رحل عنّا الوجه المهيب الصامت الذي كان ينضح بالعرق حيّا وميتا
الفقيد العقيد فوزي كوركيس الشمري في ذمة الخلود
صباح صادق
ودّعت حاضرة سان دييغو بدون موعد وبما يشبه الصمت والهدوء كانه حتى في وداعه كان كل شئ يجري في هدوء وصمت دون نواح وعويل وضجيج كما آلفناه عندما يموت ابسط شخص منّا وفينا ، وفوزي الذي عرفته الساحة العسكرية والرياضية الكروية والذي باغته الموت على حين غرة وهو في اوّج نشاطه وصحته ( 63 سنة ) مات في داره ولوحده صامتا وبهدوء عجيب فارق الحياة قبيل اوانه ، هو من قريتنا الأثيرة ( باقوفا ) ومولود في كركوك حيث كان والده الشماس القدير داوود يعمل خبيرا في شركة نفط العراق IPC وشماسا في المساء ، وباقوفا التي انجبت رموزا كلدانية كبيرة وتغفوا وتستيقض على تلّها الجبلي الصغير كما تقول الكتب كان قلعة او حصنا آشوريا وأهل باقوفا تلك الايام كانوا يعملون في مهنة قطع وتهذيب الاشجار والاخشاب للجيش الاشوري العرمرم ، حتى وصلت هذه الامبراطورية الى اقاصي الدنيا بعد ان وقعت مصر الفرعونية في قبضتها .
كان عالم فوزي الصغير كرة القدم والسباحة كما كل العراقيين لكن فوزي اللاعب الكروي الماهر والعنيد صال وجال في ملاعب الكرة وفنونها الجميلة حتى تألق في مباراة النادي الاهلي العراقي ( منتخب بغداد الاهلي ) مع فريق سبارتاك بطل اندية روسيا على ملعب الكشافة عام 1962 والذي تغلّب على المنتخب العسكري العراقي ولكن المنتخب الاهلي الذي كان يقوده فوزي داوود ووليم شاؤول بنيامين واللاعب الراقص البرت خوشابا وشقيق عمو بابا اللاعب بنوئيل بابا والكابتن لطفي عبد القادر وغيرهم ، وقد فاز فريق منتخب بغداد الاهلي على الفريق الضيف بهدفين مقابل هدف واحد ، حملت جماهير الكسرة الحاشدة اللاعب المتألق فوزي على الاكتاف وطافت فيه وسط الجمهور الكبير مع اهزوجة ( من كايلّك تلعب طوب ) ، لم يدم فوزي في الملاعب طويلا بعد ان نصحه الاطباء بترك اللعبة التي احبها بسبب كسر متعمّد في قدمه من قبل اللاعب الشقي علي شعيطه والذي كان من أشقيائية صدام تمّ قتل شعيطه بعيد 1968 .
كان فوزي عسكريا فعالا ( فرقة مشاة الجيش العراقي ) وهو أول من دخل الحصن المنيع للقائد الأسطوري الكبير الملا مصطفى البرزاني ، ومن المناسب هنا ان نكشف عن سر طالما اخفاه العقيد فوزي في واقعة المعركة التي جرت في كردستان العراق حيث وجد العقيد فوزي عدد من البيشمركة الاكراد بأمرة جنوده وهم في حالة يرثى لها فتظاهر العقيد فوزي امام جنده انه يعتقلهم وكان في الحق يحميهم عندما اصدر اوامره بمنع رميهم كونهم اسرى حرب . ذات ليلة شتائية باردة ووسط زمهرير هذا الجو الشتائي خرج فوزي ليلا الى معسكر اعتقال الاكراد وهمس في اذن احدهم بعد ان افاقهم من النوم : تسللوا عبر الباب الخلفي بهدوء وصمت فقد فتحت لكم الممر الخلفي ، في اليوم التالي كان كل المعتقلين احرارا .
المحيّر في شخصية هذا الرمز الجميل أنه كان هادئا وصامتا ومقلا في علاقاته الاجتماعية ، حاولنا هنا في سان دييغو بمعاونة الزميل فاروق كوركيس ( ابن عمّه ) اخراجه عن هذا الصمت الطويل المخيف والعزلة الاختيارية التي وضع الفقيد نفسه فيها ولكننا فشلنا في هذا المسعى ، حسب عائلته زوجته وولده وبناته كان في جوهره عاطفيا وشفافاً ويكبت همومه واحزانه ويتأثر بعذابات الانسان وكان يمسح دموعه بخجل امام اي منظر او لقطة مأساوية .
لقد غادرنا بغتة الرجل الذي كان ينضح بالعرق حيا وميتا وكأنه كان يريد في وداعه ان يعلمنا هكذا هو الانسان من التراب والى التراب يعود . في قاعة الدفان وفي كنيستنا الكلدانية وعندما وريي الثرى قدمنا له اكاليل الزهور ونثرنا على قبره الورود وهذا هو على وجه الدقة عجز الانسان امام سر او لغز الموت الرهيب الذي جعل الملك العظيم ( كلكامش ) يهرب من مملكته بين البراري بحثا عن سر الخلود بعد ان فقد صديقه الصدوق ( انكيدو ) ، مرّة اخرى من التراب والى التراب نعود والرحمة الواسعة للفقيد .