نحو الذكرى العاشرة لرحيل المناضل توما توماس
(9)
نبيل يونس دمان
مقدمة : لدي الكثير من الذكريات والصور والاوراق للراحل الخالد ، كلما سنحت الظروف انشر بعضها ، يراودني امل جمعها وتوثيقها يوما ما ، وبالتنسيق مع اولاده الطيبين . اود الان نشر صفحات مختارة من كتابي الموسوم ( القوش حصن نينوى المنيع ) الذي ينتظر الطبع .
صدام مسلح في " خووشا " *
بتاريخ 28- 7- 1969 وردت اخبارية للسلطة بان توما توماس متواجد في البلدة ، وهي تسعى على الدوام للقبض عليه لدوره المعروف في التصدي لظلمها وقمعها . ولهذا جهزت حملة عسكرية كبيرة تحركت ليلا ً ، حتى بلغت وادي الكنود ( لَندِه) الذي يبعد حوالي 12 كم جنوب القوش . ترك العسكر عرباتهم وتقدموا مشيا ً على الاقدام بحيطة وسرية نحو البلدة ، ومن طرف الجبل تقدم عدد كبير من المرتزقة ( الجحوش ) من ناحية مدينة دهوك ، وبذلك طوقت البلدة من كل جهاتها في خطة محكمة لاعتقال او قتل الثائر توما توماس .
يعرف العديد من اهالي القوش قصة الاتصال التلفوني المشبوه من بريد البلدة ، والذي كان العامل الرئيسي في تجهيز تلك الحملة ، ادرك عمال البريد فحوى الاتصال ، فلم يقفوا متفرجين للكارثة المحدقة بإبن بلدتهم ، فدفعهم ضميرهم الحي الى ارسال خبر له ينبهه بالخطر. كان الوقت يشير الى انتصاف الليل ، عندما عاد ابنه جوزيف من حفلة زواج كوريال بلو التي اختتمت بدون اية مشاكل .
فكر ابو جوزيف بالمسألة من كل جوانبها ، ربما تباطأ بعض الشيء في التهيؤ والاستعداد ، كما ارسل في طلب رجاله المعتمدين في المواقف الصعبة ، وحضر منهم حبيب يوسف (چيچو) فيما تاخر الباقون عن الوصول ، اوشك الفجر ان يرسل خيوطه الاولى عندما همّ بمغادرة المنزل برفقة حبيب. عزّ على زوجته ( ألماص ) ذلك الفراق الاضطراري ، واكتشف ابو جوزيف القلق الذي يساورها فقال لها " اذا تجاوزنا الخطر ، فالاشارة تأتي من مسدسي ! " ، ولم يمض وقت طويل حتى سمعت زوجته اطلاقات مسدسه ، فاطمئن قلبها وطمأنت اولادها ، فأزداد حبها له واعجابها به وهو ينجوا من طوق حصار محكم .
لقد خاض توما ورجله الشجاع حبيب معركة لفك الحصار ضد مئات الرماة مكبديهم خسائر فادحة ، فعندما يتخذ احدهم وضعا قتاليا ، يغطي على انتقال رفيقه مسافة الى الامام ، وهكذا يفعل الثاني حتى وصلا الوادي الاول عند اطراف محلة سينا ، ثم واصلا طريقهما على امتداد الوادي شمالا ً حتى الجبل ، وقبل بلوغ قمته اكتشفوا وجود اعداد من المرتزقة ( الجحوش ) في طريقهما الى المقر في قرية ( پيرموس ) ، وهكذا عادوا بسرعة وساروا في عرض الجبل حتى بلغوا كهفا ً فاستقروا فيه متخذين قرار القتال من هناك حتى النهاية ، ولكن لم يلحق بهم احدا .
صبري الياس دكالي ، مقاتل شجاع وشاب وسيم في التاسعة عشر من عمره ، ترك وحدته العسكرية حديثا ليلتحق بقوات الانصار ، في تلك الليلة ايضا خرج بسلاحه النصف آلي ( سيمنوف ) ، ولكنه تأخر في اللحاق بأبي جوزيف ورفيقه . فتقدم نحو الوادي الذي وصله قبله رفيقيه ، ولكونه وحيداً ، تزاحم عليه الاعداء ، واتخذ من صخرة صغيرة متراسا ً له وقاتل قتالا اذهل العدو بخفة حركته ودقة اصاباته على الرغم من الاصابات في جسده ، حتى استشهد.
اخذت جثته الى مفرق القوش وابلغ قائد الفرقة في الموصل بان القتيل هو توما توماس ، فقدم على الفور بطائرة مروحية ، وشاهد القتيل امامه ، فقارن شكله مع صورة لتوما توماس كان يحملها معه ، ونظرا للشكوك التي ساورته ، بعث في طلب احد كهنة القوش ، وعند وصول الاخير طرح عليه استفسار" ان كان هذا هو توما توماس" ، فنظر القس الى القتيل ثم الى القائد وهو يبتسم ويقول " هذا ليس توما توماس ، بل شاب صغير في العمر " فاغاظ ذلك القائد العسكري وتفوه بكلام غير لائق ، ثم غادر بعد ان امر بربط الجثة خلف سيارة عسكرية لتسحل في شوارع البلدة الصابرة ، وعندما انتهوا من ذلك العمل المتوحش ، رموا بالجثة في الساحة المقابلة لمار قرداغ ، وبجانبها رميت جثة اخرى لعاثر حظ من الطائفة الايزيدية قتل في نفس اليوم في اطراف البلدة .
عصر ذلك اليوم وبعد انسحاب العسكر من البلدة ، اندفعت مجموعة من الشباب لنقل الشهيد الى منزله ، وسيارات الجيش لازالت على طريق الموصل ، في تلك الاثناء عادت احدى السيارات بسرعة فتخلى الشباب عن الجثة وانسحبوا الى مكان ابعد ، ولكن السيارة اتجهت نحو مبنى البريد واعتقلت كل العاملين فيه ، ورجعت الى الرتل المنسحب . تقدم الشباب مرة اخرى واذا بخبر يصل من مركز القوش بترك الجثة في محلها لتتولى البلدية امر دفنها ، هنا ثار الفلاح كيكا شهارا ( آغاته ) وهو يستعير غضبا ً ويصب لعناته على الحكومة وعلى مطاياها ، فيؤجج ذلك حماس الشباب ، ويامرهم فورا بحمل الجثة ، ويتم له ما اراد ، و يسير الموكب الجنائزي الى بيت الشهيد ، وفي الطريق انظم العشرات اليه ، حتى بلغ داره التي خرجت والدته لتستقبله بالهلاهل وتقول " اليوم زفافك يا ولدي " ! فترد النسوة بالبكاء والنحيب .
بعد ذلك وصل توما توماس الى البيت ليستطلع الوضع ، ويسمع باستشهاد رجله الشجاع ، فيذهب الى بيت الشهيد ليلقي عليه نظرة الوداع ، ثم يتجه برفقة رجاله الى سوق القوش وهو في بالغ التأثر . يقال عندما ظهر في سوق البلدة ، ابرقت السلطة المحلية بذلك ، فيأت الجواب من القوة المنسحبة في الطرف الجنوبي ، بانها لا تنوي الرجوع اليه وانها عاجزة عن قهره .
ظهر لاحقا ً بان المرتزقة الجبناء ، اقتحموا في ذلك اليوم مبنى دير السيدة المقدس ، فدنسوا حرمته كعادتهم ، واطلقوا رصاصة على طباخ الدير فأردوه قتيلا ً ، رحم الله المسكين الأعزل ( دنو تسقپنايا) الذي قتل لا لذنب ارتكبه ، بل لحقد وجبن ازلام السلطة ، ولاخفاء اخفاقهم في النيل من ابن البلدة توما توماس .
* خووشا : وادي واسع في صدر جبل القوش ، مقابل محلة سينا .[/b][/size][/font]