نظرية المعرفة عند كانط باعتبارها فلسفة في المنطق (2)/2


المحرر موضوع: نظرية المعرفة عند كانط باعتبارها فلسفة في المنطق (2)/2  (زيارة 7902 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

متصل يوحنا بيداويد

  • اداري
  • عضو مميز
  • ***
  • مشاركة: 1790
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
نظرية المعرفة عند كانط باعتبارها فلسفة في المنطق (2) /2

الدكتور اشرف حسن منصور
الموضوع منقول من موقع الحوار المتمدن




ملاحظة تم تجزأة الملف الى قسمين بسبب كبره

الفصل الاول على الربط
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,503929.0.html

الفصل الثاني / القسم الاول




ملكة الفهم الخالص
مقولاتها القبلية ومبادؤها التركيبية

مقدمـــة :
رأينا في الفصل السابق كيف انتهى كانط إلى رد الوظيفة المنطقية في الربط بين التمثلات في الحكم إلى الوظيفة المعرفية في ربط الحدوس الحسية معاً لإدراك الموضوع. كما رأينا كيف ينظر كانط إلى المقولات باعتبارها وظيفة أو استعداد قبلي في الفهم الإنساني لتنظيم الحدوس الحسية وإضفاء الوحدة عليها بناء على مقولات الكم والكيف والعلاقة والجهة. ولأن المقولات قبلية فقد كان على كانط البحث في منشأها في ملكة الفهم، أي البحث في الاستعدادات المعرفية القبلية للفهم والتي تمكنه من تنظيم الخبرة وفق المقولات. وهذه هي المهمة التي يحققها في "تحليل التصورات" Analytic of Concepts. أما البحث في كيفية عمل المقولات في تنظيم الخبرة فهو الموضوع الذي يتناوله تحت عنوان "تحليل المبادئ" Analytic of Principles، ويقصد بالمبادئ هنا المبادئ التركيبية التي تتركب وفقها الحدوث الحسية لإنتاج موضوع المعرفة.
وبالتالي فسوف ينقسم هذا الفصل إلى جزء يتناول تحليل التصورات وجزء يتناول تحليل المبادئ التركيبية. ولأن التصورات قبلية فإن كانط لا يبحث عنها في الخبرة التجريبية، لأن هذه الخبرة لا تشكل أصلاً لها بل هي ذاتها نتاج الفعل التنظيمي لهذه التصورات نفسها، ولذلك كان كانط في حاجة إلى نوع آخر من التبرير يوضح به أصل الوعي بالمقولات وظهورها في الفهم، نوع لا يبحث عنها في الخبرة بل في ملكة الفهم ذاتها، أي فيما يتجاوز الخبرة التجريبية نحو الخبرة الخالصة، ولذلك فإن بحثه عنها ترانسندنتالي وليس إمبريقياً. ولأنها موجودة قبلياً وسابقة على التجربة فإن ما يحتاجه كانط هو استنباطها من ملكة الفهم الخالص، ولذلك يسمى بحثه عن الأصل القبلي للمقولات بالاستنباط الترانسندنتالي لها في مقابل استقرائها من التجربة. أما البحث عن وظيفة هذه المقولات في تنظيم الخبرة وإنتاج موضوعاتها فيسميه "تحليل المبادئ التركيبية"، لأن المقولات وهي تعمل وتقوم بوظيفة التركيب بين الحدوس الحسية تظهر على أنها مبادئ للتركيب.
هذا بالإضافة إلى أن كانط قد اكتشف ضرورة وجود مرحلة وسيطة بين الحدس الحسي والفهم الخالص، مرحلة لا هي بالتجريبية تماماً مثل الحدس الحسي ولا هي بالخالصة تماماً مثل ملكة الفهم بل تتوسط التجريبي والخالص وتعمل على الوصل بينهما، وهذه هي ما أطلق عليه "المخيلة" أو المخيلة الترانسندنتالية Transzendentale Einbildungskraft/ Transcendental Imagination، وهي حلقة الوصل بين الحسي والتجريبي من جهة والقبلي والخالص من جهة أخرى. ونظراً لموقعها الوسيط فسوف نتناولها في العنصر الثاني من هذا الفصل، وهو نفس موقعها في كتاب كانط.
أولاً - الاستنباط الترانسندنتالي للمقولات:
لأن المقولات قبلية فلا يمكن استقائها من التجربة، لأنها هي التي تنظم الخبرة التجريبية من البداية. صحيح أنها تظهر في الخبرة التجريبية والعلمية بالأشياء، إلا أن تجميعها من الخبرة ليس إلا استقراء لها وتجريداً للعام والمشترك بين موضوعات الخبرة. ولذلك فإن كانط لا يبحث عن أصل المقولات في الخبرة على الرغم من أنها حاضرة فيها، لكنه يبحث عنها في وظائف ملكة الفهم الخالص. هذه المقولات مرتبطة بالخبرة قبلياً، أي قبل أن تعطي الحدوس الحسية لملكة الفهم كي تنظمها عن طريق المقولات، وارتباطها القبلي هذا يأتي من كونها استعدادات معرفية لتنظيم الخبرة. يقول كانط:
"من بين التصورات المتنوعة التي تشكل الشبكة المعقدة للمعرفة الإنسانية، هناك فئة منها تتميز بكونها ذات استعمال قبلي، في استقلال تام عن كل خبرة، وحقها في هذا الاستعمال يتطلب دائماً استنباطاً" (A85/B117).
أي تبريراً لها بالكشف عن ظهورها القبلي في ملكة الفهم؛ ذلك لأن الأدلة التجريبية على ظهور المقولات في الخبرة لا تشكل تبريراً كافياً لها باعتبارها استعدادات قبلية. وبالتالي فما نحن في حاجة إليه هو
"شرح الطريقة التي ترتبط بها التصورات بالموضوعات قبلياً.. [أي] استنباط ترانسندنتالي؛ وأميزه عن الاستنباط التجريبي الذي يرينا الطريقة التي نحصل بها على التصور من الخبرة ومن الانعكاس على الخبرة، والذي لا يهتم بشرعيتها بل بنمط نشوئها التجريبي كأمر واقع" (Ibid).
يقسم كانط المقولات إلى نوعين: الأول يضم تمثلى المكان والزمان باعتبارهما الشرط القبلي لحضور الموضوعات في الوعي، فلا يمكن أن يقدم أي شئ للوعي ما لم يكن منتظماً وفق علاقات المكان والزمان. أما النوع الثاني فهو تصورات الفهم الخالص، أي مقولات الكم والكيف والعلاقة والجهة. كان كانط قد تعامل مع تمثلى المكان والزمان في الإستطيقا الترانسندنتالية وأوضح طابعمها القبلي وعدم اعتمادهما على الخبرة التجريبية بل اعتماد الأخيرة عليهما باعتبارهما تمثلين قبليين. ويذهب كانط إلى أن إثباته لقبلية المكان والزمان كان استنباطاً ترانسندنتاليا لهما (A87/B120). ويعنى هذا أن الاستنباط الترانسندنتالي للمقولات لا يبدأ كما يوحي ترتيب فصول "نقد العقل الخالص" بالفصل المسمى بهذا الاسم، بل يبدأ منذ الإستطيقا الترانسندنتالية، أما فصل "الاستنباط الترانسندنتالي للمقولات" فيهتم باستنباط النوع الثاني من المقولات وهي تصورات الفهم الخالص. ونستطيع بناء على ذلك القول بأن الهدف الأساسي من نظرية كانط في المعرفة هو الاستنباط الترانسندنتالي للمقولات، سواء لمقولتي المكان والزمان في "الإستطيقا الترانسندنتالية" أو لتصورات الفهم في "التحليلات الترانسندنتالية"؛ ذلك لأن تحليل المبادئ التركيبية للفهم الخالص هو الآخر يحتوي على نوع ثالث من الاستنباط الترانسندنتالي للمقولات، إذ يستنبطها لا باعتبارها تصورات بل باعتبارها مبادئ تركيبية تقوم بوظيفة التركيب بين الحدوس الحسية المختلفة.
لم يكن إثبات قبلية المكان والزمان يمثل مشكلة بالنسبة لكانط، لأن طابعهما القبلي واضح وهو ليس في حاجة إلا إلى اكتشاف. المشكلة الحقيقية في إثبات قبلية مقولات الفهم الأخرى، لأن قبليتها غير واضحة. وهنا يتساءل كانط كيف تكون الشروط الذاتية للخبرة هي التي تؤسس موضوعية هذه الخبرة ذاتها؟ لا شك أن المقولات خالصة ومجردة ولا تعطى لنا الخبرة إلا وفقها وبذلك تكون شروطاً ذاتية. فكيف إذن تتمتع معرفتنا بالموضوعية؟ الحقيقة أن الإجابة على هذا السؤال تظهر في سياق الاستنباط الترانسندنتالي نفسه والذي يوضح أن للمقولات وظائف معرفية مسبقة لتنظيم الخبرة وإنتاج موضوعات المعرفة في الوعي. وبذلك يحل كانط الإشكالية. إن الشروط الذاتية للخبرة تنتج معرفة موضوعية لأنها هي التي تنظم الخبرة منذ البداية وترتبها مقولياً.
قدم كانط استنباطاً للمقولات في الطبعة الأولى من الكتاب (1781)، ثم قام بحذف هذا الاستنباط وأحل محله استنباطاً آخر في الطبعة الثانية (1787). واستنباط الطبعة الثانية هذا يختلف عن استنباط الطبعة الأولى في أنه يركز على اكتشاف عمل المقولات في الحكم المنطقي ناظراً إلى هذا الحكم من وجهة نظر وظيفته المعرفية في الربط بين الحدوس والتصورات، في حين أن استنباط الطبعة الأولى يركز على اكتشاف المقولات انطلاقاً من وظيفة الربط بين الحدوس الحسية ذاتها، تلك المهمة التي تشترك فيها ملكة الحس مع ملكة المخيلة(1 ). إن من أهم الأسباب التي دفعت كانط إلى وضع استنباط مختلف في الطبعة الثانية هو ما رآه من صعوبة متابعة القراء وفهمهم للاستنباط في الطبعة الأولى. صحيح أن استنباط الطبعة الثانية يحمل في جوهره نفس الهدف، إلا أن كانط قد حذف منه جزءاً خطيراً ولم يقم بإعادة صياغته وهو الذي يتناول ثلاثة أنواع من التركيب يقوم بها على التوالي الحدس الحسي والمخيلة والفهم. ويبدو أن كانط حذفه لأنه رأى تأجيل موضوع التركيب القبلي إلى الجزء الثاني من التحليلات الترانسندنتالية والمعنون "تحليل المبادئ". والحقيقة أن هذا الجزء المحذوف من الاستنباط الترانسندنتالي هو ما له الدلالة الأخطر في مقارنتنا بين كانط وهوسرل، ذلك لأن الأبعاد الفينومينولوجية لدى كانط تتضح فيه، كما أن لهوسرل تحليلات شبيهة تماماً باستنباط الطبعة الأولى، وهي التحليلات التي يكون فيها أكثر اقتراباً من كانط. ولذلك سوف نقوم بعرض الاستنباط الترانسندنتالي للمقولات في الطبعتين نظراً لأهمية كل منهما ودلالته المختلفة.
1 - استنباط الطبعة الأولى:
يستند استنباط الطبعة الأولى على القول بأن تصورات الفهم أو المقولات خالصة وقبلية، لكنها في الوقت نفسه تشكل شرطاً لحضور الخبرة في الوعي ولحضور الموضوعات في الحدس الحسي نفسه. فلا يمكن أن تُعطى لنا الموضوعات إلا وفق التصورات القبلية للفهم. وبذلك فإن استنباطاً ترانسندنتالياً للمقولات هو البحث عن الشروط الذاتية التي تُتَلقى وفقها الحدوس الحسية ونفكر عن طريقها في الموضوعات وفق المقولات (A96). ومعنى هذا أنه بتجريد الخبرة من العنصر المادي فيها، أي من مادة الإدراك الحسي، والتركيز على الشكل الفكري لهذه الخبرة، نتوصل إلى التصور الخالص باعتباره وظيفة الفهم في تنظيمها.
إذا كان الفهم الإنساني مجرد متلق للتمثلات من الحدس الحسي في انفصال عن بعضها البعض، فلا يمكن أن يصنع من هذه التمثلات معرفة على الرغم من امتلاكه لاستعدادات قبلية لتنظيمها. معنى هذا أن التمثلات يجب أن تخضع لتنظيم ما قبل أن يعالجها الفهم بتصوراته، ولذلك يثبت كانط وجود نوعين من التركيب سابقين على تركيب الفهم للتمثلات وفق التصورات، وهما تركيب يقوم به الحدس الحسي وتركيب تقوم به ملكة المخيلة الترانسندنتالية. والتركيب الذي يقوم به الحدس الحسي يسميه كانط "تركيب الإدراك الباطن للحدوس الحسية" Synthesis of Apprehension in Intuition وهو التركيب بين انطباعات الحواس لإنتاج إدراك حسي للموضوع. والتركيب الذي تقوم به المخيلة يسميه كانط: "تركيب إعادة إنتاج [الموضوع] في المخيلة"، ويقصد به القول بأن الموضوعات كي تكون خا ضعة للتفكير يجب الاحتفاظ بها في الذاكرة والإمساك بكافة صفاتها التي لا يمكن أن تكون خاضعة للحواس وقت التفكير بها. فكي يكون الشئ موضوعاً لتطبيق مقولات ملكة الفهم يجب أن يكون حاضراً لملكة وسيطة لا هي بالحسية ولا هي بالفكرية، وهذه هي المخيلة. ويسمى كانط فعل التركيب الذي تقوم به المخيلة "إعادة الإنتاج" Reproduction لأنها تعيد إنتاج موضوع الإدراك الحسي في غيابه عن الحواس، كما تعيد إنتاج كل خصائص وصفات الموضوع التي التقطها الإدراك الحسي تباعاً وعلى مراحل. أما التركيب الثالث والأخير فهو الذي تقوم به ملكة الفهم بين التمثلات والتصورات، ويسميه كانط "تركيب [الموضوع المعاد التعرف عليه] في تصور Synthesis of Recognition in a Concept، ويقصد من ذلك أن الموضوع الخاضع مباشرة لتعامل تصورات الفهم معه هو موضوع معاد التعرف عليه بعد أن التقط الإدراك الحسي الانطباعات المختلفة عنه واحتفظت به المخيلة معاً وأعادت إنتاجه عن طريق ضم الانطباعات الآتية منه باعتبارها خصائص وصفات له، وبالتالي قدم الموضوع نفسه لملكة الفهم باعتباره منتجاً أو معاداً إنتاجه من قبل الحدس الحسي والمخيلة معاً (A99-103).
ويصف كانط أفعال التركيب الثلاثة واتصالها معاً والعلاقات بينها بقوله:
"بما أن الحس يحتوي على متنوع في حدسه فإنى ألحق به رؤية مجملة Synopsis. لكن يجب أن يقابل هذه الرؤية المجملة تركيباً؛ ذلك لأن قدرة التلقي Reciptivity لا يمكنها أن تجعل المعرفة ممكنة إلا إذا صاحبتها قدرة تلقائية Spontaneity. هذه التلقائية هي أساس تركيب ثلاثي يجب أن يوجد بالضرورة في كل معرفة؛ أي الإدراك الباطن للتمثلات باعتبارها تكيفات للذهن في الحدس، وإعادة إنتاجها في المخيلة، وإعادة التعرف عليها في تصور. وهذه [التركيبات الثلاثة] تشير إلى مصادر ذاتية ثلاثة للمعرفة" (A97).
أي الحدس الحسي والمخيلة والفهم.
ومعنى هذا أن الحدس الحسي يكشف عن قدرة على تلقي الانطباعات الحسية، لكنه في نفس الوقت لا يدرك أشتاتاً من الحدوس والانطباعات المبعثرة بل يدرك الموضوع كله إدراكاً حسياً، وبالتالي فإن به رؤية مجملة للموضوعات لا مجرد خليط لا رابط بينه من بيانات الحواس. هذه الرؤية المجملة للأشياء هي نتيجة تركيب الحدس الحسي لمتنوع الانطباعات، وهذا التركيب ليس تلقياً سلبياً بل هو قدرة تلقائية في تنظيم بيانات الحواس لإدراك الشئ إدراكاً حسياً. وبيانات الحواس المختلفة يجب الاحتفاظ بها باعتبارها تشير إلى خصائص وصفات لشئ واحد حتى بعد أن تختفي هذه البيانات من أمام الحس وحتى في غياب الموضع نفسه، وهذا التركيب من فعل المخيلة. أما معالجة الموضوعات باعتبارها تمثلات خاضعة للمقولات فهو من عمل ملكة الفهم، وهذا التعامل أيضاً هو تركيب، لأن الفهم يركب التمثلات مع التصورات القبلية لإنتاج معرفة بشئ ما.
وسوف نتناول بالشرح فيما يلي كل تركيب منهم:
أ - تركيب الإدراك الباطن في الحدس( 2):
كي يستطيع الحدس الحسي أن يدرك انطباعات الحواس باعتبارها تشكل متنوعاً Mannigfaltigen/ Manifold، أي أجزاء مترابطة من الإدراكات الحسية الخاصة بالشئ موضوع الإدراك الحسي، يجب أن يكون قادراً على التوحيد بين هذه الانطباعات، وذلك كي لا يظهر كل انطباع ويختفي من أمام الإدراك دون أن يشكل الحدس الحسي منه إدراكاً بالشئ. وبالتالي يجب أن يمر الحدس الحسي عبر هذه الانطباعات ويمسكها معاً؛ وما يمكنه من القيام بذلك هو حصوله على مقولة الزمان باعتبارها الشرط الكلي لحضور الموضوعات في الحدس، ذلك لأن الانطباعات تظهر تباعاً في أزمنة مختلفة، وكي يحتفظ بها الحدس يجب أن يكون متمتعاً بقدرة زمانية على الإمساك بها معاً عبر اللحظات. إن الوعي الزماني، أي القدرة على تلقي الانطباعات في أزمنة مختلفة والاحتفاظ بها عبرها وضمها معاً وفق مقولة الزمان الكلي هو أساس الحدس الحسي الموحد للحظات في إدراك الشئ.
ب - تركيب إعادة إنتاج الموضوع في المخيلة(3 ):
عند تلقي حدوس حسية مختلفة في لحظات مختلفة يجب أن يكون الوعي قادراً على تجميع هذه الحدوس معاً وإعادة تذكرها بعد اختفائها. كما يجب أن يكون قادراً على الانتقال من حدس إلى آخر تباعاً مع احتفاظه بالحدس السابق في الحدس اللاحق. هذه القدرة على التذكر والاحتفاظ بالحدوس السابقة دائماً هي من عمل المخيلة. تتلقى الحواس انطباعات مختلفة عن الشئ الواحد، ولا يمكن للوعي إدراك وحدة الشئ عبر تغير انطباعاته إلا إذا احتفظ بهذه الانطباعات معاً، أي حفظها في المخيلة وتذكرها، كي يكون الإدراك على وعي بأن ما يدركه شئ واحد لا أشياء كثيرة. وفي ذلك يقول كانط:
"... يجب أن نفترض وجود تركيب ترانسندنتالي خالص للمخيلة باعتباره شارطاً لإمكانية كل خبرة. ذلك لأن الخبرة نفسها تفترض ضرورة القدرة على إعادة إنتاج الظاهرات. عندما أقوم برسم خط في ذهني أو التفكير في الوقت من الصباح إلى صباح آخر، أو حتى عندما أتمثل عدداً معيناً، فمن الواضح أن التمثلات المتنوعة المختلفة يجب أن تدرك بواسطتي واحدة بعد الأخرى. لكن إذا أسقطت من ذهني دائماً التمثلات السابقة (الأجزاء الأولى من الخط أو الأجزاء السابقة من الوقت الزمني، أو الوحدات في سياق تمثلها)، ولم أُعِد إنتاجها في الانتقال إلى تمثلات أخرى، فإن تمثلاً كاملاً لا يمكن أن يظهر" (A102).
وبذلك تكون ملكة المخيلة الترانسندنتالية ملكة مكملة للحدس الحسي نفسه ومؤسسة للإدراك الحسي. وهي ضرورية لأنها ما يقدم للإدراك الحسي الموضوع كاملاً عبر تنوع انطباعاته لملكة الفهم.
ج - تركيب الموضوع [المعاد التعرف عليه] في تصور ( 4):
رأينا في التركيبين السابقين كيف يعمل الحدس الحسي عند تلقيه الانطباعات الحسية على المرور عبرها تباعاً والإمساك بها بفضل حصوله على وعي زماني قبلي، وكيف تعمل المخيلة على الاحتفاظ بالانطباعات السابقة أثناء تلقي انطباعات لاحقة، وذلك كي تحافظ على وحدة الموضوع عبر تنوع الانطباعات الآتية منه واستقبالها الواحدة تلو الأخرى. أما ملكة الفهم والتي تقوم بهذا التركيب الثالث فهي التي ترتب الموضوعات وفق التصورات القبلية أو المقولات. لكن أعم وأشمل تصور يعمل به الفهم ويضفي أكثر أنواع العمومية على الحدوس الحسية والتمثلات هو مقولة "الموضوع بعامة" Gegenstand Uberhaupt/ Object in General، أي فكرة الموضوع بصرف النظر عن نوعه، أي الشئ الممتد أو الجسم ذو الأبعاد (A104-106). فلا يمكن أن يدرك الفهم أن ما يراه عبارة عن موضوع ما لم يكن ممتلكاً لقدرة قبلية على إدراك شئ ما على أنه موضوع؛ والحقيقة أن كانط يقصد بالموضوع هنا الجوهر المادي الذي يمكن أن يكون موضوعاً في حكم بالمعنى الأرسطي. وبذلك تكون أولى المقولات القبلية وأكثرها عمومية وتجريداً هي مقولة "الموضوع" باعتباره الشئ المواجه للذات، وهذا هو المعنى الحرفي للمصطلح الألماني Gegenstand. هذه القدرة القبلية على التعرف على الموضوع هي قدرة تركيبية، ذلك لأنها تركيب الصفات معاً لتنتج منها محمولها أو قوامها Substratum، أي الشئ ذي الأبعاد. فإدراكنا لمثلث على سبيل المثال يعتمد على قدرة مسبقة في الفهم، قدرة تستطيع التعرف على ثلاثة خطوط متقاطعة مكونة ثلاث زوايا داخلية، والتعرف على الشكل المكعب يعتمد على القدرة على التعرف على جهات ست متساوية للشئ. ولم يكن الفهم الإنساني ليستطيع أن يفكر بتصورات مثل المثلث والمربع والمستطيل والمكعب ما لم يكن ممتلكاً قبلياً لتمثلات مثل الخط المستقيم والزاوية والسطح والعمق والأبعاد. هذه التمثلات البسيطة هي أساس تركيب الفهم لكل الأشكال المسطحة والمجسمة والتعرف عليها في التجربة. وكذلك الحال بالنسبة لتصور "الجسم" الذي يعتمد إدراكنا له على الاستعداد القبلي للتفكير باستخدام تمثلات مثل الشكل الامتداد وعدم القابلية للاختراق… إلخ.
وهكذا حلل كانط فعل التركيب الذي تمارسه ملكة الفهم. لكن هذا التركيب يتم بناء على مقولات عديدة متنوعة، وإزاء هذا التعدد والتنوع يجب أن يكون هناك أساس واحد في الفهم الإنساني يربطها معاً، فكل تنوع يتحول إلى تشتت ما لم يكن هناك أساس يوحده، أساس تكون المقولات ذاتها متنوعة إزاءه. ولذلك ذهب كانط إلى أن هذا الأساس هو أيضاً ترانسندنتالي، أطلق عليه "الإبصار الترانسندنتالي" die Tranzendentale Apperzeption، وهو نوع من الوعي الذاتي المعرفي، أي الوعي بوحدة الذات وبأنها هي القائمة بالأفعال المعرفية المختلفة. صيح أن هذه الفكرة شبيهة بالأنا أفكر الديكارتي، إلا أن الإبصار الترانسندنتالي أكثر من مجرد كوجيتو، إذ أن له دوراً إبستيمولوجيا خاصاً للغاية، فهو الذي يحافظ على وحدة العمليات المعرفية بإرجاعها دائماً إلى الذات العارفة، وهو وعي بالإنتاج الذاتي للحكم وبصور هذا الحكم من نشاط للذات. إنه وعي الذات بفعلها ونشاطها المعرفي باعتباره إنتاجاً فعالاً لا مجرد تلق سلبي. وتتضح أهمية الإبصار الترانسندنتالي من أن المقولات لا يمكنها أن تكون فاعلة في تنظيم الخبرة وإنتاج المعرفة باعتبارها وظائف للفهم ما لم تكن مصاحبة بوعي ذاتي من قبل الفهم الإنساني نفسه، وعياً يدرك أنه هو الذي يقوم بتركيب التمثلات والتصورات. صحيح أن استخدام كل مقولة يكون مصاحباً بوعي ذاتي من القائم بالمعرفة وبأنه هو الذي يستخدم تصوراته لفهم الأشياء، لكن بالإضافة إلى الاستخدام الواعي لكل مقولة يجب أن يكون هناك مستوى أعلى من الوعي يوحد بين كل هذه الأفعال المعرفية باعتبارها أفعالاً للذات. وفي ذلك يقول كانط:
"يجب أن يكون هناك أساس ترانسندنتالي لوحدة الوعي في تركيب متنوع كل الحدوس.. أساس بدونه يستحيل التفكير في أي موضوع لحدوسنا.. لايمكن أن تكون لدينا أي أنماط معرفية، أو أي صلة أو وحدة لنمط من المعرفة مع الآخر بدون وحدة الوعي التي تسبق كل بيانات الحواس.. ووحدة الوعي هذه يمكن أن تكون مستحيلة إذا لم يستطع الذهن في معرفته بتنوع الحدوس أن يصبح واعياً بهوية الوظيفة التي عن طريقها يدمج تلك الحدوس تركيبياً في معرفة واحدة. إن الوعي الأصلي والضروري بوحدة الذات هو في نفس الوقت وعي بوحدة ضرورية بكل تركيب للظاهرات وفق التصورات" (A106-107).
ومعنى هذا أن معرفة الأشياء باعتبارها وعياً بها تتأسس على الوعي بالذات أثناء ممارستها لأفعالها المعرفية المختلفة: "لا يمكن للعقل أن يعي بهويته في تنوع تمثلاته، ولا يمكنه أن يفكر في هذه الهوية قبلياً، إلا إذا كان أمام عينيه وحدة أفعاله التي يُخضع بها كل مركب للحدوس.. لوحدة ترانسندنتالية" (A108)، أي وحدة الوعي الذاتي. وهي وحدة ترانسندنتالية بمعنى أنها ليست خاضعة للتجربة، فالوعي بالذات لا يرجع إلى التجربة أبداً، كما لا تشكل معرفة الأشياء أصلاً لها، لأنها هي ذاتها أساس معرفة الأشياء. لا يحصل الفهم على وعي بذاته بفضل معرفته بالأشياء، بل العكس، إذ أن هذه المعرفة ليست ممكنة إلا بفضل الوعي الذاتي.
وبعد أن يوضح كانط أن تركيباً بين الحدوس الحسية ليس ممكناً إلا بفضل الوعي الذاتي، الذي أطلق عليه "الإبصار الترانسندنتالي"، يشير إلى أساس زماني لهذا الوعي الذاتي. ذلك لأن تركيباً واعياً بين الحدوس يجب أن يعي تراتبها الزمني واحداً تلو الآخر، ولا يمكن إدراك هذا الترتيب أو التسلسل الزمني للحدوس ما لم تكن في الوعي قدرة قبلية على إدراك الزمان، أي الوعي بالتتابع وبالعلاقة بين السابق اللاحق؛ هذه القدرة القبلية هي في حد ذاتها زمانية، إذ هي الصورة القبلية للزمان باعتبارها شرطاً كلياً لحضور الموضوعات في الوعي. كما أن التركيب بين الحدوس الحسية التي يتم تلقيها في أزمنة مختلفة يجب أن يتم بوعي باللحظة الحاضرة وإدراك أن الوعي نفسه كان حاضراً عبر كل تلق جديد لحدس حسي جديد:
"إن الأنا [التي تتصف بالحضور وبالوعي بهذا الحضور وبالثبات الزمني] تشكل قواماً لكل التمثلات، [فمن خلال هذا الأنا] نستطيع الوعي بها. وكل وعي.. يقوم بفعله بناء على حدس داخلي خالص، أي على الزمان" (A124).
ويتضح من ذلك أن الوعي باعتباره وعياً بالذات وإبصاراً ترانسندنتالياً بهوية الأنا يشتغل على وعي داخلي هو الوعي بالزمان. إن الوعي بالزمان الداخلي عند كانط هو قوام العملية المعرفية( 5)، والوعي في حد ذاته ليس إلا وعياً بالحضور المستمر والدائم للأنا عبر اللحظات المتعاقبة، وهذا هو الأساس الزماني الذي يشكل قوام التعرف على كل تغير زماني تجريبي.
في المعرفة الإنسانية تخضع الأشياء للشروط الذاتية للمعرفة، وهذه المعرفة تكشف عن فاعلية مقولات الفهم الإنساني، والمعرفة بذلك ليست تلقياً سلبياً لمعلومات من التجربة – لأن ما يسمى بالتجربة ليس إلا خبرة إنسانية بالعالم صنعتها الذات العارفة. وليس معنى ذلك أن المعرفة الإنسانية مجرد خبرة ذاتية أو أوهام أو صورة ذاتية للعالم لا تقابلها حقيقة موضوعية، لأن المعرفة الإنسانية هي معرفة بالظاهر لا بالأشياء في ذاتها. العالم لا يقدم لنا إلا الظاهر، والمعرفة هي تنظيم هذا الظاهر وفق مقولات الفهم، أما الأشياء في ذاتها فليست معطاة لنا في الحواس أو في حدس حسي، أو بأي طريقة أخرى مثل الحدس العقلي مثلاً، ذلك لأن كانط ينكر أن تكون المعرفة البشرية قادرة على تمثل حقائق عن طريق العقل وحده في استقلال عن كل شرط حسي؛
"وبالتالي فإن النظام والانتظام في الظاهرات والذي نطلق عليه (طبيعة)، نحن الذين أدخلناه. ولا يمكننا أن نجده في الظاهرات ما
لم نكن قد أدخلناه فيها. [وكي تكون] وحدة الطبيعة ضرورية، يجب أن تكون ممكنة قبلياً" (A125)
أي لكي يدرك الوعي الإنساني نظاماً في الطبيعة يجب أن يكون هو نفسه ممتلكاً لهذا النظام قبلياً. وهذا النظام هو تركيب قبلي للفهم الإنساني مستند على وحدة تركيبية، أي وعي بوحدة الذات القائمة بالتركيب.
ويجب أن ننتبه في هذا السياق إلى نقطة لم يؤكد عليها كانط مباشرة، وهي أن الوعي الذاتي ليس خاصية لملكة الفهم وحدها، بل هو حاضر في مستوى الحدس الحسي ومستوى المخيلة، ذلك لأن كل تركيب، سواء تركيب انطباعات أو حدوس في موضوعات، وهما التركيبان اللذان تقوم بهما ملكتا الحس والمخيلة على التوالي، نقول أن كل تركيب يجب أن يكون مصاحباً بهوية الذات وإدراك باطن بوحدتها عبر أفعالها التركيبية المختلفة وعبر موضوعات التركيب المتباينة. والحقيقة أن الكثير من الكتب العامة العارضة لفلسفة كانط أخطأت في اعتقادها أن الوعي الذاتي لا يظهر إلا في مرحلة الفهم أو هو خاصية لملكة الفهم وحدها( 6)، ذلك لأن كانط نفسه يؤكد، وخاصة في استنباط الطبعة الأولى هذا، ضرورة حضور الوعي الذاتي عبر كل الملكات الثلاث: الحس والمخيلة والفهم. ويبدو أن أحد أسباب هذا الاعتقاد الخاطئ أن مصطلح الوعي الذاتي لا يظهر صراحة وحرفياً إلا في تناول كانط لملكة الفهم، بجانب اعتماد أغلب العارضين لفلسفة كانط على استنباط الطبعة الثانية دون الانتباه إلى إشارة كانط في الطبعة الأولى إلى حضور الوعي الذاتي عبر الملكات الثلاث( 7).
2 - استنباط الطبعة الثانية:
إن الاستنباط الترانسندنتالي للمقولات في الطبعة الثانية هو في أغلبه إعادة صياغة للأفكار الرئيسية في استنباط الطبعة الأولى، لكن مع حذف وإضافة. الحذف هو للتركيب الثلاثي الذي يقوم به الحس والمخيلة والفهم في الطبعة الأولى، والإضافة هي في توضيح كانط للصلة بين عمل المقولة على مستوى تنظيم المعرفة وبين وظيفتها في الحكم المنطقي.
وفي عرضنا لاستنباط الطبعة الثانية لن نكرر إعادة صياغة كانط للأفكار الرئيسية التي سبق ظهورها في استنباط الطبعة الأولى، بل سنوضح الأفكار التي أعطاها الأولوية في العرض، ثم نعرض للإضافة التي ظهرت في الطبعة الثانية ولم تكن موجودة في الأولى.
يبدأ كانط الاستنباط بقوله إن الحدوس تظهر مندمجة مع بعضها البعض في الإدراك الحسي، ولا يمكن أن تكون الحواس ذاتها مصدر هذا الدمج، لأن الانطباعات تعطى للحواس مشتتة وبغير رابط بينها، ولذلك يجب افتراض فعل تركيب بين الانطباعات على مستوى الإدراك الحسي(8 )، وهذا الفعل يقوم به نوع من الوعي هو البصيرة Apperception. وهو ينظر إلى هذه البصيرة باعتبارها وعياً بالأنا أفكر:
"يجب أن يكون ممكناً للأنا أفكر أن يصاحب جميع تمثلاتي؛ إذ بدونها لا يمكن لشئ أن يمثل فيَّ ولا يمكنه أن يخضع للتفكير أبداً.. وكل متنوع الحدس لديه بالتالي صلة ضرورية مع الأنا أفكر" (B132).
ويسمي كانط الوعي بالأنا أفكر حدساً خالصاً Pure Intuition، لأنه
لا يعتمد على الخبرة التجريبية. فالوعي بالأنا أفكر لا يعتمد على الحالات والأفعال المعرفية بالمعنى السيكولوجي، بل هو يسبق هذه الأفعال، لأنها تتضمن بالضرورة وعلى نحو قبلي وعياً بالأنا أفكر أثناء قيامها بعملها. وهذا الأنا أفكر لديه تصوراً عن الوحدة التركيبية، أي تصوراً يدرك أن أفعال التركيب المختلفة مترابطة ومتصلة من حيث كونها أفعالاً لذات واحدة وممارسة على موضوع خبرتها هي.هذا التصور الخاص بوحدة الأفعال التركيبية ليس هو مقولة الوحدة التي تظهر في الحكم المنطقي، ذلك لأنه لا يخص وحدة الأشياء قبلياً، أي وحدة الحدوس والتصورات في إنتاج تمثل للشئ، بل يخص وحدة الذات القائمة بالأفعال التركيبية (B131). وبذلك أوضح كانط أن مقولة الوحدة ليست هي أصل وعي الذات بوحدتها في أفعالها المعرفية، بل إن وعي الذات بوحدتها هو السابق على ظهور مقولة الوحدة باعتبارها عاملة على مستوى الخبرة. وهنا نكتشف كيف أن كانط كان على وعي بمستوى سابق على المقولة ذاتها. صحيح أن المقولات هي ذاتها قبلية، إلا أن قبليتها هذه تستند على شئ ما أكثر قبلية منها؛ إنه القبلي المؤسس للمقولات القبلية ذاتها، إنه القبلي الأصلي والأساسي( )، وهو الوعي بالأنا أفكر، الوعي الذاتي بوحدة الأفعال المعرفية وانتمائها جميعاً إلى الذات العارفة.
ومثلما ذهب كانط في الإستطيقا الترانسندنتالية إلى أن المكان والزمان هما الشرطان اللذان تُعطي وفقهما الحدوس للوعي فهو يذهب في استنباط الطبعة الثانية إلى أنهما أيضاً الشرطان اللذان يمكن للحدوس وفقهما أن تخضع للتفكير باعتبارها تمثلات وتضم جميعها في تصورات (B137). فعن طريق المكان باعتباره شرطاً قبلياً يُعطى للفهم متنوع الحدوس، وعن طريق الزمان تدمج هذه الحدوس وتترابط معاً في وعي واحد. ومعنى هذا أن مقولة المكان تخص استقبال الحدوس باعتبارها تنوعات مترابطة مكانياً، ومقولة الزمان تخص ربط هذه الحدوس مع بعضها البعض في الوعي. وهنا نكتشف أن الزمان هو الشرط القبلي للتفكير مثلما أن المكان هو الشرط القبلي للإدراك. والملاحظ أن كانط قد عالج الزمان في استنباط الطبعة الأولى على أنه وعي بالزمان، وبالتالي فالوعي الذاتي الذي يمثل شرطاً لكل معرفة ليس سوى وعياً زمانياً، وعياً بالطابع الزماني للذات الإنسانية( 9).
عند هذا الحد من استنباط الطبعة الثانية لم يدلل كانط إلا على مصدر وحدة الأفعال التركيبية التي يمارسها الفهم والمتمثلة في الإبصار الترانسندنتالي أو الأنا أفكر، ولم يكن طوال هذا العرض قد تناول الموضوع الأساسي وهو ضرورة الانطباق القبلي للمقولات على الخبرة وعلى الحكم المنطقي. وهذا هو الموضوع الذي ينهي به استنباط الطبعة الثانية والذي يمثل الإضافة غير الموجودة في الطبعة الأولى. ويبدأ كانط في تناول هذا الموضوع في فقرة بعنوان: "يتأسس الشكل المنطقي لكل الأحكام في الوحدة الموضوعية للإدراك الباطن للتصورات التي يحتويها [هذا الشكل المنطقي]" (B141). يريد كانط القول بأن الشكل المنطقي للحكم والمتمثل في موضوع ومحمول ورابطة، أو حدس وتصور مندمجين معاً بأداة الربط (هو ist/is/est) والتي تعبر عن الكينونة، ليس ممكناً إلا بفضل الوعي بالوحدة القبلية بين الحدس الحسي والتصور العقلي. هذه الوحدة القبلية سابقة على الحكم المنطقي نفسه وهي التي تؤسسه، لأننا لا يمكن أن نعبر منطقياً عن انطباق تصور ما على موضوع ما لم نكن قد وعينا بهذا الانطباق منذ البداية وقبل إصدار الحكم( 10)، ولا يمكن أن يطبق الحكم المنطقي محمولاً على موضوع أو يدرك شيئاً تحت مقولة ما لم يكن الوعي قد قام بذلك بالفعل قبل الحكم المنطقي، ومعنى ذلك أن هناك وحدة تركيبية بين شقي الحكم في الوعي ذاته وسابقة على الحكم المنطقي، ذلك الحكم الذي يأتي للتعبير تحليلياً عما أنجزه الوعي من تركيب قبلي. ويكون الحكم المنطقى بذلك مؤسس على فعل معرفي يركب الحدس والتصور معاً، ووعينا بهذا التركيب هو أساس التعبير المنطقي عن الرابطة بين الحدس والتصور وهو أداة الربط التي تعبر عن الكينونة.
ولا يوافق كانط على تعريف المناطقة للحكم بأنه تعبير عن علاقة بين تصورين، وذلك لأن هذا التعريف مقتصر على الحكم المقولي Categorical Judgment، لا الحكم الشرطي المنفصل أو المتصل، ذلك لأن كل منهما يعبران عن علاقة بين قضيتين لا تصورين؛ الحكم المقولي لا يعبر إلا عن تضمن المحمول في الموضوع وفق مقولة الكل والأجزاء أو مقولة الجوهر والأعراض، في حين أن الحكم الشرطي المتصل يعبر عن علاقة سببية بين تصورين حسب مقولة السببية، والحكم الشرطي المنفصل يعبر عن علاقة تسبب متبادل بينهما حسب مقولة الاشتراك أو التفاعل المتبادل، هذا بالإضافة إلى أن أحكام الجهة تفهم موضوعاتها حسب مقولات أخرى غير التضمن واللزوم، مثل الإمكان والضرورة والمصادفة والاستحالة ... إلخ. إن العلاقات التي تربط بين قضيتين لا تقتصر على علاقات التضمن واللزوم. فالحكم المقولي لا يعبر إلا عن تضمن المحمول في الموضوع وفق مقولة الجوهر والأعراض أو مقولة الوحدة أو مقولتي الكل والأجزاء، في حين أن الحكم الشرطي يعبر عن علاقة السببية أو علاقة التسبب المتبادل، وأحكام الجهة تعبر عن مقولات الإمكان والضرورة والمصادفة والاستحالة…إلخ. ومعنى هذا أن ما يجب تناول أساسه القبلي الترانسندنتالي ليس مقولة التضمن أو علاقة الكل والأجزاء وحسب والتي تشير إلى الحكم المقولي، بل يجب كذلك تناول بقية المقولات التي يكشف عنها الحكم الشرطي وأحكام الجهة.
وما نلاحظه في حديث كانط عند هذه النقطة أنه يغير من أسلوب الاستنباط الترانسندنتالي مقارنة بالطبعة الأولى، فهو يلجأ إلى تحليل الحكم الحملي ليبين تعبيره عن مشروطية مقولية سابقة على الحكم، وفي ذلك يقول:
"الحكم ليس إلا الأسلوب الذي تأتي به أنماطاً معطاة من المعرفة إلى الوحدة الموضوعية للإدراك الباطن" (B141).
أي أنه ينطلق من الحكم مباشرة إلى الكشف عن أساس الفعل المعرفي الذي ينتجه والذي يتمثل في وحدة الوعي الذاتي، وهو ما يطلق عليه "الإدراك الباطن"، بدلاً من الانتقال من الفعل المعرفي أولاً كاشفاً عن كيفية إنتاجه للحكم كما في الطبعة الأولى. فعندما نقول "كل الأجسام ثقيلة"، فإن هذا الحكم تعبير عن إدراك مسبق بالأجسام باعتبارها ثقيلة، أي باندراج الأجسام تحت مقولة الثقل. إن الإدراك السابق على الحكم يعي شيئاً واحداً هو الأجسام الثقيلة، أي يعي بالحدس الحسي والتصور في وحدة واحدة غير منفصلة، ثم يأتي الحكم المنطقي ليفصل في هذا الإدراك الواحد بين حدس وتصور، ثم يعبر عن الوحدة بينهما في صورة الرابطة is أو فعل الكينونة؛ وما الحكم بذلك سوى تعبير تحليلي عن تلك الوحدة بين الشئ الجزئي والمقولة الكلية في الإدراك الباطن( 11). التقط كل من شلنج وهيجل وهوسرل هذه الفكرة وذهبوا إلى أن الحكم هو تقسيم وفصل تحليلي للوحدة الأصلية المقولية بين الحدس والتصور، وما أكد لديهم هذه الفكرة أن كلمة حكم بالألمانية تتكون من مقطعين UR-teil، وتعني حرفياً "الانقسام الأصلي" أو "انقسام الأصل"، وذهبوا إلى أن الحكم هو انقسام للأصل الواحد الذي يجمع بين الموضوع والمحمول أو الشئ والمقولة في الوعي القبلي( 12). ونستطيع في هذا السياق القول بأن المقولة لا تظهر باعتبارها مقولة صريحة وواضحة، أي تصوراً خالصاً للفهم، إلا بفضل هذا الانقسام للأصل، أي في صورة التعبير المنطقي الواعي عن هذه الوحدة الأصلية أو الرابطة المقولية الأصلية؛ وهذا هو بالضبط معنى قول كانط إن المقولة لا تظهر إلا في الحكم( 13)؛ لكن ليس معنى هذا أن وظيفتها منطقية وحسب، ذلك لأن وظيفتها المنطقية ذاتها مؤسسة على وظيفتها المعرفية السابقة على الحكم المنطقي المتمثلة في التوحيد بين التمثلات، وذلك كما شرحنا في الفصل الأول تحت عنوان "المقولات باعتبارها شروطاً قبلية لإمكان الخبرة". إن كانط يرد الوظيفة المنطقية للمقولات إلى الوظيفة المعرفية لملكة الفهم الخالص.
لكن أتى كانط في فقرة تالية بعبارة أدت إلى سوء فهم من قبل بعض المفكرين والشراح( 14)، يبدو فيها أنه يرد الوظيفة المعرفية للمقولة القبلية إلى الوظيفة المنطقية للمقولة في الحكم. يقول كانط:
"إن فعل ملكة الفهم هذا، والذي عن طريقه يحضر متنوع تمثلات معطاة في إدراك باطن واحد "هو" الوظيفة المنطقية للحكم، وبالتالي فكل متنوع.. متعين بالنظر إلى أحد الوظائف المنطقية للحكم، وبهذه الطريقة يتم إحضاره في وعي واحد" (B143).
يبدو من هذه العبارة أن كانط يريد القول بأن الفعل المقولي العامل في مجال الحدس الحسي والمنظم لمتنوع الحدوس الحسية هو نفسه الوظيفة المنطقية للحكم، لكنه ليس كذلك. إن كلمة "هو" في النص السابق لا تعبر عن التساوي أو الهوية بل تعبر عن التوازي. الفعل المقولي لملكة الفهم سابق على ظهور الحكم وعلى وظيفته المنطقية. وهو عامل على مستوى الحدس الحسي في تنظيم تنوعات الحدوس والذي يسبق عمل ملكة الفهم في تنظيم التمثلات وفق المقولات. كانط إذن يقصد بذلك أن الوظيفة المنطقية للحكم متعينة ومشروطة بالوظيفة المقولية لملكة الفهم. وهذا ما يمكن أن يفسر لنا الغموض في قول كانط: "المقولات هي هذه الوظائف للحكم بالضبط، طالما كانت مستخدمة في تعيين المتنوع في حدس مُعطى" (Ibid). معنى هذا أن المقولات هي وظائف للحكم طالما كان هذا الحكم تعبيراً عن وحدة المتنوع في حدس معطى، أي طالما كان تعبيراً عن وحدة مقولية سابقة على الحكم. ليس للمقولة من وظيفة منطقية إلا بناء على وظيفة معرفية سابقة على الحكم المنطقي تربط التمثلات ببعضها البعض وبينها وبين التصورات. وعندما يقول كانط إن "المتنوع في حدس معطى خاضع بالضرورة للمقولات" فهو لا يعني أنه خاضع للوظيفة المنطقية للمقولات بل لوظيفتها المعرفية في الحدس، أو في الخبرة السابقة على الحكم بتعبير هوسرل، أي في تنظيم متنوع الحدس وإضفاء الوحدة عليه. إن مصدر خطأ أولئك الشراح أنهم لم ينتبهوا إلى أن كانط يتناول الحكم من وجهة نظر المنطق الترانسندنتالي لا من وجهة نظر المنطق العام، ولذلك فإن تعامله مع الوظيفة المنطقية للمقولة هو تعامل قبلي ترانسندنتالي، أي معرفي وإبستيمولوجي وليس تحليلياً، تعامل يوضح الأفعال المعرفية التي تجعل المقولة تظهر في الحكم( 15).
إن سوء الفهم الذي أشرنا إليه يرجع إلى سببين: الأول أن كانط يتبع طريقة تحليل الحكم الحملي لإثبات اعتماده على مشروطية مقولية سابقة عليه، وهذا هو الأسلوب الجديد الذي اتبعه في استنباط الطبعة الثانية. انطلاقه من الحكم المنطقي إلى إثبات مشروطية مقولية سابقة عليه أدى إلى سوء الفهم القائل إن الوظيفة المنطقية للمقولة هي التي تؤسس الوظيفة المعرفية لها، في حين أن العكس التام هو الصحيح، ذلك لأنه انتقل في استنباط الطبعة الأولى من الوظيفة المعرفية للمقولات، أي أفعال التركيب وفق المقولات القبلية، إلى تأسيس هذه الأفعال للحكم المنطقي قبلياً. ولم يغير كانط في الطبعة الثانية من رأيه حول الترتيب بين الوظيفة المنطقية للمقولات في الحكم والوظيفة المعرفية القبلية لها في تنظيم الخبرة السابقة على الحكم، فالأولوية عنده هي للوظيفة المعرفية التي تؤسس الحكم المنطقي قبلياً، لكنه غيَّر من مجرد طريقة العرض، إذ بدأ في الطبعة الثانية من أعلى، أي من الحكم المنطقي منتقلاً إلى أساسه القبلي وهو الوظيفة المقولية في تنظيم الخبرة. ولا يعني ذلك أنه أعطى الأولوية للوظيفة المنطقية للمقولات بل غير من أسلوب الاستدلال، وكان ذلك استجابة منه لما رآه من قُرَّاء الطبعة الأولى في عدم فهمهم للاستنباط الترانسندنتالي وصعوبته واستغلاقه على أفهامهم. لقد عبر كانط عن وجهة نظره واضحة صريحة منذ أن رد لوحة الأحكام إلى لوحة المقولات كما رأينا في الفصل الأول. أما السبب الثاني الذي أدى إلى سوء الفهم أن كانط لم يقدم تحذيراً لقراءه من الخلط بين الوظيفة المنطقية والوظيفة المعرفية القبلية للمقولات، ولم يتوسع في التأكيد على أولوية الوظيفة المعرفية، نظراً لأنه كان متعجلاً للانتقال إلى المرحلة الثانية من التحليلات الترانسندنتالية وهي تحليل المبادئ.
ثانياً - دور المخيلة الترانسندنتالية:
على الرغم من أن كانط بدأ كتابه بالإعلان عن مصدرين للمعرفة، ملكة الحس وملكة الفهم، من حيث أن الحدس الحسي يمدنا بتمثلات حسية عن الموضوعات، والفهم يمدنا بالتصورات القبلية التي تنظم التمثلات، إلا أن إعلانه هذا كان لمجرد التبسيط كي يمهد القارئ للدخول في تفاصيل نظريته المعرفية التي مثلت اختلافاً هائلاً عما سبقها من نظريات لدى سابقيه. فالحقيقة أنه أدخل ملكة ثالثة لم يكن يتمكن من الإعلان عنها في البداية، ولذلك أجل إعلانها حتى يحين وقتها( 16). هذه الملكة هي المخيلة الترانسندنتالية Tranzendentale Einbildungskraft / Transcendental Imagination التي نظر إليها على أنها مصدر أساسي للمعرفة. فقد ظهرت أول مرة في بحث كانط عن وظائف التركيب القبلي الثلاثة في استنباط الطبعة الأولى، ورد وظيفة الاحتفاظ بالحدوس الحسية السابقة، أي التي انتهى حضورها من أمام الحواس، أثناء تلقي حدوس لاحقة إلى ملكة مختصة بذلك هي المخيلة الترانسندنتالية. لم يكن كانط يستطيع أن يعلن عن هذه الملكة في بداية كتابه لأن مبرر وجودها لم يكن قد تأسس بعد، أما عندما بدأ كانط في تناول العلاقة بين الحدس الحسي والفهم الخالص فقد ظهرت بذلك ضرورة وجود ملكة ثالثة تتوسط بينهما، ملكة لا هي بالحسية تماماً ولا هي بالعقلية تماماً، بل تعمل كوسيط بينهما وذلك بأن تنقل الحدوس الحسية إلى مستوى التصورات المجردة.
كان الفلاسفة قبل كانط يعتقدون في مصدرين للمعرفة: الحس والعقل. صحيح أن البعض منهم قد لاحظ دور الخيال في التفكير والتذكر ورسم صورة ذهنية عن الإدراكات الحسية مثل لايبنتز وهيوم، إلا أن الخيال لم يكن مصدراً أساسياً للمعرفة عندهم، وكان دوره مساعداً وحسب. فماذا كانت مبررات كانط لجعل المخيلة مصدراً ثالثاً مستقلاً للمعرفة بجانب الحس والفهم؟ انقسم الفلاسفة قبل كانط إلى معسكرين، تجريبي ويضم لوك وهيوم والماديين الفرنسيين والذي يذهب إلى أن الحس وحده هو مصدر المعرفة وما العقل
إلا تابعاً له ويقتصر دوره على تجريد التصورات العامة من بيانات الحواس، ومعسكر عقلي يضم ديكارت ولايبنتز وفولف ويذهب إلى أن العقل وحده هو مصدر المعرفة وما الحس نفسه سوى قدرة من قدرات العقل، أو هو العقل نفسه في نمط حسي. ويحل كانط هذا النزاع حول مصدر المعرفة بكشفه عن تلك الملكة الثالثة التي تتوسط بينهما. ويطلق كانط على الفلاسفة التجريبيين اسم "السيكولوجيون" لأنهم عالجوا المعرفة من جهة تأثر الحواس بالموضوعات، ونظروا إلى الأفعال المعرفية على أنها استجابة سيكولوجية لمثيرات تأتي من انطباعات الأشياء على الحواس. ويذهب كانط إلى أن هؤلاء لم يتمكنوا من اكتشاف ملكة المخيلة لأنهم اعتقدوا أن وظيفة التركيب بين الحدوس الحسية يقوم بها الحس بما أن التركيب يظهر جاهزاً ومكتملاً فيها؛ لكن قبل أن تظهر الموضوعات مركبة من حدوس جزئية في الحس يجب أن يكون هناك فعل تركيبي سابق مختصة به ملكة خاصة ليست هي الحس نفسه:
"فشل السيكولوجيون حتى الآن في إدراك أن المخيلة مكون ضروري للإدراك الحسي نفسه. ويرجع بعض السبب في ذلك إلى أن ملكة الفهم قد قُيدت بوظيفة إعادة إنتاج الموضوع [في الذاكرة] فقط، ويرجع البعض الآخر إلى الاعتقاد في أن الحواس لا تمدنا بالانطباعات وحسب بل وتدمج بينها أيضاً كي تولد صوراً عن الموضوعات. لكن لأجل هذا الغرض فإن شيئاً ما أكثر من القدرة على تلقي الانطباعات يُحتاج إليه لا شك، أي وظيفة للتركيب بينها" (A121).
هذه الوظيفة هي التي تقوم بها ملكة المخيلة. إن نقد كانط لسابقيه فحواه أن هؤلاء قد وزعوا وظيفة المخيلة على الحس والفهم ونزعوا إلى اختزال دورها عبر هاتين الملكتين ولم يدركوا تميز وظيفة التركيب التي تقوم به والتي تتطلب ملكة خاصة. إن الحواس لا تعطينا سوى انطباعات عن الأشياء، أما وظيفة التركيب بين هذه الانطباعات لإنتاج تمثلات للأشياء فهي من عمل المخيلة، فعلى الرغم من أن التمثلات الحسية تظهر للحواس، إلا أن الحواس ليست مصدرها. قبل أن تظهر الموضوعات باعتبارها منتمية إلى المقولات في ملكة الفهم، تظهر باعتبارها صوراً للإدراك الحسي، وملكة المخيلة هي التي تنظم موضوعات الحواس في صور قبل أن تنظمها ملكة الفهم في مقولات. هكذا أثبت كانط ضرورة الفعل التركيبي للمخيلة على مستوى الإدراك الحسي نفسه.
لكن هل المخيلة مرتبطة بالحس فقط؟ أليس لها ارتباط بملكة الفهم؟ بلى، ذلك لأن من طبيعتها أن تتوسط بين الحس والفهم، وهي بذلك تحتوي على عنصر عقلي كما تحتوي على عنصر حسي. ولأنها حلقة الوصل بينهما، فإن لها تأثيرها في الاثنين وتمتد بفعلها عبر الاثنين( 17). للمخيلة دور في ملكة الحس لأنها تعمل على تركيب الانطباعات الحسية معاً، وهي في نفس الوقت تقدم تمثلات عن الأشياء لملكة الفهم، وهي التي تمد التصورات بالحدوس المناسبة لها، وهي من هذه الجهة تمتد إلى ملكة الفهم. دورها الأول على المستوى الحسي هو دور متلقي سلبي Receptive، ودورها الثاني على مستوى الفهم دور إيجابي فعال يسميه كانط القدرة التلقائية Spontaneity.
ولا يقتصر دور المخيلة الترانسندنتالية على ذلك، بل إن لها دور أخطر، وهذا هو الذي يشرحه كانط في الفصل المعنون "إسكيمات التصورات الخالصة للفهم" Schematismus der Reinen Verstandesbegriffe / Schematism of the Pure Concepts of the Understanding (A137/B176). رأينا كيف تتمثل وظيفة المخيلة في التوسط بين الحس والفهم، وهذا الدور الوسيط يتضح بقوة في فصل الإسكيمات هذا. يذهب كانط إلى أن التصور الخالص للفهم مجرد



متصل يوحنا بيداويد

  • اداري
  • عضو مميز
  • ***
  • مشاركة: 1790
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
صورة لعمانوئيل كانط الفيلسوف الالماني صاحب نظرية المعرفة



غير متصل هيثم الصقر

  • عضو فعال
  • **
  • مشاركة: 30
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
شكررررررررررررررررررررررررررررا