أحزان الغد
قراءة نفسية لقصيدة " الغد الأعمى "
للشاعر لميعة عباس عمارة
شوقي يوسف بهنام
مدرس علم النفس
جامعة الموصل
يمثل الغد صورة متوقعة متخيلة للحياة . انه الأفضل من اليوم والأمس . أو هو توقع لذلك . ومن هنا قول احدهم " ان الغد لناظره لقريب " . هذا القول هو قول لنفس مفعمة بالأمل والرجاء والترقب . تركل الماضي إلى حيث يمضي وتعيش ، ما أمكن ، للغد . والشاعرة لميعة على الرغم من نرجسيتها المعهودة وتفاؤلها الزاخر بالحياة ، لا ترى في هذا القول غير مطر صيف سرعان ما يلتهمه الجفاف . وهذا يعني ان لميعة لم تعش حياتها كما كانت تحلم أو تريد . الرياح كانت ضد ما تشتهي . وفي قصيدة قبانية النفــَس تخاطب لميعة هذا الغد الملعون الذي سيكشف واقع لميعة الحزين والذي يبدو لم ولن يتغير في يوم ما . لميعة لا تريد هذا الغد ان يأتي . ولكن هذا أمر خارج إرادة لميعة . فهو سيأتي شأت ذلك أم أبت . وفي القصيدة صورة من صور رثاء الذات السلبي للشاعرة لميعة . والمهم في هذه القصيدة هو عدم رؤية حبيبها ، إذا جاء في الغد ، لها وهي على حالتها هذه .
تقول لميعة في قصيدتها هذه :-
غدا يزورني ،
غدا ،
ليت غدا لا يطلع
ليت غدا لأمسه
بلا عيون يرجع .
(اغاني عشتار ،ص 88 )
***********************
إذن لميعة تنتظر زائرا ما . انه الزائر المرتقب .. الأوحد .. الأقرب لها من حبل الوريد .. والمفروض ان لميعة ينبغي ان تكون سعيدة ويملأ قلبها الحبور ويغمرها الفرح بهذا المجيء. لكن هي لا تريد مجيء هذا الغد ولا تريد طلوعه وتتمنى لو لأمسه يرجع بلا عيون . هنا نجد اليأس قد غمر لميعة حتى النخاع . ترى ماذا سيجد هذا الزائر لو جاء غدا . هل ستعطيه كل رسائله وتطعم بها النيران كما تخيلت بطلة نزار ؟؟ . لنرى ما الذي سيجد هذا الزائر .تقول لميعة :-
ماذا يرى لو زارني
من فتنة تشعشع ؟
أصابعا معروقة
ونظرة تستطلع‘ ، ؟
ووجنة ذابلة
وضحكة تصطنع ‘ ؟
ومجهدا في الصدر
لا يدري لماذا يسرع ‘؟
وعتمة
لا شيئ
غير الشيب فيها يلمع ؟
(المصدر نفسه ، ص89)
*******************
تلك إذن هي لميعة اليوم وهي تكتب قصيدتها هذه . كل شيئ فيها محطم . النظرات ضائعة لا تدري أين تتوجه . صحيح انها فتنة مشعة ، ولكن ما الفائدة منها . الأصابع التي غطاها العرق دلالة على الحيرة والارتباك وهي نتيجة من نتائج تلك النظرات الشاردة .. ذبول في الوجنتين دلالة على وحشة الزمن وقسوته على شاعرتنا . لم يأت إلى الآن . لميعة ضائعة في الانتظار قلب مجهد أكله التعب والحزن والانقباض وهي دالات الكآبة عندها . الضحك عند لميعة مفتعل .. مصطنع لا وجود لفرح حقيقي في قلبها المتعب . هل هي مجبرة على قول كهذا ؟؟لا نميل إلى ذلك . إذا جاء هذا الزائر غدا فلن يجد في لميعة أي شيئ غير الشيب وقد التهم شعر رأسها كله . ولكن هذا الزائر ماذا متشبث بحب لميعة . ترى ماذا سيقول لها . تقول لميعة :-
يحب روحي !؟
أي روح في حطام تشفع
مواهبي !؟
إذ أكتب الشعر ألوفا تطبع ؟
ما قيمة الذكاء في النساء
ماذا ينفع ؟
(المصدر نفسه ، ص90)
*****************************
مع كل الحزن الذي يحيط بها من كل جانب فأن لميعة واقعية جدا في التعامل مع واقعها . ان حزنها ليس غير أسف على مستقبل لميعة الذي دمرها القدر ولم يأت حبيبها بعد . سيقول هذا الزائر :-
- اني أحب روحك وكفى
ان لميعة لا تريد ان تكون روحا في حطام اعني جسدها . وهذا التعبير دلالة على رغبة لميعة في ان تكون موضوع حب كأمرأة لا غير .. جسد قبل كل شيئ . وهذا ما نلمسه من تفاهة الشعر عندها . حتى لو كانت تكتب شعرا . ما قيمته . آلاف الأشعار تطبع كل يوم . ما قيمة ذلك في مجال الحب . وليس هذا فقط بل هي تذهب ابعد من ذلك بقولها ما قيمة الذكاء في النساء . وكأني بها تريد ان تلغي كل ما من شأنه لأن يقلل من المرأة كأمرأة ولا غير . لا أريد ان أركز على هذه النقطة وأقول ان لميعة قد أعلنت في مجموعتها الأولى والموسومة " الزاوية الخالية " ما نصه :-
" المرأة إحدى اثنتين : فنانة تنصرف لهوايتها ، أو أم تعني بأطفالها .وقد اخترت أن اعيش حياتي لا أن أخلد بعد مماتي ، ولهذا بقيت زاوية خالية " ص 54 من المجموعة . وسأكتفي بهذه الملاحظة عن تصور لميعة عن دور المرأة في المجتمع على العموم . تستمر لميعة في ذكر الأسباب التي تدفعها أو تجعلها تتمنى بأن لا يأتي هذا الغد. تقول لميعة :-
أي الأحاديث غدا
بذكرها يستمتع ؟
الحب من أي فم ؟
وأي أذن تسمع ؟
الأمنيات ؟
أينها ؟
دنيا الاماني بلقع
(المصدر نفسه ، ص 91)
*****************************
عالم لميعة عالم مقفر .. مسوّد مفعم باليأس لا وجود للاماني في أرضه ..اعني عالم لميعة . ماذا سيتحدثان لو زارها غدا . لقد جف نهر الكلام عند لميعة . فمها اصيب بالخرس لن تستطيع ان تتلفظ حتى ولو بحرف واحد . أذنيها أصيبتا بالصمم فهي لن تسمع اي شيئ . الم تقل قبل قليل انها حطام . ها هي تصف لنا تفاصيل ذلك الحطام . لميعة هنا فقدت كل معنى التواصل مع عالمها الخارجي . انها عزلة ما بعدها من عزلة . لميعة سوف تلتفت نحو الذاكرة لكي تنسى واقعها المؤلم . تقول لميعة :-
الذكريات ؟
أفلس التاجر إذ يسترجع ،
الموت ... والأمراض ...
يا بئس الحديث المفجع
كنت إذا ما زارنا
سوسنة تضوع ،
وروضة
تخضل من رش الحياة
وتينع ،
كنت‘ اندفاع الريح
لا تدري لماذا تخضع ،
إذا تراءى ظله
فقبل ظلي أهرع ‘
(المصدر نفسه ،ص93)
****************************
هنا نكوص للماضي واجترار لذكرياتها معه . لميعة تلك الفتاة البارعة الجمال ..يغار منها القمر من لفتاتها . كانت لها ذكريات جميلة مع هذا الزائر . أنها قصة حب لم تكتمل ولم تأخذ مجراها الطبيعي . وهي تعرف جيدا ان في هذا اللجوء الى الماضي ليس غير إفلاس وهي تشبهه بإفلاس التاجر عندما يراجع سجل حساباته لعله اخطأ في أحداها . وهكذا يضيع في متاهة الأمل الكاذب . فلميعة تصور نفسها مثل هذا التاجر الضائع في هذه المتاهة . وتجتر كل ذكرياتها معه .نحن لن نصادر لميعة ونقول ان هذا الزائر لم يك الا محض وهم . نحن نسير معها وفق ذات القصيدة . تعود لميعة إلى لحظات الحاضر . كنا معها نسير على أعتاب الماضي ها نحن أولاء ندخل حضر لميعة .
وها أنا اليوم
ألوذ بالدجى وافزع ،
تبطيء رجلاي
إذا الباب به من يقرع ،
وتعتريني حيرة
فلا أعي ما اصنع ،
وتسخر المرآة من وجهي
ولا تشجع ؛
(المصدر نفسه ، ص 94)
********************
أنه منولوج مع الذات . لميعة في غرفتها وحيدة تلوذ بالدجى . ومن المؤكد انه الدجى النفسي ..عتمة الذات وضبابية العالم . كان وصف لميعة دقيقا عن وضعها الجسمي والنفسي معا . كان عمر لميعة عند كتابة هذه يبلغ (38) عام .هذا يعني ان لميعة ستدخل عالم الأربعين . هذا العالم الأليم .عالم سن اليأس وبكل مظاهره . لم يبق بينه وبينها سوى عامين وهو لما يزل في عوالم الغياب . هنا تناص في خطاب القصيدة بين لميعة ونزار في قصيدته المعنونة " إلى رجل " (1). ومن المؤكد ان لميعة أكثر دقة في التعبير عن الانفعالات النفسية من نزار ، لأن اختلاف الجنس سوف يلعب دورا بالغا في ذلك . نزار ليس صاحب معاناة .انه ، وإذا استخدمنا تعبيرات علم النفس ليس غير متقمصا لشخصية المرأة أو متعاطفا مع همومها ومتاعبها . المسألة تختلف في حالة لميعة .فلميعة هي صاحبة الهم وهي من تتعذب وتتلوى ولذلك تكون أكثر مصاداقية في التعبير من نزار . امرأة نزار قد تعبت من الانتظار وهي متحيرة في ما ستقوله لو جاء غدا . لميعة لا تريد هذه المجيئ . لأنها أصبحت حطاما ولم تعد تلك التي تتهافت إلى لقائه . كانت تعيش تنافسا وصراعا مع ظلها للقائه . حتى الذاكرة ... ذلك المستودع الجميل .. العجيب معا ، وهن هو الآخر وتعب وهزل . تقول لميعة:-
ذاكرتي فتتها الوهن
فما تستجمع ،
فلا حديثي شيق ،
ولا حواري مقنع ،
ورقتي خشونة
وسخرياتي تلدخ .
(المصدر نفسه ، ص 95)
***********************
لا ادري في اي حالة من حالات اضطراب السلوك أضع لميعة . فقدان الذاكرة لديها اقرب إلى الففدان الرحامي منه إلى العضوي .. هذا إذا أخذنا كلام لميعة عن ذاكرتها بمحمل الجد . لقد أصبحت عدوانية السلوك في سخريتها اللاذعة . هذا تدهور في السلوك قد يكون نتيجة تراكم اليأس لديها. أين رقة لميعة في شبابها من خشونتها الآن ؟. لميعة حطام وتعيش في عالم محطم . إذن لماذا سوف يأتي هذا الزائر الغائب . ولماذا يتحمل أعباء السفر ويقطع المسافات كلها ويأتي ليرى لميعة . ؟ ترى كيف سيراها . تخبرنا لميعة :-
ماذا يرى غدا إذا زار
وماذا يصنع ؟
بقية من عطفه
بعد غد ستنزع ،
سيرجع المشوق مخذولا
وقد لا يرجع .
غدا يزورني ، غدا ،
ليت غدا لا يطلع
(المصدر نفسه ، ص 96)
******************
لن تأخذ لميعة من زائرها غير الشفقة والعطف . ها هو سوف يعود مخذولا . لميعة تدرك ذلك جيدا . لن يرى غير حطام وكومة من لحم مترهل وعظام سقيمة . فبدلا من أن يعطيها الحب سوف يمنحها حفنة من الشفقة والعطف . وهذا ما لا تريده لميعة . ونحن بدورنا نتساءل هل جاء هذا الغد حاملا على جناحيه هذا الزائر بعد طول غياب أم أن هذا الغد ندم وعاد من حيث أتى وبقيت لميعة في غرفتها وحيدة مثل ذلك الرجل عندما ترك تلك التي كانت جالسة بالقرب منه ولم يراها مثل ترك جريدته على الطاولة وحيدة (2)....
الهوامش :-
1- انظر مقالنا الذي تناول هذه القصيدة بالرؤية النفسية وهو بعنوان " دموع الانتظار " والمنشور على موقع " الناقد العراقي" على شبكة الانترنيت .
2- إشارة الى بطلة قصيدة " الى جريدة " للشاعر نزار قباني والتي قمنا بتحليلها تحت عنوان " الشفرات الضائعة " وجنسناها الى قصة قصير وبنفس العنوان .
shawqiyusif@hotmail.com shawqiyusif@yahoo.com