الديك الفصيح من البيضة يصيح...
فاكهة.. وألغام..
ابراهيم كولان
(أبو سمرة هي كنية عباس عاشور، سمي كذلك لان بشرته داكنة وهو من أهالي البصرة، عرف بشيمته ومزاحه المستمر مع الجميع، وقفت على مرتفع انظر إليه وهو يفتش في هوية الجثث، كان يبتعد عني بضع عشرات من الأمتار، ناداني، تعال لطيف! وهو يقرا قرص الهوية المعلق على رقبة إحدى الجثث.. لك هذا من جماعتك)........هكذا يستهل لطيف نعمان قصته الموسومة - زيا من قوم عيسى - ضمن الإصدار الذي ننبش فيه الآن، (فاكهة... وألغام) -مجموعة مقالات مختارة – وبأسلوب سلس بسيط يستمر بسرد قصص الحرب.....
(بعد أسبوع من إيصال جثة زيا إلى أهله، وفي أول إجازة، قصدت الموصل لأشارك أهل زيا بمصابهم الأليم، وعندما دخلت الزقاق لمحت من بعيد قطعتين سوداوتين، اقتربت منهما، عرفت ان احداهما للمرحوم زيا، والأخرى لوالدته وردية ابراهيم، التي توقف قلبها حال مشاهدتها جنازة ملفوفة بالعلم العراقي فوق سيارة أجرة تقف أمام بيتها).....في قصصه تسجيل وتوثيق لشخوص حية تتجول حوله، وأماكن ينتشلها من الذاكرة لتتشظى لحظات وجدان، تلك العواطف التي لا يجب ان تنسى، تتنازع في نفسه هذه الخلجات نحو الإعلان عنها بأسلوب سردي سلس، لطيف نعمان، درامي بالدرجة الأولى، كاتب ومخرج مسرحي، عرفته بغداد سنوات السبعينيات، عضوا نشطا وممثلا في فرقة المسرح الشعبي، ومخرجا ومؤلفا في ما يقدم من مسرحيات في النوادي الثقافية السريانية، التقيت به أول مرة وهو يخرج مسرحية للأطفال في نادي أور العائلي، مذ رايته توسمت فيه الطيبة والالتزام بالقضايا الإنسانية، في تلك الأيام العاصفة بالخوف والهلع من حبل الرقيب، كان لطيف، الديك الفصيح، أيام قل فيها من يصيح، ومنذ البداية كان يصيح، وما زال إلى الآن، الكلمة عنده موقف والتزام، وروح ويصونها، الكلمة عنده، لؤلؤة ثمينة يرعاها يصوغها، يهذبها، ويغلفها بشغاف قلبه، ثم يرميها بذرة في ارض خصبة.
اما أبطال قصصه، فهي شخصيات حية تسير معه في الزقاق، تناجيه ويناجيها، يشم رائحتها أينما تكون، يعرف أماكنها، وتستدل أماكنه، وهو يسير هائما مع نجواه، تحضر أمامه وتقاسمه الغصة وحشرجة الدموع....
(ذهب رحيم بابان إلى الطبيب ليقلع ضرسه وسنه، قال له الطبيب لكن أسنانك سليمة يا بابان، فرد عليه، أنا عازف على الآلات الهوائية، ولما كان العزف على الناي باللحن الفارسي، يتطلب إخراج الهواء من بين الأسنان، وتثبيت الآلة الموسيقية، سأضحي بالسنين من اجل ذلك، لأني أحب العزف على اللحن الفارسي)....لا يغفل جمرة المشاعر حيثما تكون، يفتش عنها إلى ان يلقاها ويبلورها ويلقيها نبضا حيا...
اما ذاكرته فتختزل كل اللحظات النابضة التي عاشها في الحرب والحصار والملمات، انه يبوئر الحالة الوجدانية، بكلمات تنزف مشاعر جياشة بالحب والحميمية ....
وعن أيام الحصار حين كان رغيف الخبز يشترى بالدموع، يسوق حكايته ....
(نسوة ادعين بأنهن حوامل، وقمن بالحصول على كمية من بول النسوة الحوامل، لإغراض التحليلات، لإثبات ذلك، ولغرض الحصول على الأرزاق، وقد وصل الأمر إلى حد بان بعض النسوة الحوامل، قمن بوضع بولهن في قناني صغيرة، لبيعها أمام بوابات الحكاية التي كادت ان ترمي بخجل وحياء الإنسان جانبا، بفضل الجوع الرهيب)....انها فنطازيا ولوحة سريالية بلا تزويق أو زخرفة لفظية بل روحها فقط هي جواز سفرها....
يقتنص اللحظة الدرامية ويضعها امام عدسته، يكثف موشور العاطفة التي تعصف بقلمه إلى موانئ تنبض بالحياة، الإحساس السامي يحيله إلى لوحة تشع مرايا لصقل الوعي، فالكتابة عنده طقس مقدس لا يجب ان تحيد عن واجبها المقدس، وكأن الكون ينفلت إذا لم توضع الكلمة في مقامها، الكتابة عنده قوة روحيه تنتشله من غربة نفسه امام العالم، الالتزام ينتشله من اللامنتمي الموجود في داخله من العالم المتشح بالغربة....
(فاكهة وألغام.... قصة القرية السريانية، التي تغفو على ثغاء الماعز، وحكايات الشيوخ، وتنويمات الأمهات للصغار، وتصحو على صوت الديكة..... تصحو القرية ذات يوم على رصاص الأنفال، وشروق الدم بين بساتين الكروم، وصراخ الأطفال والصبايا، في فجر احمر مخضب بفاكهة الرمانات اليدوية...).... انها ذاكرة لا تغفو الا على حافات آلام الإنسان...
تمتد اشتغالات لطيف في إصداره هذا الى ان يطرق الأبواب تاك.... تاك.... ليبث حيرته، عل أحدا يشاطره همومه، وعل أحدا يشد بيده ليزيل هموم الأوطان، والسياسة، والذكريات، والواوات تحاصره من كل جنب، وعندما تبتلع السياسة الثقافة والفن يهيم بالتساؤلات التي لا تنتهي ولا يمتلك إجاباتها، وربما لا يمتلك غيره الإجابة عنها، وتظل طلاسما تطرق أبوابنا من الصباح حتى المساء...
تقديسه المسرح والمسرحيين يبان من خلال كل حركة يؤديها على خشبة المسرح تمثيلا او اخراجا، ويبكي بحرقة وألم في مراثيه المفجعة، أصدقائه الراحلين عادل كوركيس، بهنام ميخائيل، عوني كرومي، ويسحبنا إلى ذكرياته معهم ويسحب دموعنا قسرا من مآقيها على رحيلهم مبكرا ...
من مؤلفاته المنشورة أيضا، في هذا الاصدار، مسرحية للأطفال -مسرحية الشجرة والشمس-خاصة بمسرح الدمى، من ثلاثة مشاهد، مسرحية توجيهية للأطفال، وفيها صراع الخير والشر، بين الشجرة والريح والتشبث بالجذور من اجل ان تبقى الشجرة وتذهب الريح بعيدا...
ومرة أخرى يحيلنا إلى المعضلة القديمة الجديدة، الغائبة الحاضرة، أزمة النص المسرحي، محليا وعالميا، ويحاول ان يبسط أمامنا شكلها وماهيتها...
انه يلملم أطراف نفسه ويسير بها بين ثنايا الأزقة والحارات، يحاول ان يغزل ويحوك ويرتق ما بلي من ثوب نسيج هذا المجتمع الذي يحيا فيه، عن منظمات المجتمع المدني، عن السياسة، وعن الهفوات والمطبات هنا وهناك، في اطراف الجهل والوحشية التي تقبع في ثنايا الرؤوس....
يبقى لطيف يحكي حكاياته بعيدا قريبا عن تقنيات السرد وأدواته، لغة وعمقا واسلوبا، لكنه يحكم مغاليق الوجدان والتشويق، والحبك....
أخيرا نقول، قليلة هي الأقلام التي تذيب نفسها من اجل الكلمة، ولا تذوب مثل قطعة ثلج في حفنة تملق... ولا تقف امام تقادم الزمن إلا تلك الأقلام التي تنبض بالمشاعر الإنسانية، اما الأقلام التي لا تتشظى بلحظات الألم والوحشية، وربما لا تمتلك مجسات ومحسسات لها، أو تزخرف نفسها بالتزويق اللفظي، أو تلك التي تدخل سوق الأنا، فلن تقف امام تقادم الزمن وان كبرت وتعاظمت أسماؤها.......
ويظل كما رايته لأول مرة، لطيف نعمان، المؤلف، والممثل، والمخرج المسرحي، والكاتب، والصحفي، والمثقف، والإنسان....