعتبار الحاجات الفعلية للاقتصاد الوطني، وعلى ان يكون الاستثمار الأجنبي عاملا مساعدا لتنمية الاقتصاد وليس عنصرا محددا لاتجاهات تطوره.
66- أ- ان قضايا الاقتصاد ومشاكله لا تحل بالعصي السحرية والمبادرات من نوع المبادرة الزراعية، وما يجري الحديث عنه من اطلاق مبادرة للصناعة وسواها، رغم ما يمكن لها ان تقدمه من دعم مؤقت، يفترض ان يشكل جزءا من سياقات عمل دائمة، ضمن توجه وتخطيط للنهوض بالاقتصاد في جوانبه المختلفة المترابطة.
66- ب- ونتيجة لتكريس الطابع الريعي للاقتصاد الوطني، تصبح العوائد النفطية وطريقة التصرف بها من خلال الانفاق الحكومي والموازنات العامة، بشقيها التشغيلي والاستثماري، المحرك الرئيسي للنشاطات الاقتصادية بصورة مباشرة وغير مباشرة، وفي تشكل واعادة تشكل بنية المجتمع العراقي بطبقاته وفئاته المختلفة. ويتحقق هذا من خلال نمط توزيع واعادة توزيع الدخل والثروة، الذي يعتمده الانفاق والمشاريع والتعاقدات الحكومية وسياسة الرواتب والاجور للعاملين في الدولة، والسياسات الاقتصادية والاجتماعية. وتؤكد المعطيات المتوفرة أن السياسات المعتمدة حتى الآن لم تحقق نجاحاً على طريق مكافحة الفقر وتضييق شقة التفاوت الاجتماعي.
اشتداد التفاوت في توزيع الدخل والثروة
67- يظهر آخر مسح متاح لدخل الاسرة في العراق، وهو يعود الى عام 2007، ان الخمس الأغنى من الأسر يحصل على 43 بالمائة من مجموع الدخل على مستوى البلاد، بينما يحصل الخمس الأفقر على 7 بالمائة منه، وتبين بيانات نسبة الفقر وجود تفاوتات شديدة فيها بين المحافظات، وبين الريف والمدينة. ومع أن مقاييس ومؤشرات التفاوت في الدخل والانفاق تشير إلى أن مستوياته في العراق ادنى مما في البلدان العربية الاخرى ودول الجوار،إلا أن المرجح أن تكشف المسوحات الاحدث عن تعمق هذه التفاوتات. فاستفحال الاستقطاب في توزيع الثروة والدخل، كما تدلل تجارب بلدان أخرى، نتيجة متوقعة لسياسة اطلاق العنان لآليات السوق غير المنضبطة، التي اعتمدتها الحكومات المتعاقبة عندنا، وغياب الرؤية التنموية. وتتضافر عدة عوامل وآليات لتشديد هذا الاستقطاب والتفاوت في المداخيل والثروة. فاطلاق حرية التجارة، وغياب الضوابط، والارتفاع المستمر في حجم الاستيراد، ادت إلى ظهور فئات فاحشة الثراء بفضل تمتعها بمواقع شبه احتكارية في السوق، وتحقيقها هوامش ربح غير طبيعية، مستفيدة من غياب الضوابط المنظمة للسوق وضعف الرقابة واستشراء الفساد، ومن صلاتها باوساط نافذة في الدولة. كما تراكمت ثروات كبيرة، بصورة غير مشروعة، لدى بعض الفئات التي استغلت حالة الانفلات الأمني بعد التغيير، ولاحقاً في فترة الصراع الطائفي، للاستحواذ على اموال وممتلكات عامة وخاصة، عن طريق التجاوز وارتكاب اعمال منافية للقانون. ويلجأ أصحاب الثروات التي جرت مراكمتها بهذه الصورة، إلى طرق وأساليب مختلفة لاضفاء الشرعية عليها، وتبييضها وإعادة ادخالها في السوق المحلية بعناوين واطر قانونية، وتوظيفها في قطاعات العقار والتجارة والمقاولات وغيرها. وتمثل الموازنة العامة للدولة، بشقيها التشغيلي والاستثماري، مصدراً آخر لهذا التفاوت. فخلال السنوات 2007-2011 بلغ مجموع تخصيصات الموازنات التشغيلية أكثر من 220 مليار دولار، والاستثمارية ما يزيد على 80 مليار دولار. وتمثل تخصيصات الرواتب النسبة الاكبر من الموازنة التشغيلية. ويتجلى الاختلال في نظامي الرواتب والاجور، والتقاعد، في الفوارق الكبيرة بين رواتب ذوي الدرجات الخاصة وبقية موظفي الدولة، وكذلك في الفساد من خلال الرشى والتلاعب باسعار المشتريات والوظائف الوهمية وغيرها من التجاوزات.
اما الموازنة الاستثمارية، فان احد اسباب تدني مستوى الانجاز فيها هو احالة المقاولات إلى شركات وهمية أو ضعيفة الأهلية، مقابل منفعة او لاعتبارات المنسوبية والمحسوبية والولاءات السياسية، اضافة الى التلاعب في التخصيصات. لذلك لا نلمس وجود منجزات مادية وحقيقية على الأرض مقابل الانفاق الاستثماري الكبير لمؤسسات الدولة في المركز والمحافظات.