جـمعـية شـيرا الـربـّان هـرمـزالـكـلـدانـية الأسترالية - ماضـيها و حـاضـرها

المحرر موضوع: جـمعـية شـيرا الـربـّان هـرمـزالـكـلـدانـية الأسترالية - ماضـيها و حـاضـرها  (زيارة 1134 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل مايكـل سيـﭘـي

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 2471
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
جـمعـية شـيرا الـربـّان هـرمـزالـكـلـدانـية الأسترالية
( ماضـيها و حـاضـرها )


القسم الأول – من البداية وإلى 20/10/1997


بقـلم : مايكـل سـيـپي / سـدني

المـقـدّمة :
شـاء والـدانا أنْ ينجـباننا وبهـما إلى هـذه الحـياة أتينا. حـياتـنا عـمل وفـكـر ، إرادة ومثابرة ، صـمود ونجاح وعـبَـرٌ تـُذكـِّـرنا وتُعـَـلـّمـُنا ، وقـد تكـون عـند البعـض كـَسل وخـمول ، ضعـف وتراجـع ، هـزيمة وفـشل ، ومِنْ عـجـزهـم لـمْ يَرَوا مغـزىً فـيها تفـيدهـم . وقـد قال مـفـكـّر: مـَنْ لا يعـمل لا يخـطأ . وفي الحـقـيقـة كـلـّـنا نعـمل وكـلـّـنا نخـطأ فـنتجاوز الخـطأ بتصحـيحـنا . ولكن الخـاطىء الأكـبر مـَنْ لا يخـطأ بيـننا ، لأنه لا يزرع ، ولا يحـصـد ، ويـُرافـق السيد راشـد ، فـلا يخـطأ مثـلنا وبالتالي فـهـو يعـتقـد أن ليس بحاجـة إلى تصحـيحـنا ، وهـذا يكـون حـجـر عـثرة في طريقـنا . أما نحـن فـبكل تواضع عـملـْـنا في سُـلـّم الحـياة أطفالاً ، صـبياناً ، مراهـقـين ، شُـبّاناً ، واليوم كـهـولاً وتجاوَزْنا . صـعـدْنا ووصـلـْـنا النقـطة الـعـليا ثم انحَـدرنا ، فـلا ننـتـظر تيجاناً نـتوّج بها رؤوسَـنا ، ولا كـرسيّ الرئاسـة نضـعـه تحـتـَـنا ، ولا عَـصا الراعـي بيـدنا ، فـتلك صارت منْ طموحات أولادنا وإنهـم يصعـدون الـتـلـّة منْ بَعـدنا ونهـدي لهـم كـراسـينا ، قـبّـعـَـتـنا ، وصَـوْلجانـنا . لا عـجـباً إذا رأيتُ عـباءة الشيخ عـند ( إيسف باخـوخا مـثلاً ) أو أحـدهـم مِنْ أهـل شـَمّرْ ، ولكن أتـَرَوْنـَـها تـليق بمَنْ لم تعـزفْ أصابعـه وتـَر ، أوْ لمْ تـطأ رجـليه سطح القـمر؟ . أفـَلا تـكـفـينا رئاسـتـنا في بيـتـنا الأغـر؟ أم أنّ ذلك وَهـَسٌ أو هـَوَسُ عـقـدٍ بـلا شـذر ؟ وهـنا في عـزّ الـكلام لـن يسكـتَ الكـلام فـأقـول : الرئاسـة ليست عـيباً بل هـي تطوّع وقـد تكـون اخـتياراً منْ أجـل الخـدمة ( أما بالقـوة فـذلك موضوع آخـر ) ، ولكـن مَنْ يبحـث عـنها فـلــْيأخـذ نفـسه إلى داخـل مثلــّث رؤوسـه ( جـورج واشنطـن ، نلسـون مانديلاّ ، دكتاتورالعـوجـة ) ، ويخـتار أحد المقاعـد من تلك الثلاثة وعـندئـذ سـيُعـرّفـنا بمعـدنه .

 إنـني أضـع هـذا الكـُتـَيب البسيط بين أيـدي أولادنا وأحـفادنا ليقـرؤوا عـنـّا ويفـهـمونـنا ، ويـستمتعـوا بقـصـصنا ، فـيتبعـوا صـوابنا ويتجـنـّبوا إخـفـاقـاتـنا . وسـوف لن أذكـرَ أسماءً فـيه إلاً إذا اسـتشـرتً أصـحابَها . ولـن أذكـرَ قـصة وأقــْوالاً إلاّ العالقـة منها بذهـني تـلك التي أنا واثـق منها وليس غـيرها . وأعـرف أنّ بعـض الناس ( لا كـلـّهـم ) يكـرهـون الحـق لأنـهم معـْـتـَدون ، يبـيعـون بكـيل وبـكيل آخـر يشـترون ، الخـط ّ المسـتقـيمَ يرفـضون لأنّ مـسارهـم لا يوازيه وهـُمْ ينظـرون . ليس نقـوداً عـندهـم ولكـنهـم عـنْ ( ريـشا دْ قـرطالا ) يبحـثون ، وحـينما تكـون الـدعـوة ( خـْشـيوا دْ لا خـَشاوا ) فـإنهـم صـدارة الـديوان يخـتارون ، وهـم أوّل الناس عـلى مقالي سـيعـترضـون ، والبعـض ( وببالغ الأسف) ذوو وجـهـين ولا يـُبالـون ، فـمن جانب يمتهـنون التحـريض ضـدّ رفاقـهـم ثم عـند رفاقـهـم عـنـّا يتكـلمون ويلومون ، وسيأتي اليوم الذي فـيه ينكـشفـون . وإذا كان هـناك مَنْ يتباهى بتحـريك مـِقـْوَد سيارتـه بخـُنـْصُره ، فـماذا يقـول ذلك الذي يُحـَرّك مركبات فـضائية بـكونـتـْروله - Remote Control -  لا بـَلْ بعـقـل إلكـتروني دون أنْ يـمسـّه ؟ . وهـنا أودّ أنْ أسـأل : إنْ كان هـناك واحـد ٌحـفـرَ إسمه عـنوة عـلى جـدران باب عـشتار الكـلدانيّـين ، فـهـل يسـمّى باني بابل مع البابليـّين ؟ وإذا كان أحـدهـم لم يضع ( زگـرا = حـجـر ) في الأساس ، فـهـل يسـمّى مؤسـِّساً كالمؤسّـسين؟ فـما رأيـكم بمَنْ كان يلغي صرحاً مِنْ تـَوْصـية المستـشاريين ، هـل يُعـقــَـل أنْ يكـون مُـحافـظاً عـليه كالـمقـيمين ؟ .
 إنني أنا كاتب المقال ، أقـول في الديباجـة في أدناه : أنا الموثـق الفـريد ، فـماذا تريـدون ؟ وإذا أحـدهـم دقّ قـلبه ورفع أصـبعـَه وادّعى أنّ المقـصودَ في مقالنا هـو حضرتـُه ، عـندئذ فجوابـنا له : أخي ( If it is fit , wear it ) .
 حـمانا الله منْ شـرّ الأشـرار و قـرّبنا منْ بــِـرّ الأبرار . وليس منْ أخـلاقـنا الـتملـّقَ حـتى للأحـبار، إنـنا بهـذا أشـْبَه بالـثوّار ، ونعـْمَ المسار . لقـد كـتبتُ قـصيدة نشـرتها في جـريدة - عـما كـلدايا- عـام 2001 جاء في أحـد أبياتها :
إنّ الـلـسانَ لـبيبٌ ليس يـُبتـذل        لكـنّ مثـلي له القـرطاس والقـلم .......
ومع ذلك ، وحـباً بالمواجهة والمصارحة منْ أجـل المصافحة فـنحـن لها ، وأمام الـملأ منذ البارحـة . فـلا محاباة عـندي في سبيل الحـق، ولا محـسوبية معـي في العـدل الساحـق . كما لستُ من الـذين يُـتـَمْـتمون في الخـفاء اللاحـق ، أطلب من الله أنْ يوَفـّق القـلم في الكـتابة ، تـُعـيْـنـُه الإبهام والسـبّابة ، لنخـدم الـخـلاّن والأحـبابَ ، وأهـلاً بكل قـاريء ومرحـبا. 

الـديبـــــــــــــــــــــاجـة :
أنا الموثـق الفـريد ، أرنـّم ترنيمة لـكل مَنْ يـريـد
فـيـَـسْمعُ ترتيـلتي الـدانــــــي والبعـيد
لا عـتبٌ ، لا حـجـّة ، في طـلب المزيد
 دعـَوْتُ  داود  هـنا لـيُنـشد هـذا النشـــيد:
( ألـلهـمّ َ ارحـمني بحـسب نعـمتكَ )
( وبـرحـمتك الواسـعـة أمحُ آثامي )
( إغـسـلـني كـــــــــــثيراً منْ إثـمي)
( ومن خـطـيّـتي طــــــــــــــهـّرني )
( فإني عارف آثامـــــــــــــــــــــي )
( وخــــطاياي أمامي في كل حـين )
( إليــكَ  وحْـــدكَ أخـْـــــــــــــطأتُ )
( والشـرّ قـدّامكَ صَــــــــــــــنعـْتُ )
...........................................

الإنسان حـياة وولادة ، تربية وإرادة وكـياسة
 فـكـرٌ ، صــحّ  وخـطأ ومـمارســة
 فـخر ومذمّة كـلها عـِبـَرٌ وفـِراسة
 تـجارب ونتائـج ودراســــــــــــــة
ثم مغـادرة ، وتبقـى الـذكرياتُ ذكـرياتٍ
خالـدة ًعـند ذوي الهـمّة والحـماسة.

تباً لأزمان لم يعـد لها مقياسُ ديوان وميزان
النمل يـدبّ فـوق الـورد والزهـر والأقـحـوان
والفـيل لم يرضَ بالخرطوم بل يطلبُ التيجان
والأسـد الرابض في بابل تناسـى الصَـوْلجان

أين الرفاق منْ أحـباب وخــــلاّن
الجالسون في صـــــدارة الديوان
خـــذوا كُــلوا منْ جـثـّة الــثيران
خذوا اشربوا منْ منهل الجـيران
نحـن هـنا نسْـــــــمعُكم منْ مدخـل الديوان
قـولوا لنا ما عـندكم منْ قـصص الصـبيان
فإنـنا في الجُمْعــة ســـــــــنحـمل الصلبان
نرنـّم نرتـّـل تســبـيحة الإخـوان
نـسأله إلهَـنا أنْ يمنح الغـفـران
لكلّ قاصي وداني وهادم البنيان

عاصـفـة هَـوْجاء ، هـَبّ ترابـُها بحـرارة
أشْعَـلتْ حـبّ الكتابة عـندي  للـدفء والإنارة
 لا للحـرق والإثارة .
شكـرٌ وتقـديرٌ لـمَنْ حَـفــّزَنا كـقـدْحَـة وشرارة
لـتخـلقان شاعـراً في الحـب والبشارة
يرفـع أنقاضه ،  يسـتـنشـق عـطـورَه منْ زهـرة المَرارة

 يعـمل الإنسان ، فـيصيب ويخـطأ :
 حـصلتُ اليوم عـلى كتاب قـيّم من تأليف أستاذي في مرحـلة الدراسة الإبتدائية نوئيل قـيّا بلــّو عـنوانه ( حـوادث مهـمة في تأريخ ألقـوش الحـديث ) ، يذكـر فـيه مآثر آبائنا وأجـدادنا الألقـوشـيين كي نفـتخـرَ بهـم أولاً ثم نتـّخـذ منها نبراساً لنا فـينير الـدربَ أمامنا من جـهـة ، ومن جـهـة أخـرى نتبع المسار نفـسه ما استطعـنا ذلك سبيلا. إنه فـعـلاً عـمل يستحـق الـثناء عـليه . ولكن خـبرات الأجـداد واسعـة وعـظيمة ، ولم تقـتصرعـلى الإيجابيات فـقـط ، بل ولابد منْ ، أنّ هـناك أخـطاء في المـمارسات والأفـكار لم تكـن متعـمـّدة وإنما اسـتخـلصوا نتائجـها بعـد حـين من تجـربتها وإخـتبارها . إنّ تلك مـهـمّة جـداً لنا ، كي نـنتبه نحـن أولاً فـنتجـنـّبها ، ثم نـُـنــَبّـه أولادنا والأجـيال القادمة من أحـفادنا فـلا تتكـرر عـندهـم مثلها. وقـد كـلــّـفـتُ أحـد أصـدقائي في كاليفـورنيا أنْ ينقـل هـذه الفـكـرة منْ لساني وإلى أستاذي الفـاضل عـسى أن يخـرج إلينا بمؤلــَّـف آخـَريتضمّن ما أشـّرتُ إليه ، فـقال لي إنه سينقـل إقـتراحي للأستاذ نوئيل بأمانة.
جانب من ذكـريات الـصـبا :
ترجـع بي ذكريات الطـفـولة إلى فـترة الـصبا في نهاية الخـمسينات في ألقـوش بلـدتنا الـكـلـدانية ، بلـدة الآباء والأجـداد ، ونحـن صـغار كنـّا نستمتع بالعـطلة الصيفـية ، أما الكـبار المتفـرّغـين ومعـهـم الشـيـّاب منْ المحـلــّة التحـتانية وخلال أوقات العـصر منْ أيام الصيف كانـوا يجـلسون جـلسة ديوان الرفاق ، أمام دار المرحـوم ( زورا جـبّو لاوو) ولم نكـن نحـن الصغار نـتجـرأ أنْ نشاركـهـم لابل وحـتى أنْ نمـرّ من أمامهـم خـشية التوبيخ . كان أولـئك  الشياب يتجاذبون أطراف الحـديث عـن ، أخـبار العالـم ، أخـبار العـراق كـكل ، الحـروب وتحـليـلاتها والخـبرات الشخـصية وبطولاتها . كـما أتذكـّر جـيداً ديوان القـس المرحـوم هـرمز صـنا حـيث كنتُ أصاحـب والدي مرات كـثيرة وأنا في مرحـلة الدراسة الـمتوسّـطة ، فـكان يبدأ مساءً من الساعـة السادسة ثم وفي الساعـة الثـامنة يستمعـون إلى أخـبارإذاعـة لـندن أوغـيرها ، وبعـد نقاش قـصير حـول تلك الأخـبار يحـين موعـد نـهاية جـلسة الـديوان المـمتعـة تلك ، ويغادر روّاده  بحـدود الساعـة الـثامنة والـنصـف .
.  كما تعـوّدنا أيضاً ونحـن في الدراسة الإعـدادية حـضور ديوان القـس الـمرحـوم يوحـنان چـولاغ الـذي كان عـلى الأغـلب للشباب حـيث نتعـلـّم ونتـدرّب عـلى الألحان والأناشيد الـكـنسية ، وكـذلك كـنا نـدخـل بنقاشـات دينـية ما كانت تخـلو من مفاهـيم فـلسفـية ولاهـوتية . وكم منْ مرّات ومرات صادف وقـت عـشاء ( الـرابي - أياً منهـما ) وضيوف المساء عـنده ، فـكان يُـؤتى بطبق عـشائـه البسيط والأنيق ويأكـل أمامنا بمنتهى العـفـوية والراحـة البيتية.
التوثـيق وأهـميّـته:
كم هـو الآن بودّنا لـو أنّ تلك الـلقاءات والحـوارات والنقاشات وأحـياناً المجادلات الحـادّة ، كانت قـد وُثــّقــَتْ أو سـُجـّـلتْ بأية صورة حـتى نطـّـلع عـليها اليوم ونستمتع بقـراءتها فـنستـفـيد منْ نتائجـها ، أخـطائها وصوابها ، وكـذلك نستكـشف أفـكـار مَنْ سبقـونا ومصـطلحاتها ، ونوعـية الـمشاكـل وكـيفـية الفـعـل و ردّ الفـعـل لـدى أصحابها ، نتعـرّف عـلى نفـسـيّة أجـدادنا ورغـباتها وطموحـاتـها ، و مرونتها مع الآخـرين في تعامـلها.

هـذا هـو الـهـدف منْ فـكرتنا التوثـيقـية ، فـهي ( سـنـدٌ ، صـك ٌ ، كومـپـيالة ، خـتمٌ ) لـلإثـبات كـصورة طـبْق الأصل.   
لـذا فـإنّ  أصالة الآثار والوقائع تـتميّـز بوثائقـها الـمدوّنـة أو المصـوّرة أو المشَـيـّدة ، وربـّما المتوارَثة شـفـوياً عـبر الأجـيال أيضاً. وكم منْ حـضارات بأحـداثـها وآثارها لم يـعُـد لها وجـود اليوم ولا نعـرف عـنها شيئاً سوى نظريات وأسماء يضعـها العـلماء لها وذلك بسـبب عـدم توثيقـها أو تـَلــَف وثائقـها ، كالإنسان الـقـديم والعـصور الحـجـرية والجـليدية ، ونشوء الأرض والحـياة ، والـذين هـبطـوا من السماء .
إنّ التوثيق لا يعـني رصد الجـوانب الإيجابية فـقـط ، من حـياة الـفـرد أو شريحـة معـينة من الناس ، وإنما رصد كل نوع منْ أنواع النشاط الفـكري والسـلوكي وبسلـبياته أيضاً ، وإلاّ كـُنـّـا منافـقـين من الدرجـة الأولى.
القـوش العـريقـة:
فالوثيقـة ، هي إثـبات وجـود وكــَيـْنونـة لـحـدث أو واقـعـة أو أثـر حـضارة ، تلغـي فـرصة الـتشـكــّك بها . ومن هـذا المنطـلق فإنّ الكـتاب المقـدّس بالإضافـة إلى كـَونـه  مبادىء الأيمان ، فإنـّه أيضاً وثيقـة ، ومهـمة جـداً . وعـنـدما نقـرأ سـفـر ناحـوم في العـهـد القـديم من كتابنا المقـدس ومن سطـره الأول ، يتـّضح أمامنا أن قـرية ألقـوش عـريقـة جـداً عـمرها المـوَثــّق لا يقـلّ عـن 2700 سنة ، وبكـل تأكـيد أنّ هـناك قـرون وقـرون مـمتـَدّة من بـداية توثيقـها وإلى ما لا يمـكـنـنا تخـمينه إلى الـوراء فـكم هي ألقـوش قـديمة !. إنّ ذلك يعـتبرمن أحـد أسباب عـراقـتها وشـهـرتها تأريخـياً .
 أما جـغـرافـياً فإن موقـعـها عـلى سفـح جـبل أشم ، جـعـل منها قـلعـة محـصّـنة ومنها إسـتـمدّ سـكـّـانها ( الألاقـشة أو الألـقـوشـيّون ) الشـجاعـة والشـهامة والنـخـوة والكـرم منذ زمن طويل ، بالإضافـة إلى الشـهرة والتقـدّم في مجالات النشاط الـذهـني ، والتعـمّق في الإيمان بعـد إعـتناقـهـم الـدين الـمسيحي حـتى صارت مركـزاً رئيسـياًً ومهـمّـاً للرئاسة الكنسية في شرقـنا الواسع . ومن هـنا برزتْ ألقـوش ( كقـرية صـغـيرة) بين غـيرها من القـرى ، وصار يـُشار إليها بالـبنان ، سواء منْ قـِبـَل سـكـّان الـقـرى الأخـرى أو منْ قـِبَل مراكز السلطات المـدنيّة في كل الأزمنة . ومن المناسب أنْ نذكـُرَ أنَّ قـرية أخـرى تحـمل أسم ( ألقـوش ) توجـد في إسرائيل – فـلسطين ، ولا أدري أياً منهـما مشتق إسمُها من الأخـرى .

إنّ الأرض لا تـُنـبـتُ أناساً ، بل يأتي إليها الناس ليسكـنوها أو ليحـرثـوها ، لـذا فإنه منطـقيٌ قـولـنا : أنّ أهالي ألقـوش ( منـذ البـدء) قـد جاؤوا من مكان آخـر و بـدؤوا بـبنائها . لكـنـّّهـم وعـبر مئات وآلاف السنين صارت الأجـيال المتعـاقـبة عـليها تشعـر وكأنها متأصّـلة ومـتجـذ ّرة فـيها ، وبهـذا إكـتـسبتْ صـفـة الأصالة ليس لأولـئك فـقـط ، وإنما كل مَنْ سكـن فـيها لبضـعـة قـرون صار منْ سـكـّانها الأصليـين . ثم إمـتدّ هـذا الشـعـور إلى أولـئك الذيـن إنتقـل محـل سكـناهـم إلى ألقـوش بسـبب العـمل طويل الأمـد أوالزواج أو هـرباً من الإضـطـهاد وذلك حـباًً بألقـوش. إنّ هـذا الشـعـور بالـفـخـر والإعـتزازبـهـذه الـبلـدة الـعـريقـة جـعـل سكـّانها في الماضي لا يفـكـّرون بمغـادرتها إلاّ في حالات قـليلة وفـردية لـمْ  تجـذب الإنتـباه كثيراً.
الهـجـرة:
 ولكن بمرور الزمن وتغـيّر الـظروف المـعـيشية والإجـتماعـية من جـهـة ، وطـلب العـلم من جـهـة أخـرى ، أضـف إليها التقـلــّبات السياسية وتأثيرها عـلى شعـب المنطـقـة بصورة خاصة ، والإلتـحاق بالأقارب كـعامل آخـر، كل ذلك شـجـّع الـكثيرمنْ أهالي ألقـوش بمغادرتها والنزوح إلى الـمدن الجـنوبية مثل الموصل، بغـداد ، البصرة ، وكـركـوك .
ولكن الـسـنوات الـخـمـسين الأخـيرة في العـراق شهـدتْ حـروباً وانقـلابات ، إضطهاد وويلات ، تهـجـير واغـتيالات في كل المحافـظات ، كانت سبباً في تغـيير مجـرى تفـكـيرهـم حـيث لا مـفـرّ من التخـلــّص من كل تلك الظـروف إلا بمغادرة العـراق كـَكـُـل ، خاصة عـندما صارمعـلوماً لـدى الجـميع أنّ هـناك دولاً تقـبل لـجـوء الشعـوب الـمُـضطهَـدة
فأخـذ الألقـوشيون بمغادرة ألقـوش و الـعـراق بصورة عـامة إلى دول الـمهـجـر كأستراليا وغـيرهـا.
الإعـتزاز برمـز ألـقـوش:
في أعـلى الجـبل المشرف عـلى سـهـول القـوش ومن الجـهـة الشمالية الشرقـية لـها ، يُطـلّ أثـرٌ تأريخيٌ صامـد منذ منتصف القـرن السادس ، تكـتنفـه قـمَـمٌ عالية من أطرافـه الـثلاثة كـ ( سورمنيع ) ، إنـه ديـرالـربـّان هـرمز( الراهـب هـرمـزد- من أصل فارسي) حـيث جاء هـذا الناسك وسكـن لأول مرّة ولوحـده فاعـتزل مبتعـداًعـن العالم للتقـشـّف والتزهـّد. ولأنّ هـذا الدير صار ذي شـهـرة ، أصبح إسمه مرتبطاً بإسم ألقـوش ، وإسم ألقـوش مرتبط بـه. وقـد خـَصّـصتْ الكنيسة الكـاثوليكية الـكـلدانية يوماً من أيام السنة للإحـتفاء بـذكراه ، وهـو الإثـنين الثاني بعـد عـيد القـيامة ، إلاً أنّ أهـل ألقـوش أصبحـوا يقـيمون مـهـرجانهـم الترفـيهي هـذا والـذي يسـمـّونه ( شـيرا دْ رَبـَنْ وَرْمـسْ ) في يوم الأحـد الثاني بعـد عـيد الـقـيامة باعـتبار يوم الأحـد عـطلة رسمية. وفي هـذا العـيد كانوا يخـرجـون إلى السفـح المـُمَـهِّـد لمدخـل الوادي الواسع والذي يركن الدير في صـدارته العـلـيا وكـذلك ينتشرون داخـل الوادي نفـسه وعـلى جـوانبه تحـت ظلال الأشجار المتبقـية أو تحـت سقـوف كهـفـية ومعـهـم مشروبهـم الكحـولي وأكلاتهـم الشهـية ، ويقـضون نهارهـم السعـيد هـذا بممارسة ألعاب محـلية ، وكانت فـرصة لمالكي البنادق ( اللاأوتوماتيكية) مثل : برنو- إنـگـليزي ( سابقاً ) لـيُظـهروا مهارتهـم في إصابة الأهـداف ، فـينصبون هـدفاً أو ينظـرون إلى هـدف بارز في جـهـة خالية من الناس ، ثم يتسابقـون واحـداً فـواحـداً موجـّهـين بنادقـهـم باتجاهـه لإصابته ويكون الفـخـر لـمـَنْ يصيب الهـدف بالتأكـيد. لـقـد كان مهرجاناً دينياً وترفـيهـيا إجـتماعـياً في آن ٍ واحـد ، توارثـناه أباً عـن جـد ولأجـيال وأجـيال . ولا يزال يقـام هـذا المـهـرجان حـتى اليوم وفي نفـس المكان ، وقـد تطوّر بعـض الشيء من حـيث التحـضيرات له ، فـنرى فـرقـة موسيقـيّة تعـزف أغانينا التراثية القـديمة وكـذلك أغاني العـصرالموسمية فـيرقـص الناس عـلى أنغامها . ولكـثرة المحـتفـين به من غـيرالألقـوشـيّـين أيضاً فـقـد خـصّـصتْ الكـنيسـة يوماً خاصاً لـهـم ويوماً آخـراً لـلألقـوشـيين ، وذلك للتخـفـيف من الإزدحام .
وصول الأوائل:
لـقـد إستفـسرتُ من الألقـوشـيّـين الـقـدامى الواصلين إلى أستراليا ، فـقـال لي أحـدهـم  أنـه سـمـع الـكاهـن الكـلداني  يقـول أنه إسـتفـسر منْ دائرة الـهـجـرة فـذكـروا له أنّ أول كـلداني وطأتْ رجـلاه أرض أستراليا كانت إمرأة إسمها ( وارينة – القـوشية ) في عام 1934 حـيث وصلتْ برفـقـة زوجها الـهـندي الـذي كان شـرطـياً ، تبعـتها بعـد عـدة أشـهر أخـتها . وفي الستـّينات وصـلتْ إمرأة ألقـوشية برفـقـة زوجـها الآثوري العـراقـي وهي معـروفـة لدينا اليوم ، وعـلمتُ أيضاً أنّ شبّـاناً ألقـوشيـين وصـلوا أستراليا قـبل الثمانيـنات وبمرور الـزمن وفي عـام 1980 وصـلتْ أول عائلة ، وبعـد ثلاثة أشـهـر تبعـتها عائلة ثانية ، ثم صار الألاقـشة يتـقـاطرون إلى هـذه القارة الجـميلة حـتى عام 1991 وعـنـدها أخـذوا يتوافـدون أفـواجاً أفـواجاً وإلى يومنا هـذا.

لا يخـفى عـلى الجـميع أنّ الألقـوشيـّين هـم أهـل الـدين والـعـلم والسياسة ، إضافـة إلى الشجاعـة والنخـوة والـرجـولة  والقـيم العـشائرية ، شأنهـم شأن الكثيرغـيرهـم من الـملـل ، ومنْ صفاتهـم هـذه تـدلّ عـلى أنهـم أناس إجـتماعـيون بصورة عـامة ومضيافـون كـُرَماء لا إنعـزاليـّون ، يكـَوّنون صداقات بـسرعـة ويندمجـون بسهـولة مع بقـية الـجـماعات والطوائف. وحال وصول الوجـبات الأولى منهـم أستراليا ، صاروا يتواصلون فـيما بينهـم بلقاءاتهـم الـثـنائية والثلاثـية ( إنْ كان فـيما بينهـم كألقـوشيين أو مع أبناء القـرى الأخـرى ) وبتصاعـد ، إلى أنْ أصبحـتْ تجـمّعات إزدادتْ كـثافـتها بازدياد أعـداد الواصلين إليها .
إحـياء الـتراث والـتقاليد:
إنّ كـلمة ( شـيرا ) بالـلهـجة العـاميّة هي ( شـَهْـرا ) بالفـصحى . ومعـناها :  مشاركة الفـرد مع أية مجـموعـة من الناس في جـلسة سمر، أو غـيرها... وتقـابلها كـلمة ( سَـهـْرة ) باللغة العـربية . إنّ هـذه الكـلمة تطـوّر معـناها وصارت تعـني مهرجاناًَ أو إحـتفالاً. واعـتزازاً بهـذا المهرجان فـلابـدّ للألقـوشيين أنْ يُحْـيُـوه أينما حـَلــّوا.
إنّ الألقـوشيّـيـن وأينما تواجـدوا يُحْـيونَ هـذا المهـرجان لـلجـميع ( وليس لوحـدهـم فـقـط) كـتراث عـزيزعـليهـم وصار تقـليداً مألوفاً لـديهـم في كل مكان . من هـنا بدأتْ الفـكـرة عـند المتواجـدين في أستراليا بأن يحـتفـلوا بهـذا العـيد سنوياً في ساحـة واسعـة ويعـلنون عـنه قـبل موعـده لإبلاغ أكـبر عـدد ممكن من الناس كي يحـضروا ويستمتعـوا بوقائعـه منْ فـولكـلور وبرامج ترفـيهـية فـكانت الـبداية.
كانت البداية بسيطة لأن عـدد العـوائل الألقـوشية لم يكـنْ يتعـدّى عـدد الأصابع ، فـيجـتمعـون في قاعـة إحـدى الكـنائـس مع أكـلاتهـم كـلقاء أخـوي فـيأكـلون ويشربون سوية فـيستمتعـون . وفي منتصف الثمانينات أخـذ بعـض من الشباب عـلى عاتقـهـم متابعـة الترتيبات اللازمة لـهـذه اللقاءات حـتى تـبلوَرت الفـكرة أكـثرفـصارت هـذه التجـمّعات تقام في المنتزهات في موسم الربان هـرمز ( شيرا الربان هـرمز). واستمرّتْ عـلى هـذا المنوال إلى أوائل التسعـينات حـين إقـترح أولئك الشبان وكان عـددهـم في البداية خـمسة : ( سـعـيد اسطيفانا ، جـلال جـلــّو ، رمزي قـلــّو ، طـلال گـردي ، وأسعـد گــُـلاّ ) تنظيم مهرجان ( شيرا الـربان هـرمز) في موعـده بشكـل بسيط فـكانوا يخرجـون إلى منتزه  ومعـهـم مأكولاتهـم ومشروباتهـم . ثم وبتوالي السـنين انضـمّ إليهـم الوافـدون الجـدد والمتحـمّـسون للعـمل الجـماعـي ، فأصبحـوا جـميعـهـم ينظـّمون تلك السفـرة الكـبيرة إلى الـمنتزه الذي يتــّـفـقـون عـليه للأحـتفال بهـذه الذكـرى المقـدّسة الذي كانت في أول سنتيها مقـتصرة عـلى الألقـوشـيين فـقـط ، ولكـن بعـد ذلك صارت إحـتفالاً جـماهـيرياً ومـهرجاناً عـاماً للجـميع إلاّ أنه - والكل يعـرف – هـو منْ خـصوصـيّات ألقـوش وأهاليها ، لـذا أ ُطلقَ أسم (( لجـنة شـيرا الربان هـرمز)) عـلى الجـماعـة الـمُـنـََظـِّـمة لـلـ  شيرا المقـدّس هـذا ، التي إنتظمتْ أكـثر بمرور الزمن وصارتْ تتجـدّد كل عـام بمشاركة وجـوه جـديدة وتـُخـطـّط للسفـرات والحـفـلات للألقـوشـيين بالإضافة إلى مهـرجان - شـيرا الربان هـرمز – الـذي أمسى إحـتفالاً عـاماً للجـميع . وجـدير بالإشارة إلى أنّ اللجـنة هـذه كانت قـد اشترتْ من الكاهـن الكلداني ( 14) بـدلة رجالية كاملة من الزي الألقـوشـي - أزياء شمال العـراق- كي يرتديها شبابنا في المهـرجان المذكور أو في مناسبات أخـرى ، وهي تـُعـتبر من ممتلكات اللجـنة إلاّ أنه ومع الأسف لم تكن هـناك صيانة جـدّية لمستخـدميها ولا متابعـة منْ قـبَـل أعـضاء الـلجـنة في السنوات الـلاحـقـة ، مما أدّى إلى ضياع أكثرها ولم يبقَ منها سوى بضـعـة .
 أمَـلي أنْ أضع هـذا المقال ( بأقـسامه الـثلاثة) في كـُـتـَيب صغـير لأبعـث به إلى الألقـوشيـين أينما تواجـدوا ليطلعـوا عـلى نشاطاتنا منْ جـهـة وعـلى إخـفاقاتنا و نجاحاتنا منْ جـهـة أخـرى ، فـنضيف إلى خـبراتهـم خـبرة ويأخـذون عـبرة ، وعـليه فـمَنْ لـديه إضافـة أو تصحـيح نرجـو أنْ يوافـينا به للتوثيق مشكـوراً، فالإنسان معـرّض للخـطأ والزلاّت مهـما امتلك منْ معـلومات .

عـن القـسم الثاني المقـبل :
القـسم الثاني منْ مقالي سينقـل للقـرّاء نشاطات وأحـداث هـذه الجـمعـية في الفـترة التي سـتـبدأ منْ  20/10/1997 وتنـتهي في 7/2/2005 وسأكـتب فـيه مـلاحـظاتي ، مشاهـداتي ،  ومشاركاتي في أنشـطة لـجـنـتنا بالمقـدار العالق بـذهـني ، وما يمكـنـني الحـصول عـليه إذا زوّدني أحـد به ، وسأهـمل أية معـلومة لستُ متأكـّداً منهـا لأجـل أمانة معـلومات المقال و صـدقـه ، وأعـيد قـولي راجـياً من القـراء الألقـوشـيّـين في أستراليا تصحـيح أخـطائي بما هـو مـُقــْنـِع فـأكون مسروراً وشاكـراً لـهـم.[/b][/font][/size]