محاولة للاقتراب من جمرة النص
قراءة في شعر شاكر سيفو
مثنى كاظم صادق لعل شعراء الحداثة ـ بحسب سوزان برنار ـ سيحاولون الإفادة على نحو أفضل من الذين سبقوهم من كل الوسائل الصوتية ، والإيقاعية للغة ؛ بل وحتى الموضوعاتية، ومن هنا نجح الشاعر المبدع شاكر مجيد سيفو من هذه الإفادة ، وهذا ليس بغريب على شاعر مثله ، متمكن أمكن من المجرة الشعرية ، حيث استطاع بحق أن يحول آلام دمائنا القرمزية إلى كلمات !! . هذه محاولة للاقتراب من جمرة النص الشعري ، للشاعر شاكر سيفو، وتطمح أن تكون قراءة في مجموعته (( اليوم الثامن من أيام آدم ))(1) فهي تراتيل شعرية ، أقول تراتيل ؛ لأن الشاعر قد شيد ديوانه الشعري هذا ، بمعمارية إيقاعية ، ودلالية ، بتقنية فنية متقدمة ( جداً ) وأضعها بين قوسين ؛ لأن التنوعات الإيقاعية ، والدلالية المبثوثة في جسد نصوصه ، لها مؤثرات نفسية على المتلقي ، من خلال تحشيد العواطف ، بتتابع الأصوات وتقفيتها ؛ بيد أن الشاعر شاكر سيفو يحرص كل الحرص ـ لضرورة وجدانية ـ على إظهارها . جاء العنوان ( اليوم الثامن من أيام آدم ) جملة طويلة حقق ـ العنوان ـ إغراءه في جذب المتلقي ، حيث إنه يوحي بمحمول ميثلوجي ، يمثل علة الخلق في الكتب السماوية ، فاليوم السابع للخالق ، واليوم الثامن ، جعله الشاعر لآدم !! ، فالعنوان متكون من بنية ظرفية حدثية ( اليوم ) وعددية ( الثامن ) وهذا العدد ، عدد قلق ، مغترب ذاتاً عن عدد أيام الأسبوع ( السبعة ) وكأن الشاعر يريد أن يجر آدم إلى اغتراب ذاته / يومه ، بدلالة ( من ) التبعيضية التي أقفلت الجزء الأخير من العنوان ( من أيام آدم ) فأصبح ( اليوم الثامن ) بعضاً من ( كل / سبعة ) لكنه افترق عنها ، بالفصل والتعيين ؛ ذلك لأن العنوان لم يكن ( اليوم الثامن لآدم ) فثمة فرق بين التعبيرين ، فالعنوان بحسب ما اعتقد ، وجهة نظر تعبر عن موقف الشاعر من المعنون ذاته ، ظاهراً ، وباطناً ، فـ ( آدم ) رمز النشأة والبداية ، وهو دال أسلوبي ؛ لتضايف الزمان العددي ( اليوم الثامن ) مع ( آدم ) المغترب ، روحياً حتى بعدد أيام أسبوعه (الثمانية ) !! . يستهل الشاعر تراتيله الشعرية بقصيدة ( دعاء قبل النوم ) ويبدأها بالنداء الطويل أو قل الصراخ الطويل (( ياااااااااااااااااااااااااااا عيسى الحي / هل يكفي أن أكتب بلغة القلب / ومداد العين وفتوة السنديان / وروح القربان ؟ )) ص 7 فالنداء وتكرار الألف بهذا العدد الكثير، يوحي برفع الصوت ، مع التذمر، والهروب باتجاه الذات المقدسة ؛ لأن الشاعر / المغترب روحياً ، تحيط به منغصات الحياة ؛ فينقلنا شعوريا معه ، بتوظيف النداء إلى بنية التساؤلات ، لهذه الذات القدسية ، بأداة الاستفهام ( هل ) التصديقية الإجابة ، التي توحي عند إتمام الدعاء الذي قبل النوم ، أنك ستقرأ الحزن / الرثاء بالأوراق الآتية ، وفعلا شكل الحزن / الرثاء نواة التكوين الشعري للمجموعة ، فضلا عن أن بنية النداء جاءت محملة بطاقات دلالية ، ولاسيما أن النص يضع خطوته البكر بالنداء الذي شكل وظيفة إيقونية ، تفضي إلى استمرارية في الاتصال مع المنادى ، وهو من هو ، إنه المسيح المقدس ، بعد ذلك يستهل الشاعر قصيدته الطويلة ، الممتدة على طول المجموعة ، والموسومة بـ ( الحمد لك سيدتي ) أقول يستهل بهذا المقطع (( يا سيدة النجاة والناجين ، والنجوى ، والنجب ، والنور ، و النوارس و الناردين ، والنارنج ، والنوح ، والنوى والنوء ، والنوستالجيا البغدادية ، والنحل ، والنحيب ، و النايات ، والنأي ، و النراجس ، والندى والنار ، والنسيم ، والنواميس ، والنواقيس )) ص 8 فثمة قصدية بتكرار حرف / صوت النون وإيجاد قيمة صوتية لجرسه المتتابع لـ (25) مرة ، فأعطى شكلاً لافتاً من التكرار ، فلحرف النون ، أنين وحسرة ، ارتفعت درجته التوقيعية ، بتكراره و الإلحاح عليه ؛ مما أعطى كثافة للذروة العاطفية ، بالتقفية الداخلية لهذا الصوت ، حيث دلالة الحزن المتعملق ، الذي لا يعرف سوى التضخم ، كلما تتابع صوت النون، وأن الشاعر، قد أجاد حسن الاختيار لهذا الشكل التركيبي المؤثر من خلال تقويل الحرف المكرر. إن تكرار حرف النون ( 25 ) مرة في كلمات دلت على الانبثاق والخروج من الأشياء ، قد أوحى بالانفعالات المكبوتة ، ذات التأوهات النفسية ، التي توحي بالأنين والشجن ؛ لأن الإنسان المتألم ، غالبا ما يستعين بالتعبير ، عن ألمه ونحيبه ، بأصوات تخرج من الأنف كالنون مثلاً. ومن شحنات الصوت الواردة عندما يخاطب الشاعر السيد المسيح قائلاً له : (( أعطني ممحاتك / كي أمحو الموت من تقاسيم الحياة / أو ـ في الأقل ـ كي أمحو ميم الموت منها / وأضمها إلى تاء الحياة / التاء تمر وتين وتوت وزيتون وتعب / تعفنت رئات البلاد في قاصات الحكومة / تف على كل ........ !!!!!!!!! / تف على كل الحروب !!!!! )) ص 26 إذ أعطى صوت التاء دينامية السرعة للنص ؛ لأنه صوت سريع الانطلاق من الشفة ، وتتصاعد السرعة ، بذروة تذمره ، واضطرابه ؛ ليصل إلى البصق على ....... !!!!! ثم البصق على الحروب ، ولعل لعبة الحروف في شعر شاكر سيفو ، قد شكلت جزءاً مهماً من خبايا الشاعر ، وربما هي شظاياه الصوفية المبثوثة في جسدية قصيدته ، ضمن مكابداته ؛ ليخلق بها أسطورته الخاصة. كما حظي شعره بالاندماج في بنى الإسناد من خلال فقدان الأسماء لخصائصها مثل قوله : (( نحن لنا بغدااااااااااااااااااه )) ص 39 فقد غاير المألوف ؛ بحذف حرف ( الدال ) الثانية في كلمة بغداد ، واستبدالها بحرف ( الهاء ) فأصبح الجزء الثاني ( آه ) فأعطى الاسم مسنداً لسانياً متأوهاً على ذاته بشكل طويل حتى أن (( آهاتها توصل أعمدة ذكورة آسيا بفروج أوربا )) ص 39 ومن فقدان خصائص الاسم قوله : (( بغداد الجديدة لم تعد جديدة )) ص 12 لكن الشاعر، الذي يؤمن بأن (( الابتسامة نصف الترتيل )) ص 11 يجعلنا ننعتق من هذا العالم إلى عالم صوفي حزين معاصر ، وربما هو الهاجس المركزي للشاعر؛ لأننا نتلمس في شعره صوفية حزينة معاصرة من خلال لغته الإشراقية ، التي عزف عليها ، حيث أجاد الشاعر كل الإجادة في توجيه مسار النص الشعري الذي شيده إلى مقترحات قرائية متعددة كانت هذه إحداها .
(1) اليوم الثامن من أيام آدم / شعر شاكر مجيد سيفو/ تموز للطباعة والنشر