موعد في دبي (حسين أبو سعود)


المحرر موضوع: موعد في دبي (حسين أبو سعود)  (زيارة 2043 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل Leila Gorguis

  • اداري
  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 868
  • الجنس: أنثى
  • لبنان .. قلبي !!
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
   
موعد في دبي

حسين أبو سعود
   

 
بدأت الطائرة القادمة من لندن بالهبوط التدريجي نحو مطار دبي الدولي ، وقد اخبر قائد الطائرة المسافرين عن التوقيت المحلي ودرجة الحرارة متمنيا لهم طيب الإقامة ، الوقت العاشرة ليلا ودرجة الحرارة تنبئ بشتاء خليجي دافئ ، دبي مازالت مستيقظة باضواءها الساحرة ومطاعمها الكثيرة وحركة السيارات المتواصلة ، إنها مدينة تنام بعيون مفتوحة ، إذن أين أنت بين الوجوه ؟ أين رائحتك بين الأجساد؟ . اعلم انك غادرت البارحة إلى أمريكا ، لكن الجنون الذي في داخلي يجعلني ابحث عنك  هنا، فلماذا تختفين بين مياه النافورة الراقصة في الإمارات مول ، لماذا تصعد صورتك إلى أعلى طابق في برج خليفة وتختفي هناك لتظهر ثانية في مطاعم الجميرا أو في مقهى البوكس حيث تختلط رائحة القهوة بدخان المالبورو الأبيض . ها هم الناس ينظرون إلى مشيتك المليئة بالخيلاء والى ابتساماتك الخفية ، سأهرب منك إلى الشارقة لابتعد عن الوساوس فلن أجدك هناك عند البحيرة ولا في الرولة ، ولكن ماذا لو وجدتك تقفين لي عند باب المسجد ؟ وكأنك المليحة بالخمار الأسود التي وقفت للناسك المتعبد لتسلب دينه و وقاره. أردت أن أقوم بعمل سخيف جدا ، وادخل بعض الفنادق في البرشا وأسال عنك : هل نزلت عندكم سيدة أربعينية مكتنزة سمراء ، كثيرة الابتسام طيبة القلب تترقرق الدموع في عينيها دائما ، فقالت موظفة الاستقبال :واسمها نجوى ، نعم أنا هي فانا سمراء و مكتنزة ، فصارت تحدثني بصوتك عن أمها والدموع في عينيها تترقرق كالبلور : امّاه ، كانت تعمل لي خبزا صغير الحجم تسميه الحنونه ولكنها ماتت وتركتني وحيدة .
يا شبيه صويحبي حسبي عليك ، اقتربت منها كثيرا لأميز رائحتها تراجعت لأجد نفسي على سريري في الفندق ، ضحكت في سري وقلت أنها المراهقة المتأخرة . مرة حدث معي نفس الشيء في ليل لندن ، كنت عائدا من أكسفورد سركس في الباص 25 إلى الفورد بين سيل من السكارى من مختلف الألوان والأجناس ، كنت أحميك من التصاق الرجال كانوا مؤدبين رغم السكر ولكنهم يترنحون فقد يلمسك احد بلا قصد ، احمد الله ان ليل لندن ليس فيه كلاب ضالة جائعة ، تذكرين مطر لندن اللذيذ ؟ والجسور وانسام التايمز ، تذكرين الانتظار في محطات القطار والضياع بين الأحياء ويوم كانت فنادق المدينة بأكملها ممتلئة بسبب مباراة تنس . دبي جميلة ناعمة رائعة ولكن الخليط الأسمر لن يتفهم نظراتي وبحثي بين الوجوه عن وجه أحبه ، ودبي ليست جزر الكناري لكي يعذرني السياح عند كل خطأ ، وأنت كنت لا تريدين المجيء إلى دبي فلماذا اريتيني وجهك وأرجاء بيتك ومطبخك وسريرك على ... .
لم تحتوينا دبي هذه المرة ولتهنأ بك المنامة أو القطيف أو ميامي أو أي مدينة تحتويك وأنا سأتدبر الأمر لوحدي ، سأهيِْ الامر لجنازات الزهور واحتفل على خور دبي لوحدي ، سأعبر ديرة إلى بر دبي مع عامة العابرين . الأمور بدوني ستكون أفضل وقد يكون لفراقي طعم البرتقال أو طعم الليمون الأصفر فأنت تحبين عصير الليمون وأنا اذكر ذلك جيدا ، واذكر ذات مرة قولك لي : أنت اوكسجيني ، وهي عبارة اسمعها لأول مرة ، قد تكون من اختراعاتك فأنت مبدعة ، ولكن كيف تعيشين الآن بدوني على  الهيدروجين ، سأجرب وأقولها لعدد من النساء لأرى كيف يتقبلن هذه العبارة العلمية الجافة ، أنا لا أقوى على التعبير فانا محارب قديم فاشل متعب مرهق يعاني من جراح قديمة يتكئ على جدران مرطوبة ، له في كل مدينة جدار يستجدي عواطف المارة ، يقف في محطة أوتوبيس ، تمر الأوتوبيسات كلها ولا يركب ، ماذا يقول عنه الناس ؟ أين يريد الذهاب ؟ لماذا لا يركب ؟ .
لو كانت أمي على قيد الحياة لشكوتك لها وسألتها المزيد من طبائع النساء لقد علمني نصف قرن من الزمان كل شيء إلا طبائع النساء.
كيف ستفعل الوحدة بك؟ ستأكلك الجدران كما تأكلني ويهبط عليك السقف بثرياته ومراوحه ثم إن الهزيع الأخير من الليل موجع في كل مكان ، الهزيع الأخير في بيروت هو نفسه في مقديشو وبومباي والكل ينام إلا العشاق ، كل المدن تتشابه في الوجع وعمري هذا ليس عمر التنقل بين النساء لقد أفل قمر الإنسان في داخلي وباتت أشباح الحديقة ودغدغات المطر تخيفني ، وهجرك قد يدفعني نحو الخطايا أو نحو النقاء ، ولكن عندما تأخذك أمريكا مني أتعذب لأنها عالم الإثارة الجميلة ، تبا للحكومات وتبا للحدود والتأشيرات والجوازات ، لقد كنت أود أن أجدك ذات يوم في مكة لنعقد عقد الافتراق إلى الأبد بعد الانتهاء من مناسك العمرة لتكونين النسك الأخير وأعلن من هناك انتصارا يشبه الفشل . يومان في دبي كنت تشاركيني الفطور دون أن ينقص منه شيء وكنت معي في وقت الغداء ، والى جانبي في وقت العشاء كنت بين الوجبات ، وها أنا الآن ثانية في المطار تتناهب المدن قواي ، وها هو النداء الأخير يعلن عن موعد إقلاع طائرة الخطوط الجوية العراقية المتوجهة إلى بغداد ، وما أدراك ما بغداد ، سأجدك في العراق عند الأضرحة وعلى شواطئ دجلة ، ومع وصولي إلى بغداد فان قصتي لن تنتهي ، وسيبدأ عهد جديد من القلق وصفحات الأرق ولكني سأتصرف ، فلا تقلقي .


*القصة خيالية لا علاقة لها بأحد فالعالم عالم الخيال
aabbcde@msn.com
                 



ليلى كوركيس -  Leila Gorguis
        www.ankawa.com