طور عابدين... الكنز المَنسي في جنوب شرق تركيا
عنكاوا كوم - صنداي زمان – ترجمة تصوّر المنظر من طرقات ريفية ضيقة تنتهي بجدران صخرية جافة، وتخيَّل قرية بعد قرية بلوّن العسل ولكل منها برجاً للكنيسة يتقاطع مع الأفق.
وتصوّر الحجارة الذهبية للمنازل الممزوجة بهدوء في هذا المشهد. كوتسوولدز في المملكة المتحدة. صدّق أو لا تصدق هذا هو وصف طور عابدين، المنطقة ذات الأسم الغريب الواقعة مباشرة حول مديات في تركيا والتي كانت حتى وقت قريب خارج نطاق المناطق التي يمكن زيارتها بسبب الاضطرابات في جنوب شرق تركيا.
يبدو طور عابدين كما لو كان اسماً لشركة سياحية تجلب الزوار الى المنطقة، لكنه في الحقيقة يعني "جبل العاملين" وهو الأسم الذي يمتد الى ما قبل العصر الروماني. والأسم هو نوعاً ما غريباً لأنه بالرغم من كون الأرض مرتفعة مقارنةً بما يُحيط بها، لكن مُعظم الزوار يعتقدون أنها تلال وليست جبالاً. وفي الغالب تجد نفسك تتجول حول الهضبة المُتغطرسة التي تمثل قلب المنطقة المحلية للسريان الأورثودكس الذين يُمثلون شكل من أشكال المسيحية الذي تطوّرَ نتيجة لتعاليم القديس بطرس في أنطاكيا في القرن الأول الميلادي. وفي القرن الرابع دخلت الرهبنة الى المنطقة، وفي وقت واحد كان هناك العديد من الأديرة فيها، وقد سماها أحد الكتاب "جبل آتوس في الشرق". ومع ذلك يُعتقد أن هناك اليوم 5000 شخص فقط من المسيحيين السريان الأورثودكس يعيشون في تركيا مقارنة، على سبيل المثال، مع 80,000 منهم يعيشون في السويد. ويتكلم معظمهم لغة تورويو، وهي لهجة عن اللغة الآرامية التي يُعتقد أن يسوع المسيح كان يتكلمها.
وإذا كنت ترغب في استكشاف طور عابدين، فيما يلي بعض الخطوات المقترحة كنقاط للبداية، علماً أنها بعيدة عن تكوين قائمة شاملة. وللمزيد من المعلومات راجع كتاب هانس هوليويجر الذي لايُقدر بثمن والمعنون: طور عابدين "معايشة التراث الثقافي"، وهو يُباع في دير مار كبرييل ودير الزفاران. ونظراً لعدم وجود تسهيلات للزوار في أي من القرى، فإن أفضل مكان كقاعدة للانطلاق لإستكشاف المنطقة هي مديات التي فيها فنادق مختلفة الأسعار مناسبة للجميع. لاحظ أيضاً أن لمعظم القرى أسماء متعددة، هي: الأسم السرياني الأصلي والأسم التركي الرسمي، وفي بعض الأحيان هناك اسماً ثالثاً بالعامية أيضاً.
أنيتلي (هاه)
من بين أبرز كنائس طور عابدين هي تلك الكنيسة الواقعة في منطقة هاه التي تمثل اليوم قرية نائية جداً، لكنها حتى عام 613 كانت مقراً لمطران المنطقة الأول، كما عادت مرة أخرى الى ذلك المركز خلال الفترة بين القرنين الحادي عشر والثالث عشر. وهنا توجد كنيسة مريم العذراء (مريمانا) التي قد يعود تاريخها الى القرن السادس الميلادي. تتوّج الكنيسة ببنية مربعة غير عادية من طابقين يتخللهما رواق باهر. ومن المثير للإهتمام هو إكتمال بناء الطابق العلوي في القرن العشرين حين تم إضافة برج الناقوس. ويُحيط الكنيسة جدران تضم فناءً يُعرف "بيث صلوثو" (بيت الصلاة) حيث تقام فيه الصلوات أيام الصيف لتجنب الحرارة العالية في الداخل حيث النوافذ الصغيرة نسبياً. ويوجد في الصحن أيضاً الحنية الصغيرة المصممة للجوقات التي تنشد في تناسق. ويمتد الصحن نفسه من الشمال الى الجنوب بدلاً من أن يكون من الشرق الى الغرب، كما هو مألوفاً في الكنائس الكاثوليكية أو البروتستانتية. وتذكرنا النقوش على الأقواس الداعمة للقبة على ما كانت عليه الكنيسة من أهمية في الماضي.
وإذا تساءلت لماذا تمركزت الأسقفية في هذا المكان البعيد، فإن سبب ذلك هو الأسطورة المحلية التي تقول أنَّ 12 ملكاً جاؤوا أصلاً لمتابعة النجم الذي يُشير الى مكان مولد الملك الجديد (يسوع). وقد وصلوا أولاً الى هاه حيث تابع بعد ذلك 3 منهم فقط الى أورشليم. وهناك أعطيَّ لهم أحد الأربطة المستخدمة لتقميط الطفل يسوع كهدية مُقابل هداياهم من الذهب واللبان والمر. وبعد عودتهم الى هاه تم حرق ذلك الرباط إعتقاداً منهم في أن يتمكنوا من تقسيم الرماد الناتج فيما بين الملوك الأثني عشر. لكن بدلاً من الرماد عملت النار على تحويل القماط الى 12 مدالية ذهبية. ولذكرى هذه المُعجزة وضع الملوك أسس هذه الكنيسة.
وبالرغم من أن السبب الرئيسي للقدوم الى أنيتلي هو لزيارة كنيسة القديسة مريم، لكنه يمكن أيضاً رؤية بعض الأنقاض الأخرى المتناثرة حول القرية، بما في ذلك تلك التي تعود الى كنيسة مار سوبو التي كانت تستخدم لإحتواء مخطوطة مضيئة رُسمت في عام 1227 خلال النهضة الفنية المحلية، وهذه المخطوطة موجودة حالياً في دير كبرييل.
صلاح (باريسيبي)
من الكنائس التي تمت صيانتها حديثاً، كنيسة مار يعقوب في صلاح التي يُعتقد أنها بُنيت في القرن السادس الميلادي، وقد يكون مظهرها القديم بسبب كونها بُنيت منذ فترة بعيدة في القرن الثامن. ومهما كان تاريخ بنائها فهو يعود الى موقع استشاد مار هادباشابو، وربما على أنقاض معبد زرادشتي. وخلال الفترة بين عامَي 1364 و 1839 أصبحت الكنيسة مقراً لمطران طور عابدين بعد الإنفصال مع دير الزفاران، وبالتالي روعته الحالية.
وللكنيسة مدخل مهيب مُحاط بنقوش جميلة لأوراق العنب وطيور الحمام وصحن الكنيسة ونقوش القبو المتعرجة المثيرة للإعجاب. ويوجد معلقاً على الجدران بعض الملابس ذات الرسوم اليدوية الجميلة التي صُنعت للأجيال في ماردين من قِبل ناصرا سيميس هندي الطاعنة في السن وعائلتها.
أنواردو (عينواردو، كولكوز)
تظهر من على بُعد كنيسة هادباشابو بأبراجها الدائرية الأربعة شبيهة بالحصن أكثر من كونها داراً للعبادة إذ تذكر بعض الزوار بالكنائس المحصنة في منطقة ألبي جنوب فرنسا. وقد تحصنَ في هذا المكان العديد من الناس في عام 1914 أثناء القتال الذي سببَ مقتل الكثير من السكان المحليين. ويمكن ملاحظة الثقوب التي سببها الرصاص بشكل واضح على الجدران الباقية والشاهدة على تلك المأساة. إن هذه القصة وصفتها الرحلة الرائعة لوليام دالريملي من كتاب "الجبل المقدس".
ويظهر برج ناقوس الكنيسة الدقيق عاجزاً مقارنة مع بقية المبنى، لكنه يستحق الصعود الى سطحه للإطلالة الرائعة وللتحديق الصارم الى الأسفل وإلقاء نظرة على المنازل المهدمة التي تبدو تماماً مثل تلك المعروفة كابادوكيا.
هابسوس (هابسناس، ميرسيميكلي)
يعود تاريخ كنيسة مار شيمون في القرية الى منتصف القرن السابع الميلادي حين أسسها الراهب الذي قام بزرع 12000 شجرة زيتون في المناطق المحيطة ويذلك جلب الثروة الكبيرة. ويُعتبر دير مار لوزور (لازاروز) أكثر إثارة للإهتمام حيث ينتصب بعيداً بعض الشيء عن القرية. وقد تأسس هذا الدير على يد الراهب نفسه في موقع كنيسة سابقة. وهذا الدير هو واحد من موقعين فقط في تركيا حيث ما يزال يمكن رؤية العمود الصخري الذي يعلوه رأس قديس اختار أن يعيش حياته (الدير الآخر هو دير كاراكاي بالقرب من أنطاكيا). وهو يقف منسياً في وسط الفناء الذي كانت تجري فيه مهرجانات الكنيسة التي تحتفل بوجود الكثير من الولائم الجماعية.
مار كبرييل (دير الومور، كارتمين)
تأسس دير مار كبرييل عام 397 ميلادي وهو المركز الإداري حالياً لطور عابدين ويمثل قلب المنطقة الحديثة للسريان الأورثودكس. يقع بصورة منفردة وسط حقول أشجار الرمان والخوخ والعنب. وهو مفتوح للزوار حيث تشاهد الكنيسة المزينة بالفيسفساء التي يعود تاريخها الى عام 512 ميلادي وعهد الامبراطور أنسطاسيوس. وتظهر أيضاً بالإضافة الى ذلك قبة تيودورا الشاهقة المبنية بالطابوق والتي كانت مخصصة للمعموذية. تم في سبعينيات القرن الماضي بناء برجي الناقوس الجميلين.
ويقع دير مار كبرييل على بعد 2 كيلومتر عن الطريق الرئيسي الواصل بين مديات وسيزري، مما يجعل من السهل زيارته حتى بدون سيارة.
دير الزافاران، ماردين
يقع هذا الدير (دير سافران) خارج حدود طور عابدين، إلا أن قصته أساسية لأنه يعود الى الفترة 1160 – 1932 حيث كان مقراً لبطريريكية السريان الأورثودكس التي انتقلت بعد ذلك الى دمشق. لقد تم بناء هذا الدير أصلاً في عام 495 بجانب بقايا معبد للشمس الذي ما تزال بقاياه الى اليوم. والكنيسة صغيرة نوعاً ما لكنها ذات جو مريح. ويمكن هنا أيضاً مشاهدة قبور العديد من البطاركة والمطارنة السابقين. يقع الدير على بُعد 6 كيلومتر عن ماردين ويتم الوصول اليه عبر مركز الزوار الكبير الذي قام بتمويله جزئياً الاتحاد الأوربي.
كيفية الوصول الى هناك؟
لايوجد خدمات للحافلات مهيأة لنقل الزوار من والى قرى طور عابدين، لذلك من الضروري تأجير تاكسي من مديات.