الكل يتحسر على الماضي لماذا ؟


المحرر موضوع: الكل يتحسر على الماضي لماذا ؟  (زيارة 768 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل al8oshi 62

  • عضو
  • *
  • مشاركة: 12
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
الكل يتحسر على الماضي لماذا ؟
بقلم جمال جرجيس لاسو /القوش
Jamal_lasso@yahoo.com
الكل يبكي وينوح على غدر الزمان ، ويتحسر على امجاد الماضي ، ويقارن الماضي بما آلت اليه الامور والاحوال في الوقت الحاضر . حيث الضعف وانحلال مجمل القيم والتفسخ وسقوط الاخلاق التي كانت هي ما تميز به الماضي . وما تحلى به الرجال في الايام الغابرة من رجولة وغيرة وشجاعة واقدام ، والتي كما يزعمون الان انها ( اي الصفات المذكورة ) قد تلاشت وهنا اخص بالذكر بلدتي القوش واعم بها وطني العراق .
نسمع في اي مجلس يعقد ، او اثناء اي حوار او نقاش يدور بين اثنين او اكثر ، حيث ان التصريحات ان لم يكن جميعها فبعضها يتفق فيما بينها على ان الماضي كان وكنا ( المقصود آبائنا ) عاشوا ايام مجد وعز ، وهم بما تحلوا من صفات عظيمة كالشجاعة والاقدام والتحدي والاعتزاز والغيرة والشرف ......... الخ من الصفات التي تمجد وترفع شأن من جبلوا عليها ، او اتصفوا بها وهي التي اتصف بها آبائنا واجدادنا ، وهم من رفع شأن واسم بلدتنا عاليا ، الى الحد الذي احتل اسم القوش موقع الصدارة والمقدمة بين باقي القرى المماثلة . واكتسب احترام جميع الاقوام التي تعاملوا معها ، بل وفي اغلب الاحيان كان يخشى بأسها . ويرجع خائبا من يحاول الاعتداء عليها . ومما يذكره المعاصرون انها كانت كقلعة مستعصية على اي مهاجم او معتدي . بل يذهب البعض الى ابعد من ذلك ، حيث يتباهون انها كانت مستعصية حتى على القوات الحكومية والسلطات . ويعزون السبب في مناعتها الى رجولة ابنائها القدامى وتفانيهم وتضحياتهم من اجلها ، وترابطهم وتآزرهم في اوقات المحن مع بعضهم البعض . بالاضافة الى القديسين المنتشرة مراقدهم حولها ، فلهم كما يقولون الفضل الاول في حمايتها وصيانتها . وهذا كله بحسب ما يزعمونه ويتناقلونه في المجالس ، وكذلك ما سمعناه ونسمعه من افواه الاباء والاجداد .
ومثل هذه العبارات التى تمجد الماضي وتعتز به الحواضر وتتباكى عليه بل تتحسر عليه ، تشمل معظم ان لم يكن جميع المدن والقرى في وطننا العراق ، بل قد يعم مناطق العالم اجمع . ولكن ... لو تمعنا في دراسة التاريخ القريب والبعيد ، لتوصلنا الى ان الحاضر دوما هو ما نراه فاقدا للصفات الجيدة ، التي كانت تميز الماضي . والسبب في ذلك ان ما يذكر او ينقل من الماضي ينحصر في الايجابيات فقط مع نسيان السلبيات التى ربما تكون اكبر ، بل اسوأ من سلبيات الحاضر . ولزيادة التوضيح ادعوكم جميعا لتركزوا على ما يلي لتتوضح لديكم الصورة .
معظمنا قد عايش الحروب واشترك بها وعانى الكثير ، ولكن عندما نستحضر ذكرياتنا في الجيش ننسى الايام السوداء التي عشناها وتنمحي تفاصيلها من ذاكرتنا ، ولكننا لا ننسى الساعات القليلة التي عشنا فيها بسعادة وفرح ، من خلال تذكر المواقف واللحظات الجميلة والسعيدة والصحوبية ، بل اننا نتذكر حتى الجمل والعبارات والمفردات الجميلة . وهذا شيئ منطقي يتصف به جميع البشر ( اي ان الذكريات المأساوية تنسى بتفاصيلها ، وتبقى الذكريات السعيدة بجميع تفاصيلها هي التي تكون حاضرة في الاذهان ).
والان لنرجع الى اصل الموضوع ، فما اوضحته بمثال هو الذي ينطبق على ما انا بصدده ( اي ان الحاضر دائما عند الكل هو ما نتذمر منه ، كوننا نقارنه بالماضي الذي نتذكره او نسمع عنه من افواه الكبار في مجالسهم ، وننسى او يغيب عن بالنا ان من عاشوا قبلنا هم كذلك كانوا يتذمرون من حاضرهم ويتحسرون على الزمن الماضي بالنسبة اليهم ، وهكذا دواليك . اي ان كل حاضر عند مقارنته بماضيه هو حسب الذين يحيون فيه ( اي في ذلك الحاضر ) يعتبرون الماضي كان اقوى وفيه رجال عظام ، وصفات الرجولة الحقة كانت في الماضي . اما الان فقد تغير الزمان وآلت تلك الصفات للضمور او فقدت ، فيبدأ التحسر على ايام زمان الماضي . ولكن التاريخ المدون يكشف لنا هذه النقيصة ، واضيف انه كلما تقدمنا في الحاضر ودرسنا الاحوال والصفات والميزات بموضوعية ، سنكتشف ان حاضرنا دوما افضل من ماضينا .
ففي الماضي القريب كانت هناك صداقات بين الرجال ، ولكن .... كانت اغلب تلك الصداقات غير نزيهة ، وكانت الخيانات منتشرة الى حد كبير بين الاصدقاء ، بل وحتى الاشقاء ، واستطيع ان اسوق امثلة عديدة وواقعية وحسب ما سمعته او سمعناه من افواه الكبارسنا ( لاداعي لسردها هنا ) .
اما الان فأستطيع ان اصرح انه نادرا ما يوجد صداقات غير نزيهة .
وكذلك كانت في الماضي اللصوصية منتشرة وكانت صفات ، المكر ، والخداع ، والتغرير ، والنميمة هي الصفات التي كانت سائدة الى حد ما .
اما في الحاضر يكاد مجتمعنا ان يخلو من تلك الصفات المذكورة .
وكانت صفة الاعانة والمساعدة موجودة في الماضي ، ولكنها وجدت من اجل تحقيق غايات اخرى .
اما الان وان قلت هذه الصفة بين ابناء البلدة ، ولكن ان وجدت فانها لغاية العون والمساعدة بحد ذاتها وليس من اجل غايات اخرى . ( انا لست بصدد النيل من ماضي ابائنا واجدادنا ولكني بصدد توضيح الحالة فقط ) . وللتأكيد على ذلك ( اي ان الحاضر هو ما نتذمر منه في كل الازمان والاوقات، ساسوق حكاية واقعية تؤيد وجهة نظري ).
الحكاية : ( ما سأرويه سمعته من افواه كبار السن ، او ربما قد اكون قد قراته في احد الكتب ، ولكن لايحضرني المصدر ) .
جاء زمن وقع اهل البلدة ( القوش ) تحت سيطرة الغرباء بحيث فرضوا على اهل البلدة اتاوات ( خاوا ) وكانوا ايضا حينذاك يتحسرون على الماضي ، وكيف ان الرجال ايام زمان لم يكونوا يخضعون لاية قوة غريبة مهما كانت . فقام احدهم ( رئيس القرية ) بشحذ همم الرجال باختراعة حكاية انه خاطب قبور الاجداد وسألهم ان كانوا يوافقون على ان تدفع البلدة اتاوات للغرباء ام لا ، فأجابوه اننا لم ندفع ولم نخضع في ايامنا لاي تهديد من اية قوة غريبة ، ندعوكم للاقتداء بنا ، وان لم تستطيعوا ذلك ، تعالوا وناموا مكاننا في القبور وسنقوم نحن بالدفاع عن البلدة بدلا عنكم ..........
هذه الحكاية تؤيد صحة ما ذهبت اليه، من ان الحاضر في كل زمان هو ما يرى أسوأ من ماضيه .
 كيف كان وكيف ذهب زمان المجد والبطولات ( هذا ما يردده كل من يحيا في الحاضر ) .
ختاما اقول اننا بخير، وان حاضرنا حسب اعتقادي الشخصي هو أسمى من ماضينا .
كفاكم تباكيا وتحسرا على ايام زمان . وانا لا اقول هذا من باب المدح والاشادة ، ولكن التطور العلمي والحضاري الذي بلغناه كما بلغه العالم ككل ، هو الذي يجعل من البديهي ان يكون الحاضر دوما متقدم على الماضي ، بل وافضل منه وأسمى .
مع تحياتي الخالصة للجميع .



جمال جرجيس لاسو / القوش
12 / 9 / 2006