الصنعة الروائية وإيقاع الموروث
د. محمد صابر عبيدتتمظهر الرواية الحديثة عادةً باستظهار خصيصتين مركزيتين هما الصنعة الروائية واللغة الروائية، وهما أهم وأبرز عناصر التشكيل الحداثي للرواية، على الرغم من أنّ رواية ما بعد الحداثة غامرت بتجاوز هاتين الخصيصتين واشتغلت على تهشيم الصنعة الرواية وإغفال الالتزام باللغة الروائية ذات النزعة التقاليدية والتماسك العالي، على النحو الذي يستجيب للصنعة ومقتضياتها الفنية والجمالية والتعبيرية والسيميائية .
رواية "في انتظار فرج الله القهّار"(1) للقاص والروائي سعدي المالح تندرج في سياق الرواية الحداثية التي تعتني كثيراً بالصنعة والإنصات لإيقاع الموروث، وتنفتح على شبكة تقانات تنطوي على لعب واسع وكثيف تكشف عن مهارة الروائي ومعرفته ورؤيته، وتحيل على تجربة ثرّة في العيش والاطلاع والتنوّع في المعرفة والحساسية والتداول والفهم، وتقدّم الفكرة في سرد رطب يدمجها في رطوبته فتتخلّى عن الكثير من جفافها ومنطقيتها، وهو ما يجعل السرد الروائي متماسكاً لا يشكو من أيّة خلخلة أو اهتزاز أو تفريط .
عتبات الكتابة الروائية: تنفتح عتبات الكتابة الروائية على طبقات كثيرة تحددها طبيعة الرواية وكيفيتها ومنهجها في التعبير والتشكيل، فإذا كانت عتبة العنوان هي عتبة أصيلة تشترك فيها كلّ الأعمال الروائية فإن عتبة الإهداء، وعتبة التقديم، وعتبة التصدير، وعتبة الإشارات والتنبيهات، وعتبة كلمة الناشر، قد تأتي في رواية وقد لا تأتي في رواية أخرى، على النحو الذي تكون فيه معالجة موضوع العتبات في النصّ الأدبي عموماً انتقائياً دائماً.
أما عتبتيّ الاستهلال والإقفال فعلى الرغم من أنّ أيّة رواية لها بداية ولها نهاية حتماً، إلاّ أن ثمة روائياً يُعنى عناية بالغة بهما بحيث تتكوّن عتبة استهلال وعتبة إقفال في روايته تصلحان للقراءة العتباتية، وثمّة روائيّ آخر لا يعنى بهما العناية الإجرائية اللازمة، إذ لا يعرف أهميتهما على النحو الذي تتكوّنا بوصفهما عتبتي كتابة روائية لا يمكن العبور من فوقهما بسهولة، وبهذا يمكن أن تكون عتبة الاستهلال أو عتبة الإقفال ماثلة أمام شهوة القراءة أو لا، وذلك بحسب قدرة الروائي نفسه على فهم وظيفتيهما.
تنهض عتبة العنوان في الرواية "في انتظار فرج الله القهّار" على تناول ثيمة ذات طابع ديني وأسطوري وتاريخي مشترك ومتداخل، تتمركز هذه الثيمة في فعالية الانتظار الإنقاذي الذي عاشت عليه شعوب كثيرة منذ فجر التاريخ، وظلّ فاعلاً في الثقافة الدينية والأسطورية حتى وقتنا الراهن بوصفه فعالية انتظارية مخلّصة، وربما ستبقى طالما بقي إنسان حيّ في الوجود لأنها انتظارية متأصلة في الضمير والوجدان والذاكرة والحم الإنساني، على نحو يستحيل تجاوزه أو التلاعب ببطانته ذات الطبيعة المقدّسة .
وربما يكون اختيار هذا العنوان عند الروائي ينطوي على لعبة إثارة تداولية مثيرة للخلاف بين الفئات المنتظرة على اختلاف مشاربها وقناعاتها ومرجعياتها، وتتصل لعبة العنونة على نحو ما بمسرحية بيكيت "بانتظار غودو"، مع وجود فارق جوهري في فلسفة الفكرة وقيمتها، إذ إن غودو هو الذي يأتي ولا يأتي، في حين إنّ (فرج الله القهار) باسمه الروائي الذي يحظى بأسماء أخرى في الواقع هو الذي سيأتي حتماً في قناعة وضمير أصحابه كلّهم، بصرف النظر عن اختلافاتهم وتنوع اتجاهاتهم وتاريخية فكرتهم .
وعلى هذا الأساس تكون عتبة العنونة عتبة إشكالية ومثيرة قد أدّت وظائفها الفنية والتداولية على نحو مهم، وهو ما يحيل على وعي فني عالٍ في التعامل مع عتبات الكتابة الروائية وطبقاتها وعناصر عملها وتقاناتها وآلياتها .
عتبة الإهداء هي الأخرى عتبة مركزية مهمة من عتبات الكتابة الروائية، وهي تأتي على نوعين بحسب تقسيمات جيرار جينيت، إهداء الكتاب الذي يكون جزء من صفحات العمل قبل نشره، وإهداء النسخة التي يسجّل عليها المؤلف عبارات إهدائية يمنح بموجبها النسخ بعد صدورها إلى أصدقائه وقرّائه، ولكلّ نوع أهميته وستراتيجيته ولونه وطبيعته، على النحو الذي يخضع كل من الإهدائين لقراءة مختلفة عن الآخر.
سنتناول في هذه الرواية الإهداء العام الذي هو إهداء الكتاب ونصّه: (إلى العراق أرضاً وشعباً وتاريخاً)، وبالرغم مما يبدو على هذا الإهداء من مباشرة وعمومية إلا أنه صُمّم بطريقة تسعى إلى إيهام القارئ المتعجّل غير الخبير بهذه المباشرة والعمومية، لكنه يختزن في بطانته قيمة أوسع ومعنى أعمق يتصلان بأطروحة الرواية الفكرية .
المطلع الإهدائي (إلى العراق) شامل في عموميته وهو يحيل أول ما يحيل على حسّ وطني تقليدي، لكنه يشير إلى أن صاحب الإهداء على نحو ما بعيد عن بلده (العراق) لذا فإن هذا الإهداء هو نوع من التعويض عن البعد عن البلد والشوق إليه، غير أن التفصيل الذي سيأتي فيما بعد هو الذي يفتح الإهداء على أبعاده الرمزية التي يتحرك فيها على أكثر من طبقة، ويتجّه إلى أكثر من هدف، داخل إطار فضاء (العراق) .
الدال المنصوب أولاً (أرضاً) يحيل على المساحة المكانية ذات الطبيعة الإيديولوجية المتجذّرة في الذاكرة والحلم والروح والوجدان، إنها إذاً أرض العراق التي تتمتّع بسمعة جغرافية عالية فاتحة لشهية الغزاة، وهي أرض السواد لشدّة خصبها وقد عرفت الحضارة منذ سبعة آلاف سنة، وهي أرض النبوءات والأحلام والديانات، وهي أرض الغزوات والدماء والقهر، مثلما هي أرض الحكمة والشعر والحكاية والقوانين، لقد جاءت (أرضاً) محمّلة بكلّ هذا الإرث الإشكالي الغزير الذي لا يتوقّف عند حدّ مطلقاً .
الدال المنصوب ثانياً (وشعباً) تحيل على مطلق الشعب العراقي بكلّ أطيافه وألوانه وانحداراته، وهي بلا شك متعددة ومتنوعة تصل إلى حدّ وصفه بشعوب وليس شعباً واحداً، وقد تعايشت هذه الشعوب/الشعب على مرّ العصور بطريقة عالية من التسامح وقبول الآخر بفكر تعددي قلّ مثيله، على النحو الذي يستحق هذا الإهداء وهو جدير به حتماً، ومن يقرأ الرواية يعرف بأن مفصل الإهداء هنا يصل إلى هذه الحدود ويتوغل في هذه الطبقات، ولا يتوقف عند حافة القراءة السطحية المباشرة له .
أما الدال المنصوب (تاريخاً) فهو المفصل الجامع للمفصلين السابقين والحاوي للمعاني التي تترشّح عبرهما، فتاريخ هذه الأرض وتاريخ هذا الشعب الذي يمتدّ إلى سبعة آلاف سنة في أعماق الزمن لا بدّ وأنه مشحون بالمعنى والقيمة والدلالة والعلامة والفكرة والفلسفة، على النحو الذي تتحوّل فيه مفصلية الإهداء هنا إلى عرس احتفالي يعيد إنتاج هذا التاريخ بكل إنجازاته الباهرة وحضاراته الثرية ونكوصاته الدموية .
من هنا يتحوّل الإهداء إلى فضاء شامل وحاوٍ وعميق وشاسع، يجمع الأرض والشعب والتاريخ بكل امتداداتها وطبقاتها وظلالها ومفاصلها وثوابتها ومتغيراتها في سلّة واحدة اسمها الكبير (العراق)، لا يستطيع أحد أن يدّعيه، أو يمتلكه، أو يستعمره، أو يحتكره، أو يُلغي جزءاً منه مهما بلغ من قوة وسطوة وهيمنة، فهو دائماً للجميع، ومن هنا تأتي براعة الإيهام في بساطة الإهداء وعفويته، وهو يحمل كل هذا الغنى والخصب الدلالي والمعنوي .
لعتبة الاستهلال في الرواية أهمية استثنائية في تقديم شخصية (العجوز) تقديماً كثيفاً يُفصح عن حضورها القويّ في فضاء السرد منذ أول صفحة من صفحاتها، ويعكس هذا الحضور الاستهلالي قيمة سيميائية تعبّر عن طبقة أصيلة من طبقات السرد في الرواية، ليس على صعيد شخصية العجوز بغطائه الإنساني حسب بل حتى على صعيد المكان والزمن وحساسية الحادثة الروائية التي تكمن في مشهد الاستهلال:
أصرّت العجوز المريضة على مرافقة ابنتيها إلى الكنيسة لحضور القدّاس الاحتفالي بعيد الفصح، ولم تجدِ نفعاً توسلاتها في أن تتراجع عن مطلبها وتصلّي في هذا العيد أيضاً في البيت، كعادتها منذ سنوات طويلة، منذ أن تسلّلت آلام الروماتزم إلى مفاصلها وأقعدتها. فرضخت ابنتاها لرغبتها وقررتا نقلها بالسيارة إلى الكنيسة الجديدة المشيّدة في السنوات الأخيرة التي لم يتسنّ لها رؤيتها بعد. إلا أنّ رأس العجوز كانت يابسة إلى درجة أنها رفضت أيضاً هذا الاقتراح، وأصرّت على أن يمسكانها من ذراعيها ويساعدنها على المشي على قدميها إلى الكنيسة القديمة التي اعتادت الصلاة فيها طوال حياتها. حجّتها الوحيدة كانت أنّ صوتاً هتف لها وأمرها أن تذهب إلى هذه الكنيسة بالذات . (1) المشهد الاستهلالي مشهد بالغ التركيز والتكثيف على المستوى السردي الحكائي، فهو أشبه بقصّة قصيرة جداً شبه كاملة، ويعبّر المشهد عن قدرة الروائي على تشغيل حساسيته القصصية بوصفه قاصاً أيضاً داخل فضاء الرواية، إذ إنّ إصرار العجوز التمرّدي على مخالفة عاداتها في الصلاة في البيت منذ سنوات، وعلى الذهاب إلى الكنيسة القديمة مشياً على الأقدام، كان مدفوعاً بحجة وحيدة تتلخّص في (أنّ صوتاً هتف لها وأمرها أن تذهب إلى هذه الكنيسة بالذات)، وهي حجّة لعجوز مثلها لا أمل لها في الحياة تبدو مقبولة في سياق فتح كوّة جديدة للتغيير ودحر الرتابة التي أقعدتها في منزلها كلّ هذه السنين، فضلاً على تقديم روحية جديدة لعلامة التمرّد يقترحها الراوي منذ مطلع التشكيل السردي للرواية.
تتلاءم على نحو ما عتبة الاستهلال مع عتبة الإقفال التي تفتح نهاية الرواية على أفق واسع لا ينتهي، وكأن علامة التمرّد التي أشعلها الراوي في مطلع الرواية ظلّ فاعلاً حيث انتهى إلى لانهاية تعبيراً عن حلم الانتظار، الذي تطرحه مقولة الرواية في انتظار فرج الله القهار الذي ينتظره الجميع بإيمان راسخ:
(ليس ثمة من نهاية ..
انتهت . ) (2)
وتحكي هذه النهاية الموجزة في تشكيل عتبة الإقفال قصة الحراك الدائري المستمرّ بلا توقّف ولا مهادنة، إذ "ما زالت الوقائع المعاصرة والأحداث التاريخية والأساطير مستمرّة ولن تتوقف، هي عبارة عن حلقات متشابهة وكأنها منسوخة ومحكومة بتكرارها، انتهت الرواية وليس ثمة من نهاية، إنها مفتوحة لنا وعلينا وحتماً سيكون المتلقي وسيطاً أو مساهماً وهذا أمر حتمي، لكنها انتهت، حتى تبدأ من جديد لحظات ابتداء المتلقي بالسرد الآن أو في المستقبل"(3)، حيث تكتسب مقولة الرواية هنا بعداً دينامياً متحركاً يصل الحكاية بالراهن، والسرد الروائي بالحياة، والمتخيّل بالواقعي .
العتبة الأخيرة اللافتة للانتباه هي عتبة (كلمة الناشر) التي احتلّت صفحة الغلاف الخارجي الخلفي من الرواية، وسعت إلى وضع توصيف معيّن ومحدد للرواية، وعلى الرغم من أنّ مثل هذا التوصيف من الناشر يحيل على مناسبة تسويقية وترويجية لهدف تجاري من أجل تحقيق نسبة بيع كبيرة للكتاب، إلا أن التوصيف جاء مركّزاً ومعبّراً عن فهم جيد لمقولة الرواية الفنية والموضوعية ويمكن أن يأخذ بيد القارئ لتلقٍ أفضل:
تختطّ هذه الرواية شكلاً فنياً خالصاً بها هو أقرب إلى نصّ مفتوح في قالب فنّي مشوّق يعتمد على مجموعة استذكارات تنبثق تأثراً بنغمات موسيقى كلاسيكية وتؤسس عليها لشحذ الخيال. وتوظّف بجرأة نادرة المجازر التي تعرّضت لها مجموعات عرقية ودينية في العراق الحديث ابتداءً من الآشوريين ومروراً بالأكراد والشيعة وغيرهم، وهي أحداث لم تتطرّق إليها الرواية العراقية للآن. تتحرّك الأحداث في زمن غير محدّد، يتغيّر بشكل فجائي بين عهود مختلفة يبدأ من سنة ألفين ليدخل في عمق الماضي سبعة آلاف سنة مستحضراً وقائع من تاريخ العراق القديم وأساطير بلاد ما بين النهرين وقصصاً دينية مختلفة. كلّ ذلك بلغة شاعرية مشحونة بالصور المعبّرة، ومن خلال جهد تجريبي جادّ يستحق القراءة المعمّقة.(4) وبهذا تكون عتبات الكتابة الروائية في هذه الرواية قد حققت وظيفتها في الإحاطة بالمتن الروائي وتعزيز رؤيته وتأكيد مقولته، فضلاً على وظيفتها التشكيلية والعمارية في الإسهام الفني والجمالي في تشييد الخطاب الروائي .
مظاهر الصنعة الروائية: تتشكّل مظاهر الصنعة الروائية أساساً من الكيفية التي تعمل فيها عناصر التشكيل الروائي لتشييد العمل الروائي، وهي كيفية تعتمد على كفاءة الأدوات، وخصب المخيلة الروائية، ومعرفة طبقات البنية السردية في الرواية على المستويات كافة، وإدراك الحساسية السردية التي تتفق وطبيعة التجربة الروائية التي تحملها الرواية، والانطلاق من التجربة الروائية للروائي أولاً، والتجربة الروائية العربية والعالمية عموماً، على صعيد ما تحقق منها من إنجازات يمكن استيعابها قدر المستطاع كي تكون تجربة الكتابة جديدة وليست مستنسخة أو مقلّدِة على أيّ نحو من الأنحاء، من أجل أن يدرك الروائي أن ما لديه يستحق فعلاً خوض غمار كتابة رواية جديدة بوسعها أن تضيف لتجربته الخاصة وللتجربة الروائية العامة، ضمن حدود رؤيتها وطريقتها النوعية في الكتابة واستخدام التقانات والآليات وأدوات العمل .
عنصر الشخصيات يعدّ من العناصر المركزية الرئيسة في العمل الروائي، ولا يصلح أن تكون رواية ناضجة وتفتقر إلى الشخصيات بأيّ شكل من الأشكال، لأنها عنصر أصيل لا يمكن إغفاله أو الاستعاضة عنه أو تعويضه، بصرف النظر عن طبيعة هذه الشخصيات وأنواعها وأنماطها وطرق تقديمها في ميدان العرض السردي .
ربما نلاحظ في هذه الرواية على نحو ما علاقة الشخصية الراوي (الراوي كليّ العلم) بالمؤلّف، وذلك برصد شبكة من القرائن التي بوسعها أن تحيل على حساسية هذا الاقتران وسيرذاتيته في التشكيل الروائي، ويمكننا الذهاب فوراً إلى التعريف الخاص بشخصية سعدي المالح الإبداعية والسيرذاتية
(سعدي المالح كاتب وصحفي ومترجم من العراق، ترجم اثنتي عشرة رواية ومسرحية ومجموعة قصصية ومئات من القصائد عن الروسيّة، ترجم عشرات القصائد لعدد من الشعراء الكرد المعاصرين إلى العربية، نشر العديد من الدراسات التاريخية المتخصصة في تاريخ العراق)(5)، وهو تعريف شامل يتيح لنا معرفة الكثير من المعلومات التي إذا ما قارنّاها بشخصية الراوي سنجد العديد من نقاط التلاقي والتطابق، على النحو الذي يساعدنا في تقريبها من بعض وقراءة الشخصية على هذا الأساس، وفهم الكثير من مواقف السرد استناداً إلى حيثيات هذه المعلومة الميثاقية .
يمكن النظر إلى هذا الميثاق السيرذاتي على أنّ الشخصية الرئيسة في الرواية، أو الراوي نفسه، على صلة ما بالكاتب سعدي المالح، غير أن الراوي أو الشخصية الرئيسة لا تعبّر بوثائقية صرف عن ذلك، فعنصر التخييل الروائي يؤدي دوراً واضحاً وجلياً في صوغ التجربة الروائية وتعميق عناصرها ومستوياتها، وثمة تداخل كتابي عالي المستوى بين الواقعي والتخييلي على النحو الذي يضفي قيمة كبيرة على العمل الروائي، ويمنحها بعداً تاريخياً فنياً يكتسب جمالياته بقدرته على تمثيل التاريخ تمثيلاً سردياً .
من مظاهر الصنعة في الرواية حرية اللعب بالأزمنة، إذ جاءت أزمنة الرواية على طبقات فيها مزاوجة بين أزمنة قديمة وأزمنة حديثة، على نحو اشتغلت فيه المرجعية الزمنية بأعلى مستوياتها، لكنها تحتشد كلّها في سياق خدمة الزمن الراهن، زمن الحكاية الأصل في الرواية حيث تتجلّى قوّة حضور الراوي العائد إلى زمنية المؤلّف .
اللعب بالأمكنة مظهر آخر من مظاهر هذه الصنعة، وقد ظهرت الأمكنة في الرواية على طبقات أيضاً، منها القديم ومنها الحديث، منها الشرقي ومنها الغربي، منها الريفي ومنها المديني، منها البارز ومنها المقنّع، في سياق متشابك ومتفاعل أحال كل هذه الأمكنة على مكان مشترك هو مكان الرواية المتجلّي والمنشطر والخاضع لإرادة الراوي .
جاء اللعب باللغة ليس على صعيد التشكيل الأسلوبي، بل على صعيد توظيفي، أظهر معرفة الراوي بمجموعة من اللغات حضرت كتابة بحروفها وتقاناتها الكتابية، الإنجليزية والروسية والكردية والسريانية، وأحال الروائي على ترجمتها إلى العربية (لغة الرواية) في الهامش، وكان لإيرادها بلغتها الأصلية رؤية ذات طبيعة معرفية وسردية تعمل على شحن الحكي بحساسية هذه اللغات حتى وإن جاءت مختصرة وهامشية .
لم تكتب رواية (في انتظار فرج الله القهار) برؤية أسلوبية واحدة، بل تنوّع الأسلوب فيها بحسب الزمن السردي والمكان السردي والشخصية السردية، وهذا إنما يعود إلى خبرة ومعرفة ووعي بالممارسة السردية التي تعرّف الكاتب بوقع الجملة السردية وفعلها ووقتها ومناسبتها، وهو ما ينعكس على طبيعة الصنعة الروائية في نموذجها الحداثي الأكاديمي .
وفي هذا الإطار سعت هذه الرواية إلى استثمار كل ما هو ممكن من تقانات الفنون الأخرى، التي عملت في سطح الرواية وفي أعماقها وعلى حدودها وفي مركزها، كلما كان ذلك ضرورياً ومناسباً ومفيداً، إذ تمظهرت فعاليات تشكيلية تفيد من تقانات فن الرسم، وتمظهرت فعاليات سينمائية تستعير عمل العدسة والكاميرا والإخراج والمونتاج وغيرها، فضلاً على توظيف طاقات الموسيقى عبر أكثر من مستوى بعد أن حضرت الموسيقى تاريخياً وأدائياً وتحريضياً في الكثير من مشاهد الرواية، ومدّت الرواية يدها على نحو ما إلى منطقة الشعر فأخذت منه ما هو ممكن لدعم صيرورة اللغة الروائية في متنها السردي .
الراوي ومنتجة المشاهد الروائية: رواية "في انتظار فرج الله القهّار" ليست رواية نسقية على صعيد تشكيلها الفني والبنائي، وتقوم على آليّة اللعب المتناوب بعناصر التشكيل وتبادل الأدوار المنتجة بينها على نحو ما، إذ "تكمن أهمية هذه الرواية بتنوّع وحداتها المروية أو اللعب على تشظّي الشخصية. الراوي واحد وأحياناً يتقاسم السرد مع العازفة أو النادلة وكلّهم توزعوا على مساحة جغرافية واسعة، وتشظّي الزمن السردي وزمن الوقائع، لكنهما معاً يتوحدان في الكشف عن الوقائع والمتخيّل واستعادة الذاكرة"(6)، وكلّها آليّات تشكيل تحيل على حِرَفية الكاتب ومعرفته بشؤون الكتابة الروائية وتقاليدها ومشكلاتها، وإدراكه لقيمة توظيف التجربة الذاتية والموضوعية في تشكيل الرواية وبناء مستوياتها، وهي خاصية مهمة قد تغيب عن الكثير من كتّاب الرواية حين لا يعون خطورة هذه العلاقة في بناء التجربة الروائية .
الرواية مؤلّفة من 12 مشهداً، يتمظهر أكثرها بأسلوبية درامية تتمسرح فيها المشاهد من جهة، وتتنمنج في سياق تشكيلي واحد يخضع لعدسات تصوير تفصيلية تسعى إلى التعمّق في باطنية المشهد وما ورائيته، ففي المقطع 7 من الرواية تتدخّل العازفة لتحاور الشخصية المركزية في الرواية بآلية مونتاجية ممسرحة:
ـ اصح يا رجل إنك تدمّر حياتك.
ـ الإحباط هو الذي دمّر حياتي.
ـ أنتم الرجال دائماً لكم أعذاركم.
ـ عندما تضيع الآمال العظيمة.
ـ لكن لا يزال هناك أمل كبير.
ـ لم يعد ثمة غير الإحباط الكبير.
ـ لكننا عشنا ألف سنة من الانبعاث العظيم.
ـ سنعيش ألف سنة من الإحباط العظيم، انتكاسة تلو أخرى، اللهم إلا إذا ولد لنا قيصر جديد، قيصر يرسم لنا الآمال مجدداً.
ـ أجل يا عزيزي نحن بحاجة إلى قيصر وليس شهريار!
قال:
ـ أنتم بحاجة إلى الاثنين معاً، أو الاثنين في واحد.
وافقته وقبل أن أنهي معزوفتي سألته:
ـ هل أعيد إليك شهرزادك؟
ـ كلّلا لقد اعتقتها.
ـ لكنّها لم تكمل ليلتها الواحدة بعد الألف.
ـ لا داعي لأن تكمل لقد أكملت أنت.
ـ أنا لست شهرزادك! أنا بجعة مسحورة بيضاء في بخيرة زرقاء أستجير من ساحر جميل وقعت في فخّه.
ـ سأنقذك وأمنحك الحرية والحنان.
ـ لا ينقذني إلا من أسرني بسحره، ذلك الذي حوّلني إلى بجعة بيضاء وأهداني مع تلك الاسطوانة الرائعة ذلك الأمل الوديع (7). يكشف هذا الحوار الثري عن حضور شبكة من المرجعيات التي اجتهد الروائي في منتجتها ضمن سياق التعبير عن رؤيتين متناقضتين، رؤية الشخصية المركزية ذات المرجعية الشرقية المرتبطة بألف ليلة وليلة، ورؤية العازفة ذات المرجعية الغربية المرتبطة باستثمار سِفر ألف ليلة وليله في موسيقاها، بوصفها مثالاً طريفاً يمكن التقاط فضائه لصوغ جمالي يعبّر عن قدرة الغربي على استثمار طاقة الشرقي .
لم يكن الحوار السرد ـ درامي الممنتج سياقياً على صعيد الفعل الروائي، بل كان حواراً يتجاوز الزمن والمكان لينفتح على التاريخي والحضاري، وكانت فعالية الراوي متبادلة بين الشخصية المركزية وشخصية العازفة، وكلّ منهما يقدّم رؤيته ويعكس فضاءه ويروّج لمقولته، وقد بدت شخصية العازفة أكثر تمكّناً في الإمساك بزمام المبادرة الحوارية والهيمنة على مقدّرات التشكيل الروائي في هذا المشهد.
المرجعية الدينية والأسطورية والتاريخية والثقافية: تشتغل رواية "في انتظار فرج الله القهّار" على شبكة متداخلة من المرجعيات المتنوعة وهي تنهض على خلط الرمزي بالوقائعي، المتخيّل بالواقعي، الذاتي بالموضوعي، والمنطقي بالأسطوري، إذ تتجلّى الفضاءات الأسطورية على نحو أصيل في مفاصل كثيرة من الرواية على النحو الذي لا تستطيع فيه "القراءة الخاصّة برواية في انتظار فرج الله القهّار عزل الأساطير والوقائع فيها عن حكايات حقيقية وأخرى متخيّلة حصلت قديماً وحديثاً في العراق، حتى تمظهرت الجغرافيا وكأنها مغسولة بالدم، والقتل والإبادة. وتآزرت هذه الأحداث والأساطير الكثيرة التي تتضمنها الرواية."(

، تآزراً سردياً حيّاً للوصول إلى حالة تعبير مثالية تعكس مدى تمثّل الروائي لحساسية هذا التشكيل في الفهم والتصوّر والتوظيف.
ويؤدي الميراث الشعبي دوراً بالغ الحضور والقيمة والأهمية في الاستجابة لكلّ هذه المرجعيات وتمثّلها، وذلك لأن من طبيعة هذا الموروث الشعبي اختزان الكثير من فضاءات هذه المرجعيات وتمثيلها في جوهر السرد الشعبي وطبيعته وخصوصياته، إذ إن الموروث الشعبي المتناقل جيلاً بعد جيل كما يرى سعدي المالح نفسه "هو نتاج الموروث اللاهوتي المتجذّر في الفكر الديني العراقي منذ آلاف السنين؛ منذ السومريين والبابليين والآشوريين، ومن هذا الفكر الديني القديم انطلقت المفاهيم اللاهوتية الأخرى في الديانات السماوية الثلاث؛ اليهودية والمسيحية والإسلامية، وانتظار المنقذ في جميعها هو واحد؛ سواء أ كان الموشياح أو المسيح أو المهدي فهو المنتظر- الذي ينهض من العالم السفلي في جميع الأساطير النهرينية مهما اختلف اسمه. ومن الطبيعي أن يمثل جميع الأطياف العراقية لأن العراق هو الأرض التي نبتت عليها هذه الفكرة أولا، وأصبحت موطنا لهذه الأديان التي نؤمن بها ثانيا. في الرواية سعيت لتتبع مسار هذه الفكرة من جذورها الأصلية وكيفية انتقالها إلى المعتقدات الدينية، ومن ثم دخولها في أذهان الناس وتصوراتهم."(9).
بمعنى أنّه يسعى إلى استثمار المرجعيات الدينية والأسطورية والثقافية وهي تحتشد في سياق واحد يمكن تمثيله سردياً، وهو يعبّر فكرياً عن وحدة هذه المرجعيات في هذه المنطقة حتى وإن اختلفت الروايات والتفسيرات والتوجيهات وطبيعة القيم عند كلّ جماعة، على النحو الذي يدفع الروائي في هذه الرواية إلى تبنّي فكرة الوحدة المرجعية والاشتغال عليها بوصفها ظهيراً دينياً وأسطورياً وثقافياً مشتركاً.
دخلنا السرداب، مشينا قليلاً في درب غير مبلّط أوصلنا إلى درج قديم، هبطنا سلّمه وصاحبي يتلو بصوت مسموع:
"السلام عليك يا داعي الله وراني آياته، السلام عليك يا باب الله وديّان دينه، السلام عليك يا خليفة الله وناصر حقّه، السلام عليك يا حجّة الله ودليل إرادته، السلام عليك يا تالي كتاب الله وترجمانه، السلام عليك يا بقية الله في أرضه، السلام عليك يا ميثاق الله الذي أخذه ووكده، السلام عليك يا وعد الله الذي ضمنه، السلام عليك يا...."
إلى أن وصلنا شباكاً من خشب الصاج، وباباً مفتوحاً أمامه مجموعة من الأحذية. نزعنا أحذيتنا واجتزنا الباب لنجد أنفسنا في ردهة صغيرة مفروشة بسجادة متواضعة تنيرها بضعة شموع في صدرها، وقفنا بخشوع مع الآخرين، كان عبد الحسين يقرأ الدعاء وعندما وصل إلى : "اللهم اكشف هذه الغمّة عن هذه الأمة بحضوره وعجّل لنا ظهوره، إنهم يرونه بعيداً ونحن نراه قريباً برحمتك يا أرحم الراحمين" ضرب بيده فخذه الأيمن ثلاث مرات وهو يقول: :العجلة العجلة يا مولاي يا صاحب الزمان، تراقص ضوء احد الشموع، ثم تقدّم نحوي ووقف أمامي فتبدّى منه وجه نورانيّ، شعرت برجفة تنتابني، وخوف يستقرّ في أعماقي في مواجهة رهبة الموقف، سألته: " من أنت؟؟" قال: "أنا فرج الله القهار" ثم ذاب في لهب الشمعة المتراقص، خرجنا من السرداب بسرعة وكلانا يرتجف.
سألته:
ـ ماذا أصابك؟
قال:
ـ ألم تر بنفسك!؟
وافترقنا، كل ذهب في طريقه.(10) هذا المقطع السردي المركز يكشف على نحو عميق وواضح عن فكرة الاشتراك المرجعي في تبنّي الحكاية، إذ تحيل شخصية (فرج الله القهار) ـ التي تعلن عتبة عنوان الرواية عن شيوع انتظاره والإيحاء بقرب عودته المنتظرة ـ على امتداد مساحة التاريخ الذي ينفتح على طبقات كثيرة ومتنوعة ومتداخلة في آنٍ .
(فرج الله القهار) ينتظره الجميع بوجهات نظر مختلفة، وسياقات مختلفة، وأسباب مختلفة، ومرجعيات مختلفة، لكن الجميع يتفق على وجوده وعلى قرب عودته على الرغم من أن سيناريو العودة يختلف من وجهة نظر إلى أخرى ومن سياق إلى آخر، ولعلّ الحوارية المركزة التي انتهى فيها هذا المقطع السردي يعبّر خير تعبير عن هذه الخصوصية (خرجنا من السرداب بسرعة/وكلانا يرتجف./سألته:/ـ ماذا أصابك/قال:/ـ ألم تر بنفسك!/،وافترقنا، كلّ ذهب في طريقه)، فنقطة اللقاء كانت الاتفاق على (فرج الله القهار) وبمجرد أن افترقا فإنهما عاد كلّ منهما إلى مكانه ومرجعيته وثقافته ورؤيته.
سردنة الموسيقى: حضرت الموسيقى في الرواية حضوراً لافتاً وغير عادي على أكثر من مستوى، وغذّت الفضاء الروائي بمعنى الموسيقى وحساسيتها وإيقاعها وثقافتها ورؤيتها على نحو غزير وحيوي ونشيط وفعّال، ولم يكن حضورها مقتصراً على الجانب الثقافي المعرفي الذي يكشف عن معرفة الراوي بالمدارس الموسيقية ومرجعياتها، بل استطاع أن يوظف هذا الحضور لخدمة الفضاء الروائي وشحنه بمنطق الموسيقى ورؤيتها وحساسيتها، إذ نجحت الموسيقى في أنّ "تمثل، في هذه الرواية، نصًا غائبا موازيًا للأحداث الروائية، وربما يمكن عدها ملاذا روحيًا للخلاص من وطأة الواقع، ومن التراجيديا التاريخية التي تلف مصير البطل والشخصيات الروائية العراقية التي شهدت مجموعة من المحن والمآسي والاستلاب عبر تاريخها الطويل ماضيًا وحاضرا. ربما تمثل الموسيقى المتصلة والكتاب الذي يقرأه البطل في رحلاته، هما بصيص الأمل المتبقي لضوء في آخر النفق."(11)، فضلاً على طاقة الموسيقى التقليدية في بعث الأمل وترويض الألم وفتح أفق جديد للحياة:
كان صوت هذا الناقوس، الموسيقى الأولى التي رنّت في أذني بعد هدهدة أمّي أو ربما معها، يأتي من السماء وينسكب في أعماق النفس بقدسية وجلال. أؤلّف لنفسي أصواتاً وكلمات متخيّلة أرددها معه كلما دقّ في أوقات محددة داعياً إلى الصلاة بنغمات مألوفة، في الصباح أو في العصر. وأحياناً، كان يدقّ في أوقات غير محددة بأصوات غير مألوفة لم أكن أميزّها. وكنت، تمشيّاً مع الإيقاع، مجبراً على تغيير كلماتي المتخيّلة المردّدة معه. وفي بعض الأوان، كان يعزف لحناً جنائزياً بطيئاً موجعاً يؤلمني. وفي مرّاتٍ، معزوفة فرحة مزغردة متواصلة ترقصني، وأخرى قصيرة مبهمة تحيّرني.(12) تحوّلت الموسيقى هنا إلى فلسفة بوسعها أن تجيب على أخطر أسئلة الحياة وأكثرها وعورة والتباساً وعمقاً، فهي تاريخ وحضور وذاكرة وحلم وثقافة وذوق ووعي، تجتمع بكل معانيها ودلالاتها وآفاقها ليمنح الفضاء الروائي طاقة جديدة على التلاؤم مع ثيمة الرواية القائمة على الانتظار، وعلى السجال مع الحيوات الروائية من أجل تمثيل فعل الانتظار ومساءلته وتحفيزه على الاستجابة للإيقاع الذي ينتشر في كل طبقات الرواية مفاصلها .
تنتشر هنا الدوال الموسيقية انتشاراً كثيفاً (صوت هذا الناقوس/الموسيقى الأولى/هدهدة أمّي/أصواتاً/ دقّ/بنغمات /يدقّ /بأصوات/الإيقاع/لحناً جنائزيا/معزوفة فرحة مزغردة متواصلة ترقصني، /قصيرة مبهمة تحيّرني)، وتكاد تختصر الحياة كلّها في الموسيقى بما جاءت عليه من تنوّع واختلاف وتمثيل لكل تمظهرات العاطفة الإنسانية، التي احتشدت في هذا المقطع لتبرز قوّة الموسيقى وفاعليتها على مستوى الحضور الذاتي، والتأثير في الشخصية، وتعزيز روح الإيقاع في الفضاء السردي للرواية.
طبقات التشكيل الروائي: التشكيل الروائي في رواية "في انتظار فرج الله القهّار" لا يسير على وتيرة واحدة في بنائه السردي العماري، بل يشتغل على ممارسات كتابية حداثية تحاول تنفيذ أجندة فنية وفكرية مسبقة ومخطط لها بمهل، مهّدت السبيل لقيام الكاتب باستخدام وسائل تعبير وتشكيل مختلفة تعبيراً عن زخم الحادثة الروائية وعمقها واتساع مساحتها التاريخية والجغرافية.
وبالنظر إلى طبيعة هذا الثراء التقاني والأسلوبي في تشغيل سبل عديدة لتنفيذ المقولة الروائية، فإنه "ليس من السهولة الدخول إلى عالم رواية في انتظار فرح الله القهار للقاص والروائي سعدي المالح، على الرغم من أن الرواية ليست من نمط الروايات ذات الطابع التجريبي، بل يبدو بناؤها في صفحاتها الأولى ــ للقارئ غير الخبير ــ تقليدياً، بسبب الأسلوب السردي الذي استخدمه المالح على امتداد الخمس والعشرين صفحة الأولى، ففي هذه الصفحات يقوم الراوي العليم بمهمة سرد الأحداث التي هي بمثابة التأثيث الأولي لعالم الرواية، غير أنّ هذا القارئ سيجد نفسه في ورطة بعد تلك الصفحات، لأنّ الروائي سيلقي به في عالم ذي فضاء لا حد لاتساعه. إنّ هذا الفضاء الرحيب الذي بناه الروائي بمهارة لن يساعد القارئ بل سيربكه إذا لم يكن متيقظاً ومتتبعاً ما تحت النسيج الداخلي للرواية، لأنّ ــ في انتظار فرج الله القهارــ ليست رواية أحداث، إنما هي رواية أفكار"(13)، وما حاجة الرواية إلى قارئ يقظّ ومدرّب سوى دليل على مهارة الروائي وبراعته في تشكيل نصّه الروائي.
اشتغلت رواية "في انتظار فرج الله القهار" على نظام المشاهد التي تشتغل بوصفها طبقات، وكل مشهد/طبقة يقدّم رؤية خاصة ضمن الرؤية العامة للرواية، وكل مشهد/كل طبقة يعتمد/ تعتمد هندسة معينة في تكوين نوع من الاستقلالية لمحورها السردي، وتنفتح على تواصل مستمر مع الطبقات الأخرى على نحو تشكيلي فدراليّ، وهو ما منح الرواية طاقة على التحرّك والتمظهر والدينامية أكّدت سعة الفضاء الروائي وعمقه وديناميته.
الشخصية التي تهيمن على كل مشهد أو طبقة تسعى إلى انتزاع قيمتها بالتركيز على قوة حضورها وتنفيذ مقولتها، وفرض نموذجها، وتحقيق أجندتها الخاصة ضمن الفضاء الانتظاري الذي لم تخرج أيّة شخصية من شخصيات الرواية من إطاره وهيمنته، وعلى الرغم من وضوح عوالم الشخصيات وبروزها إلا أنها كانت على نحو أ آخر رهينة للفكرة الروائية التي تتحرّك ابتداءً من عتبة العنوان.
الراوي كلي العلم يقترب كثيراً من منطقة المؤلف الضمني، والمؤلف الضمني يقترب كثيراً من شخصية المؤلّف الحقيقي، لذا فهو يظلّ المحرك الأصل لكل العمليات السردية في الرواية، ويوجّه الشخصيات أحياناً لتنفيذ مآربه الشخصية ويفرض على طبقات الرواية نموذجه وحضوره على نحو ظاهر أو خفي، لذا كان هو صاحب الحظوة الأولى في الاحتفاظ بالضوء الروائي على حساب الشخصيات الأخرى.
اتسمت الرواية على هذا الصعيد بالتنوع الكبير في طرح القضايا والأحداث والتفاصيل إلى درجة الفوتوغرافية في تصوير الحراك السطحي للحدث الروائي، وتوازنت الطبقات الروائية على هذا الصعيد توازناً منطقياً في توزيع الحدث، وترتيب حراكه السردي، وتكليف كل مشهد أو طبقة بمهمة سردية محددة ذات صلة بما يجاورها.
ولعلّ مما يلفت الانتباه أيضاً في سياق تكريس وعي معين في مفاصل المقولة الروائية، أن الروائي تمكّن من ضخّ طاقة كبيرة من الثقافي والفكري والإيديولوجي في مفاصل طبقات الرواية، على نحو قد لا يستجيب أحياناً لدينامية السرد فيبدو عليها قدر من الافتعال لا يضرّ كثيراً باللعبة السردية لكنه يوقف انسيابيتها ورحابة تشكلها الحكائي، وقد بدت بعض التدخّلات الثقافية والفكرية والإيديولوجية مفروضة على جسد السرد ولا يتقبّلها الجسد السردي بسهولة، وبدت كذلك وكأنها تتحرّك خارج الفضاء الحرّ للسرد حيث افتقرت إلى فعالية التوتّر السردي داخل العمليات السردية، ولم تنتج لحظات تنوير يمكن أن تضاعف من طاقة الحضور السردي في الرواية على الأصعدة كافة.
الطبقات السردية في الرواية بعد كل هذه الملاحظات جاءت متماسكة، وقد انتهت إلى نصّ روائي مشدود بقوّة إلى نموذجه التشكيلي وإلى أطروحته الفكرية ومقولته الثقافية، وظلّ الانتظار داخل الرواية وخارجها ساري المفعول دائماً، فالمنتظرون لا يتفقون على شيء قدر اتفاقهم على العيش تحت سماء الانتظار الحارقة، حتى وإن اختلفت ألوانهم ومرجعياتهم وخواصهم وآمالهم وطموحاتهم ومقاصدهم، فشخصيات الرواية أكثر مما ورد في الرواية إذ تمتدّ أشكال حضورهم فيها خارج القياس الكتابي وداخل الفضاء الكوني للسرد.
الهوامش والإحالات:(1) في انتظار فرج الله القهار، سعدي المالح، دار الفارابي، بيروت، 2006: 7.
(2) في انتظار فرج الله القهار: 148.
(3) الفار يأكل الشوكولاتة، الموروث في سرديات سعدي المالح، ناجح المعموري، دار الحوار للنشر والتوزيع، اللاذقية، ط1، 2001 : 48.
(4) الغلاف الثاني الخارجي للرواية.
(5) مدن وحقائب، سعدي المالح، مجموعة قصصية، منشورات دار الينابيع، دمشق، ط2، 2009 الغلاف الثاني.
(6) الفأر يأكل الشيكولاتة: 39
(7) في انتظار فرج الله القهار: 94 ـ 95.ٍ
(

الفأر يأكل الشيكولاتة: 33
(9) سعدي المالح، حاوره حسين رشيد، الأسبوعية، بغداد، بتاريخ 31/7/2011.
(10) في انتظار فرج الله القهار: 66 ـ 67 .
(11) الموسيقى ضابط إيقاع السرد، فاضل ثامر، جريدة الأسبوعية، بغداد في 19/12/2010.
(12) في انتظار فرج الله القهار: 37 .
(13) التيه في انتظار فرج الله القهار، سعدي المالح يدخلنا في زمن روائي واسع جدا ليصل بنا إلى الحاضر، محمد شاكر السبع، جريدة الشرق الأوسط السعودية، العدد 8844 .
* أستاذ النقد الأدبي، كلية الآداب / جامعة الموصل
** نشر الموضوع على حلقتين في جريدة الاتحاد العراقية ليومي 12 و 13 شباط 2012