قصة قصيرة/البدلة الصيفية و الحزام

المحرر موضوع: قصة قصيرة/البدلة الصيفية و الحزام  (زيارة 372 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل حكمت عبوش

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 91
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
قصة قصيرة
البدلة الصيفية و الحزام
                                                                                          حكمت عبوش
في بداية شهر حزيران اتفق الخطيبان هند و ياسر و الأهل أن يكون الزواج بعد شهر ففرح الجميع و جلس الأب و الأم و الخطيبة و أخوها عادل ليتبادلوا الحديث حول ترتيبات الزفاف و ما يحتاجه من مصاريف و هم لا يملكون فلسا زائدا في البيت فالوالد متقاعد و الأم ربة بيت و هند خريجة كلية التربية لكنها عاطلة و أخوها لازال طالبا جامعيا أما الصغيرة نغم فهي في الأول متوسط و الأصغر منها آخر العنقود سهم في الخامس الابتدائي. و بدأوا يتداولون بأسماء الأقارب و الأصدقاء الذين يمكن طلب مساعدتهم و الاقتراض منهم لتغطية مصاريف الزواج و هم في غمرة النقاش قال الأب بهدوء: إن سلفة البنك  هي خير الحلول و مقدارها ثلاثة ملايين و ستكفي لكل شئ فردت زوجته بعد تفكير متسائلة: و هل حسبت استقطاعات البنك؟ كم سيبقى من راتبك التقاعدي؟ و هل سيكفينا؟ فأجابها الزوج: لقد حسبت هذا و لازم نقلل من مصاريفنا و أكمل ضاحكا: و نشد الأحزمة على البطون كما يقولون و هذا أحسن من تحميل الأقارب و الأصدقاء ثقلا ربما هم غير مهيئين لتحمله فيزعجهم و إن كانوا لا يظهرون ذلك فأيده الباقون و لكن في صبيحة احد الأيام القريبة من يوم الزفاف و بعد الفطور فاجأته زوجته بسؤالها: و أنت ماذا تقول؟ فأجاب عن ماذا؟ فأكملت: ألن تشتري لك بدله لعرس ابنتك؟ فأجاب مبهورا: و من أين اشتريها؟ أاستدين ثمنها؟ كلا لن استدين فلسا واحدا لشراء بدله لي و هنا تدخلت هند التي كانت تسمع الكلام: فعلا بابا كلام ماما صحيح و سألته ضاحكة: أيجوز أبو هند أن يستقبل المدعوين إلى عرس ابنته المدرّسة و لو(مع وقف التنفيذ) بملابسه العتيقة؟ فابتسم وهو يجيبها: كلا لا يعجبني ذلك و لكن لا املك ثمن البدلة ثم شرائي للبدلة هو تضييع للفلوس فانا لن أرتديها سوى يوم أو يومين ثم سأركنها في الخزانة و في الشتاء لن استطيع استعمالها فهي خفيفة و ستكون باردة و لن تدفئني ثم و هو يحاول إبعاد البدلة عنه: حتى إنها غير جميلة فهي ستكون مثل بدله جارنا أبو خالد فقالت زوجته: كلا لن تضيع الفلوس و سوف يبقى لدينا ما يكفي للحفلة فتنحنح الأب و تساءل باحتجاج: من أين ستبقى لنا الفلوس و قد حسبنا لكل شيء حسابه بدقة و أنا أريد أن تكون ليلة حنة هند و عرسها بأبهى صورة و لكن كما تعرفون إن المصاريف كثيرة، إيجار القاعة و الطعام و المشروب و الفرقة و الطالعة و النازلة، مصاريف لا تعرف من أين تأتي. فقالت زوجته كأنها تعلن نصرا: أبشرك هند و خطيبها اتفقا أن تكون حفلة ليلة الحنة مشتركة بيننا و بينهم فهو و أهله سيدعون أصدقائهم المقربون و أقاربهم إلى ليلة العرس و سأل ياسر هند: أليس جميلا أن تكون ليلة الحنة مشتركة و سنتحمل نصف نفقات ليلة الحنة فوافقت و لكنها قالت له إن موافقتي مشروطة بموافقة أهلي. فانا الآن موافقة و أنت ماذا تقول أبو هند؟     
فأجاب الأب بهدوء كعادته: إذا كان العروسان موافقين فلماذا لا،أنا ليس عندي مانع و بفرح قالت هند: شكرا بابا فنحن كنا قد خصصنا في حساباتنا لليلة الحنة مليون دينار و الآن نصفه سيبقى لنا و تستطيع أنت أن تشتري بدلتك منه و سيزيد كثيرا فاقتنع أبو هند بشراء البدلة و لكن ليس بحماس فالبدلات التي رآها عرضا في الأيام الأخيرة و هي معلقة في معرض أو معرضين للملابس كانت بياقة قصيرة و يغلب عليها السواد و يعوزها الشئ الكثير من الأناقة و لم يتوفر أحسن منها حتى في معارض مركز القضاء كما أشار بعض الأصدقاء ورغم ذلك قال لها و هو يضحك: حسنا سأشتري و كان هذا. فاشترى البدلة و لبسها ليلة الحنة ثم في يوم الزفاف و بعدها علقها في خزانة الملابس و هو يقول مازحا لزوجته: لتختمر. و ظلت عائلة أبو هند تستخدم بقايا النصف مليون الأخرى في ترقيع و سد مصاريفهم الشهرية و التي لم يستطع راتبهم الذي يستلمونه كل شهرين من سدها إذ كان حتى للصغيرين حاجاتهما الصغيرة و لكنها المكلفة أحيانا. و عندما جاءت أشهر الخريف التي أصبحت دافئة في السنوات الأخيرة لم يشعر بحاجته للبدلة. و لكن بمجيء كانون الأول بردت الأيام فأراد أن يرتديها و لكنه بعد تفكير قال: لا لأرجئ ارتداءها إلى عيد الميلاد و هو سيأتي في الخامس و العشرين من الشهر و عندما اطل العيد و أخرجها قالت زوجته و هي تضحك: اعتقد إنها اختمرت الآن فبادلها الضحك و قال: سنرى. و في الحقيقة لم و لن تختمر و تصبح جاهزة للارتداء دون البلوز الشتوي و الملابس الداخلية الطويلة و فعلا استخدمها فكانت مناسبة في النهار أما في الليل فلم تستطع البدلة أن توفر له الدفء الكافي و عندما ودع صديقا زائرا أتاه مساءا مشى معه قليلا خارج الدار لكنه عاد مسرعا بسبب البرد و قرر أن لا يخرج ببدلته تلك ليلا أبدا و ابلغ ذلك لزوجته عندما جلسا يفكران و يتشاوران بعد العيد بكيفية استقبالهم لليلة رأس السنة حيث لم يبق لإقبالها سوى أيام معدودات فسألت زوجته: إذن لن نستطيع تلبية دعوة أخيك و لا دعوة هند لقضاء ليلة رأس السنة معهم؟ فأجابها كلا لن استطيع تلبية دعوة كليهما. فقالت زوجته بحسرة: آوه كم كانت هند يعجبها أن نلتقي معا هذه الليلة. فأجابها تستطيع هند و زوجها مشاركتنا بالاحتفال بعد الثانية عشر حيث تطل السنة الجديدة و هما شابان يستطيعان السير و هذا ما يفعله الكثيرون و اعتدلت أم هند في جلستها حيث تذكرت أمرا اعتبرته مناسبا و قالت: لقد سمعت إن هناك (جاكيت) جوزي ثخين و معه بنطلون اقل دكنة منها أي جوزي فاتح أو (بيج) لكنه شتوي و كلها بـ 70 ألف دينار و سيشكلان (بدلة سبورت) جميلة فما رأيك لو نشتريها لك؟ فاستغرق بضحكة طويلة و بدون مقدمات سألها: كم بقي لنا من فلوس السلفة اليوم؟ فأجابته: خمسون ألفا ثم سألها ثانية: و قسط سيارة ابنك التي توصله إلى الجامعة و مصروفه الشهري كم يبلغ؟ و بسرعة أجابت: آوه أنا نسيت قسط السيارة و مصروفات عادل أنا آسفة فرد بهدوء: علينا أن نفكر بعقلانية و أذكرك أيضا بفلوس الماء التي لم ندفعها و هي أكثر من ستين ألف دينار و هي تجبى كل ثلاثة أشهر فمن أين نأتي بهذه المبالغ و السماء كما تعرفين لا تمطر ذهبا و لا نقودا ثم خفت لهجته و قال مبتسما: لو كان عندنا نقود لكنت أنت أول من تستحقين شراء ملابس لك فمنذ كم سنة و أنت تحجمين عن شراء جاكيت أو فستان جميل؟ فأجابته: أنا لي ما يكفي من ملابسي القديمة فما زالت جيدة و لكن أنت ملابسك عتيقة فبناطيلك و جاكيتك من (اللنكات) من الملابس المستعملة فاستغرق في الضحك و هنا اقبل ابنهم عادل الذي كان يقرأ في الغرفة المجاورة فشاركهم الحديث قائلا: آه يا بابا لو كان يعطون لكم ما تستحقونه انتم جماعة المتقاعدين لكان هذا شيئا جيدا إنكم مظلومون فقالت الأم بلهجة آمرة: اتركونا بعيدا عن الظلم فهو يجلب الكلام عن السياسة و هذا لا يفيدنا و أحسن لكما أن لا تخوضا الكلام فيه فرد أبو هند: و من أين سمعت إن الكلام في الرواتب و الأجور و حتى في السياسة ممنوع إن المطالبة بالحقوق شيء مشروع و مقبول و ليس ممنوعا. فأكمل ولدها: ألا يستحق بابا و قد أفنى شبابه في خدمة الدولة أن يكون راتبه التقاعدي مريحا و يوفر له و لنا الأكل و الملابس اللائقة و كل حاجيات الحياة كاملة و بدون أن يمد يده لأي واحد؟ ألا تستحق ابنتك هند أن تتعين و قد مرت سنتان على تخرجها؟ ألا استحق أنا مخصصات دراسية تمنحها كل الدول المتمكنة لطلاب الجامعة؟ هل نحن بلد فقير؟ فأجابت الأم بعد أن لانت قليلا: إن كلامكم صحيح و مقنع و مطالباتكم عادلة و لكن ما لا نريده هو أن تحسب حساب آخر و يساء فهمها. فضحك الاثنان من كلامها، و قال الأب بجد: لقد أصبح هذا هما مسيطرا علينا فسأله عادل: و ما هو هذا الهم بابا؟ أجاب الأب مع بعض السخرية: الهم هو، إذا شددنا حزامنا أكثر مما يجب نخشى عليه من الانقطاع.