الاشوريون
ما بين الديمقراطية وواقع الحال !!
البرت ناصر
الديمقراطية , نهج حياتي متطور يعبر عن نضج حضاري قد مارسه الاشوريين القدماء رواد الديمقراطية الاوائل في التاريخ البشري في مراحل تاريخية مثيرة , مثيرة لرقي الاساليب المتبعة في تصريف شؤون الحياة التي أبدع فيها شعب ما بين النهرين – بلاد آشور في مراحل ما قبل التاريخ الذي أثقله المؤرخون الحاقدون بكل صفات التخلف الحضاري من همجية لا سيما أن من وصف بابل على انها (أم الزانيات) يتربع على قمة الهرم الذي لا يطيق سماع ورؤية وقراءة أي شيء له علاقة بالاشورية , وحينما يتخذ الحقد الدفين شكل عقيدة مقدسة في كتابات تتلى علينا في خلوتنا مع الخالق فأن هذا دليل وأشارة واضحة على أن الانسان الاشوري لا يعرف عدوه , وهناك ما يُسهل لشعبنا بالقبول بعدوه التاريخي من خلال مواعظ , الا ان مشكلتنا هي أن هذا العدو لا يقبل بنا وما علينا الا الرضوخ للسياسات التي تمارس ضدنا بالنيابة عن عدونا التاريخي والتي تمارس في العراق حصراً ..
أن الصورة التي ترتسم مقدماً في عقل كل من يتصفح كتاباً تاريخياً لشعب الرافدين – بلاد آشور يمكنه أن يتحسس محاولات الوشم المتعمد الذي له خلفيات عنصرية حاقدة وهي نتاج عقدة النقص تاريخياً في مسألة الاقدمية والافضلية والنوعية لاسيما أن العراق الحالي ضحية هذا النفس الحاقد منذ عهد آشور والى اليوم الذي تمكنوا فيه من فرض سيطرتهم الكاملة عليه.
أن الحقد التاريخي كان وما يزال بمثابة عقيدة متبعة متناقلة بين مؤسسات ومنظمات وجامعات علمية ومهنية عالمية مختصة تدعمها رؤوس أموال هائلة قد أدارت وأشرفت على حركة تزوير مستمرة (1) وسرقة ما يقع تحت أيديها من أثار ومعلومات لم تمسها يد ولم تقع عليها عين البشر للحقبة التاريخية لبلاد آشور – العراق القديم وتسعى جاهدة للتخلص من علماء الاشوريات وخاصة الاشوريين منهم الذين لهم براعتهم في القدرة في فهم رموز لغة الاثار لغة أجدادهم بعد فكها بمراحل ترجمة أقل من غيرهم من العلماء غير الاشوريين , وهذا ما أبدع به كل من الراحلين عالمي الاشوريات عالم المسماريات فريد تميمي وعالم الاثار دكتور دوني جورج رحمهما الله اللذين فارقا الحياة (وقد) يكون أغتيالاً (لعدم توفر الادلة) في ظروف صحية مفاجئة غامضة.
أنه بالرغم من التزوير والتحريف الذي طال علاقة أشوريو اليوم بأجدادهم الاشوريون في العراق فهم يشكلون أمتداداً طبيعياً لاسلافهم الاشوريين القدماء الذي حكموا العراق القديم , وهم بوجودهم القومي المستمر في العراق انما يعكسون واقع الحال القومي والسياسي والاجتماعي الاشوري الذي أستتب في ربوع العراق الحديث من شماله الى جنوبه ويعتبر وصلة واحدة في أستمرارية وصيرورة نفس واقع الحال منذ دولة آشور وبعد سقوطها.
أن سقوط النظام السياسي لدولة آشور لم يكن في كل الاحوال ليعني تبخرالانسان الاشوري والفناء , فتغيير انظمة الحكم لا تدعم نظرية فناء الشعب الاشوري كما يحلو للبعض أن يرددها متطفلاً بكتاباته الساذجة كمن يحبوعلى صفحات تاريخ عملاق لشعب أعطى من عمر أجياله وجهده في تلك الفترة التاريخية ليخدم البشرية في شتى العلوم التي ما تزال تطبيقاتها العملية تمارس بوعي أو بدون وعي من قبل البشرية . " فالعنصر بحد ذاته لا يموت , وانما الذي يموت هو الاسم و الانتماء والمجتمع وذلك بالانتقال من واقع تاريخي الى واقع تاريخي آخر" (2) . وبنظرة بسيطة الى مفهوم الواقع التاريخي فأنه يتمحور حول عنصرين مهمين هما الزمن والمكان اللذين يشكلان مفهوم التاريخ , فلا تاريخ بدون زمن ومكان , ومن هنا يمكن القول أن صيرورة التاريخ الاشوري منذ عهد بلاد آشور – العراق القديم يأتي مرتبطاً أرتباطاً عضوياً بالارض التي سكنوها قبل غيرهم واتخذت أسمهم وشكلت واقعهم الذي نسج الاشوريون أنجازاتهم الحضارية فيه لفترة طويلة تمتد لآلآف السنين .
أنه لمن المؤلم ويثير بعنف للتساؤل عن أسباب مصادرة الارادة الاشورية في أدارة نفسها وتقرير مصيرها الوطني السياسي في العراق في أقليم مرتبط بأرضها التاريخية التي تحمل أسمهم والذي يسهل على الاشوريين في الحفاظ على أجيالهم وتراثهم وأنقاذ ما يمكن أنقاذه .
أن المطالبة بالحكم الذاتي المرتبط بألاقليم الكردي لا يخدم الاشوريين ولا العراق في حالة أعلان الاكراد دولتهم !! فالاشوريون وطنيون ومع العراق قلباً وقالبا وهم في هذا ليسوا أقل شأناً من أية قومية أخرى في العراق. أن محاولات جر الاشوريين للعيش تحت الراية الكردية لا تلقي ترحيباً شعبياً أشورياً لا في العراق ولا خارجه وكل ما يجري من محاولات للوي ذراع الاشوريين من أستخدام وسائل التهديد بالرسائل بغية الترحيل والقتل بأسلوب الابادة الصامتة وتفجير الكنائس وتدمير وحرق مصادر الرزق والتي كلها وبمجملها تقع تحت مفهوم الاضطهاد القومي والديني , واختصاراً فأنها ستبقى مجرد محاولات في حدودها اللاقانونية التي يتم التغاضي عن نتائجها المدمرة والكارثية فيما يحدث لشعبنا من سباق تسريع عجلة ترحيل الشعب الاشوري من موطنه الاصلي تحت شعار الديمقراطية .
أن مسألة واقع الحال في الموضوع السياسي الاشوري يثير الاستغراب والاستهجان حيث يتم الغاء واقع حال تاريخي أصيل لا يمكن الغائه الا أن الالغاء مستمر كحالة مفروضة فرضاً من قبل (الذين هبطوا من السماء!!) الذين يتصرفون في مصائر الشعوب وذلك باحالة ملف القضية السياسية الاشورية في العراق بيد من له مصلحة في تشريدنا وضياعنا الى غير رجعة وهنا تأتي الهجرة كعامل مساهم فعال في تطبيقات نظرية الضياع التي أشرنا اليها ونكررها للفائدة " أن العنصر بحد ذاته لا يموت وانما الذي يموت هو الاسم والانتماء والمجتمع وذلك بالانتقال من واقع تاريخي الى واقع تاريخي آخر." (3) .
الغبن والاجحاف الذي لحق بالاشوريين في العراق يضرب اطنابه سقف السماء!! فالعراق الحديث أكتمل تشكيله بوضعه الحالي بقرار آشوري في أستفتاء شعبي أبان الاحتلال البريطاني للعراق (4) صوّت فيه الاشوريين الابقاء على ولاية الموصل التي تحوي على كل المحافظات الشمالية بالبقاء ضمن العراق لقطع دابر التحايل التركي في كسب الاراضي الاشورية قبل تأسيس دولة العراق الحديث 1920 . وهذا لم يكن نابعاً من فراغ بل أن القرار الاشوري جاء نابعاً من حقيقة ان ارض الرافدين التي حكمها الاشوريون في عهود قديمة سابقة هي ارضهم والعراق الفتي انما هو بلاد الرافدين في عهد دولة آشور حيث أقليم آشور وأقليم أكد وأقليم بابل وأقليم سومر هذا هو العراق في عهد دولة آشور دولة أقاليم تتبع أقليم المركز حيث العرش الملكي الحاكم وما البقية سوى حكام أقاليم .
أن أصرار السيد رئيس وزراء العراق السيد نوري المالكي في عدم النظر في قضية الاقاليم بحجة انها تشجع على الانفصال فهذا أمر غريب حقاً !! لقد ذكرنا مراراً ودعونا شعبنا العراقي من خلال البرلمان العراقي بالتصويت على الغاء الفقرة الدستورية التي تسمح للاقاليم بالانفصال.. لا نفهم ما الحجة وراء الابقاء على هذه الفقرة ليخرج علينا رئيس وزراء العراق بين فترة واخرى كلما أستجد الحديث عن الاقاليم ليذكرنا بفقرة الانفصال؟ طيب ألغوا هذه الفقرة كي يتم مناقشة الموضوع بنزاهة وعدالة .
الاقاليم ليست بعبع مخيف , فبعض دول العالم المتحضر يعيش مواطنيها في دولة في شكل خارطة اقاليم تسهل عملية ادارة الشعب وتخفف العبيء على كاهل الحكومة المركزية في تصريف شؤون البلاد . الا أنه يبدو ليس في نية من كتب الدستور وجعل الشعب العراقي يركض نحو صناديق الاقتراع ليبصم موافقاً على تفليش العراق بأن يرتقي بالعراق الى مصاف الدول المستقرة داخلياً فها هم الاكراد قد أقتطعوا حصتهم من العراق وبما لا يستحقون وهم دعاة الانفصالية نحو دولة كردية على حساب الاشوريين اولاً ومن ثم العراق ثانياً , فليس غريباً أن يُترك الوطنيين سكان العراق الاصليين في مهب الريح تحت ضربات الاضطهاد ولتكن حقوقهم في وطنهم تحق فيها تسمية " ذهب مع الريح" !!
1- مقابلة صحفية مع عالم الاشوريات فريد تميمي – مجلة المثقف الاشوري - بغداد – 1978
2- الهجرات العربية القديمة من شبه الجزيرة العربية وبلاد الشام الى مصر – تاليف د. محمود عبد الحميد احمد – جامعة دمشق.
3- نفس المصدر السابق
4- مقالة للكاتب – وكأن التاريخ قد ولد بلا شرف ولا ضمير... أساس المشكلة الاشورية في العراق – موقع كتابات الاثنين 23 كانون الثاني 2012
http://www.atour.com/forums/arabic/140.html