بالتأكيد من الألم يتولد الحزن ، وكلنا أسف لِما أصاب رؤساء الطوائف المسيحية الشرقية الأرثوذكسية في العراق من هذين الغَمَّين اللذين عكرا صفاء سمائهم ، واول ما يلفت انتباهنا ونحن نتأمل كلمات هؤلاء الرؤساء الافاضل هو ان ما اصابهم من الألم والحزن بحسب بيانهم كان نتيجة ما ورد في المحاضرة التي القاها البابا بندكتس السادس عشر في جامعة ريغنسبورغ جنوب المانيا.
ومما لف الانتباه ايضآ ، ان رؤساء الطوائف الكرام قد اصدروا بيانهم بحوالي 48 ساعة من محاضرة قداسة البابا بندكتس السادس عشر ، أي قبل صدور معظم ردود الافعال من علماء وأئمة وشيوخ المسلمين انفسهم ، وكأنها فرصة ويجب استغلالها واستثمارها جيدآ ، والادهى من ذلك ، ان الموقعين على البيان قد رفضوا كل ما جاء على لسان البابا حول الاسلام في حين ان معظم العلماء والأئمة وشيوخ المسلمين قد طالبوا التريض ومطالبة البابا بالتوضيح الا الأقلية المهرجة التي طالبت قداسته بالاعتذار . واغرب ما جاء في هذا البيان هو بعد رفض رؤساء الطوائف الارثوذكسية في العراق لكل ما جاء في محاضرة البابا حول العنف في الاسلام طالبوا الفاتيكان بتفسير وإيضاح للأمثلة الصادرة عن البابا وبالسرعة الممكنة . السؤال هو ، ما فائدة التفسير والايضاح بعد قرارالرفض المطلق الذي اصدروه مسبقآ ؟ بصراحة وانا اقرأ هذا البيان راودتني افكار كثيرة ومنها ، لو كان هذا البيان قد وُضِعَ من قِبل جهة علمانية ومهما كان موقعها ومذهبها المسيحي لاتهمتها فورآ بمحاولة طعن المذهب الكاثوليكي في الظهر ، او على الاقل تجاهلها ولكني وقفت مشدوهآ غير قادر على استيعاب وتفهم ابعاد موقف رؤساء الطوائف الارثوذكسية في العراق من هذه القضية ، خاصة انهم لم يُضطروا لاصدار مثل هكذا بيان ولم يُطلب منهم تعليقآ او رأيآ .
حقيقة ، ومنذ ان انطلقت هذه الحملة الظالمة على قداسة البابا بيندكتس السادس عشر وانا اسأل السؤال الذي لم أجد له جوابآ الى هذه اللحظة وهو ، ماذا جاء من عنده قداسة البابا لكي يرفضوا كلامه والبعض يطالبه بالاعتذار ؟ ولكي اسهل للجميع واختصارآ للجهد والوقت أقدم لكم اهم ما اثار مشاعر الغضب والاستياء لدى المحتجين المسلمين وغير المسلمين ، وبعدها سأدعوا اهل الحكمة والانصاف ان يحكّموا ضميرهم قبل ان يحكموا بالعدل . ومن اجل ذلك استطيع ان الخص الموضوع بالفقرة التالية:_
موضوع محاضرة قداسة البابا كان حول (العلاقة بين الايمان والعقل والعنف في المسيحية وفي الاسلام) . وفي سياق حديثه ، استشهد اكرر استشهد بكتاب عنوانه"حوارات مع مسلم، المناظرة السابعة" للامبراطور البيزنطي مانويل الثاني (1350-1425) ، علمآ بأن ذلك الحوار كان قد جرى بين الامبراطور المذكور وعالم فارسي مسلم .ومن ضمن ما جاء في ذلك الحوار الذي كان يدور حول العلاقة بين الدين والعنف ، هو السؤال الذي طرحه الامبراطور على محاوره المسلم ، والذي كان ، ( ما الجديد الذي جاء به محمد. لن تجد الا اشياء شريرة وغير انسانية مثل امره بنشر الدين الذي كان يبشر به بحد السيف. ). ومن ثم يسترسل الامبراطور في شرح اسباب كون نشر الايمان بالعنف مناف للعقل . وعنف كهذا مخالف لطبيعة الله ولطبيعة الروح.الله لا يحب الدم والعمل بشكل غير عقلاني مخالف لطبيعة الله. الايمان هو ثمرة الروح وليس الجسد . من يريد حمل احد على الايمان يجب ان يكون قادرا على التحدث بشكل جيد والتفكير بشكل سليم وليس بالعنف والتهديد ... لاقناع روح عاقلة لا نحتاج الى ذراع او سلاح ولا أي وسيلة يمكن ان تهدد احدآ بالقتل .
وهنا ، نتوجه لرؤساء الطوائف الارثوذكسية في العراق بالسؤال ، اين اخطأ قداسة البابا ( لا سامح الله )
1- هل اخطأ لاستشهاده بمادة او بحوار فكري تاريخي قديم ، اتُهمَ احد اطراف ذلك الحوار بممارسة العنف الذي هو مناف للعقل ومخالف لطبيعة الله ، واليوم اصبح ذلك الطرف ذات عدد وعدة وقوة ، من ثم وبحسب بيانكم وجب عدم الجهر بالحقيقة مراعاة لمشاعره ، حتى لو كان ذلك من باب حسن النية والمعاملة لاقرار الحق . اذا كان هذا السبب ، فيكونوا رؤساء الطوائف قد ظلموا الحق والتاريخ كثيرآ ، ولن يكون بمقدورهم من الآن وصاعدآ تأييد أي مطلب اوالاستشهاد بأي مرجع تاريخي ولا بمراجعة أي حدث من احداث التاريخ ، مثل مطالبة الحكومة العراقية والاكراد والاتراك بتحمل مسؤولياتهم الاخلاقية والتاريخية بالاقرار والاعتراف بالمذابح التي ارتكبت بحق شعبنا ، لأن مثل هذه المطالبة قد تجرح مشاعر هؤلاء الاخوة ايضآ وربما تستفز البعض منهم .
2- هل تعتقدون أنه اخطأ لمضمون المادة التي تناولها ؟ أي ان استشهاده والايحاء بأنه مؤمن بالقول ان ، العنف هو مناف للعقل ومخالف لطبيعة الله ، يعتبر بحسب رؤساء الطوائف الارثوذكسية في العراق مخالف للايمان المسيحي الذي يؤمنون به ، اذا كان الامر كذلك ، فنحن الكاثوليك نبني ايماننا من جهة الله بكونه محبة ، ومن جهة علاقتنا مع كل البشر على الوصية التي اوصى بها الرب يسوع المسيح التي في وردت في الانجيل المقدس والتي تقول ( لكني اقول لكم ايها السامعون احبوا اعداءكم.احسنوا الى مبغضيكم، باركوا لاعنيكم.وصلّوا لاجل الذين يسيئون اليكم ... ) إذن ، لا مجال ولا مكان للمجاملة او لتمرير غايات على حساب الحق والمباديء .
3- هل اخطأ من ناحية التوقيت ؟ ولكن السؤال الذي نطرحه على الرافضين لكلام قداسة البابا بيندكتس السادس عشر هو ، متى كان التوقيت مناسبآ في الماضي ؟ ومتى سيكون التوقيت مناسبآ في المسقبل ؟ بالتأكيد لم ولن يجدوا الاجابة ولا الوقت المناسب ما دام العنف مغطي بتبريرات دينية ...الهية . لا شك ان التحدي الأول والاكبر الذي يواجه كل المجتمع الدولي بما فيه المجتمعات الاسلامية ذاتها و في هذا الوقت بالذات هو العنف والارهاب المبرر دينيآ ، وقد اصبح محاربة الارهاب خيارآ لابد ان تختاره كل امة وقبيلة ولسان ، لذلك يكون موضوع العنف وعلاقته مع الايمان والعقل في المسيحية والاسلام الذي اختاره قداسة البابا ليكون جزءآ من محاضرته قد جاء في وقته المناسب ، أي لم يأتي قبل الحملة العالمية على الارهاب ولا متخلفآ عن البشرية في مكافحة تلك الآفة المدمرة ، فعلآ كلام قداسة البابا اتسم بالجرأة لقول الحقيقة ، تلك الجرأة التي يفتقدها الكثيرون .
لا نجافي الحقيقة اذا قلنا ان ما ورد على لسان قداسته هو نفس الكلام الذي نسمعه ويردده كل مسلم متنور محارب للارهاب ولتجار الدين الذين يدعون لفقه الكراهية والرعب والعنف الاعمى الاهوج ، وعلى سبيل المثال لا الحصر ، اذكر نموذج لكاتبة مسلمة ، مرموقة ، جريئة لا تستر ولا تتردد في مقارعة الظلم وعدم الخوف من الظالمين ، لا تعترف بالزمن والتوقيتات ، ليس عندها خطوط حمر ولا صفر ، لا حدود لمواجهة كل ما يستهدف الانسان بكل ما تعنيه الكلمة من معاني واهداف نبيلة ، انها الكاتبة ناهد رمان ، اسمحوا لي ان انقل لكم في ادناه رابط للمقالة التي كتبتها الكاتبة ، والتي جاءت بعنوان ( رمضان والبابا او المسلم العجيب ) وسوف اترك التعليق لكم ولكي تتأكدوا بأنفسكم ان ما ورد على لسان الملك البيزنطيني ومن ثم على لسان قداسة البابا بندكتس السادس عشر يرد ايضآ على السن المسلمين المتنورين ايضآ ، ومع ذلك سأقتبس الجملة الاخيرة من المقالة والتي تقول فيها (يابندكيت السادس عشر احتجوا لانهم يريدون الضحك على البشر. ) .
http://www.kitabat.com/i20138.htm فشكرآ لقداسة البابا بندكتس السادس عشر ، وشكرآ لكل مسلم ينبذ العنف والتطرف الديني القاتل تحت اية تسميات كانت ، وشكرآ لكل شخص يدافع عن انسانية الانسان مهما كان لونه وجنسه ومعتقده .
4- بصراحة ، لم اتوصل الى سبب آخر يجعل الآباء ورؤساء الطوائف المسيحية الارثوذكسية في العراق لكي يجانبوا الحق وبالتالي يرفضوا كل ما ورد على لسان قداسة البابا بندكتس السادس عشر حول العنف في الاسلام لدرجة انهم لم يصبروا او ينتظروا التوضيح من الفاتيكان او من قداسة البابا شخصيآ قبل اللجوء الى اسلوب الرفض او القبول . رغم كل ذلك ، انا لا اقول انها كانت لغاية او لغايات في نفس يعقوب ، او انها كانت طعنة في الخلف ، حاشا وانا اخاطب الآباء الافاضل ان اردد الجملة الاخيرة التي وردت في مقالة الكاتبة المسلمة ناهد رمان ، بل كل ما نتمناه ان يكون السبب الحقيقي نابع من حسن النية ومن القيم والمباديء المسيحية الرائعة .
منصور توما ياقو
20 / ايلول / 2006