تعقيباً على بيان بطريركية السريان الأرثوذكس
حول تصريحات بابا الفاتيكان الأخيرة
عزيز توما
ليس لأول مرة والبطريرك زكا عيواص الرئيس الأعلى للكنيسة السريانية البطريركية الأرثوذكسية يخرج إلى العالم ببيان أو مقابلة بتصريحات ضاجة بالمزاودات والمجاملات التي لا مبرر لها سوى إرضاء الآخر والتماهي معه إلى حد الذوبان ، بعيداً كل البعد عن العقل والمنطق . ويذكر أن الاعتداءات التي طالت المسيحيين عقب محاضرة البابا التي ألقيت في ألمانيا مؤخراً وقعت في دول مختلفة من العالم : حرق كنائس في الأراضي الفلسطينية والاعتداء على مسيحيين في العراق وإعدام ثلاث أندونيسيين مسيحيين ومقتل راهبة كاتوليكية في الصومال عدا الخطابات المسيئة للمسيحيين من رجال دين مسلمين وبالأخص الشيخ قرضاوي الذي لا يتردد جهارا نهارا في وصف الكتاب المقدس بالتحريف واتهام المسيحية بشتى أنواع التهم ناهيك عن تهمة الكفر والإلحاد والهرطقة وما إلى ذلك على منبر قناة الجزيرة الذائعة الصيت .. وفي معرض حديثه أو تعليقه حول تصريحات البابا يتحدث البطريرك: " ولا ترى أن زماننا الحاضر يشهد صراعاً بين المسيحية والإسلام والصراعات الدائرة حالياً ليست بسبب الإسلام والمسيحية بل بين أعداء الشعوب وبين الشعوب التي تريد حريتها واستغلال كرامتها وحقها في تسخير مواردها الطبيعية لخيرها ". من هم أعداء الشعوب يا سيادة البطريرك ؟ أليس التطرف هو عدو الشعوب ؟ أليس التطرف هو الذي أعلن الحرب على العالم من منطق عصور مظلمة ؟ ثم لماذا ترتكب كل هذه المظالم ضد مسيحيين مشرقيين مسالمين؟ ألا يجدر بك أن تشير كل ذلك بدلا من تجامل وتزاود على طريقتك المعهودة ؟ ألا يجدر بك أن تتحدث عن المسيحيين الذين انحسروا من هذه البلاد بسبب التطرف الإسلامي ؟ أليست المجازر التي ارتكبت بحق المسيحيين من الآشوريين ( السريان ) والأرمن من لدن أصحاب العمائم ؟ بالطبع نحن مع الإسلام المعتدل والمتنور والعقلاني ولا مشكلة لنا مع مسلمين معتدلين يميلون إلى التعايش السلمي مع كل أصحاب المعتقدات ، لكننا لسنا مع الإسلام الذي يتبنى منطق الاستعلاء والنرجسية أو منطق " خير أمة أخرجت للناس " . وهنا بالطبع
يشير سيادة البطريرك من خلال عبارة " أعداء الشعوب " إلى الولايات المتحدة الأمريكية والغرب عبر ثنائية ضدية ( الخير والشر ) . بالطبع لست بصدد الدفاع عن الولايات المتحدة والغرب وسياساتها باعتبارها تعمل وفق مصالحها لكن هذا العمل لا يخلو أحياناً من ضوابط عسكرية أخلاقية . ومايرمي إليه السيد البطريرك حين يصف الغرب وأمريكا بأعداء الشعوب لا يندرج إلا في إطار صيغة ارضائية للطرف الآخر الذي وضع العالم في مواجهة دموية ، وهذا ينسحب على مواقف معظم رجال الدين المسيحي عامة ما خلا البعض – وهم قلة بالطبع – الذين يعبرون عن الحالة بكثير من الواقعية والعقلانية .. بعدئذ يستطرد البطريرك : " ... نتمنى من الفاتيكان أن يوضح موقفه من الأديان الأخرى بروح المسيحية وتسامحها وأن يبرئ المسيحية من أعمال مثيري الحروب في فلسطين والعراق ولبنان وأفغانستان وعلى مقترفي الجرائم ضد الشعوب .., والمسيحية براءة منهم ومن أعمالهم المعادية للشعوب " . و كأن الفاتيكان لم يعلن مراراً عن احترامه لكافة الديانات ولا سيما الإسلام ، الإسلام المرافق للعقل . هنا أيضا الاتهام يطال شخصية البابا ، مثله مثل " مثيري الحروب وجرائمهم " من خلال استخدام عبارة ( نتمنى من الفاتيكان أن يوضح موقفه من الأديان .. ) .
لماذا هذا الخطاب ؟
في الواقع إن تفكيك ظاهرة كهذه تتطلب استدعاء جملة من القضايا ارتبطت بالعلاقة بين المسيحية والإسلام منذ البدايات ، إذ لم تكن هذه العلاقة دائما سليمة بل كانت تطغى دائما عليها ثنائية القوي والضعيف . المسيحية المشرقية عانت منذ مواكبتها للإسلام من الضعف الشديد وقد فرضت عليها قيود لها أصولها في نصوص إسلامية صريحة غالبا ما كانت تؤدي إلى نتائج كارثية تضر بالعلاقة بين الطرفين . هذا الخلل في العلاقة إذن ليس وليد اللحظة الراهنة إنما الأمر يتعلق بتراكم تاريخي مرضي حيث انعكس ذلك سلبا على بناء ذهنية مسيحية مشوهة ، وهذا ما أنتج خطابا مشوها كالخطاب الذي صرح به سيادة البطريرك . نحن بحاجة إلى تجاوز هذه الحالة المرضية وبحاجة إلى رصد الظاهرة كما هي والانتقال إلى قراءة نقدية لجذور الخلل في الخطاب الديني . كان على سيادة البطريرك ذكر كل ما أصاب المسيحيين من ضرر بدءا من تفجيرات الكنائس في كل من العراق والأراضي الفلسطينية وصولا إلى خطاب الكراهية التي لها حضور مكثف في الإعلام العربي . الخطاب الذي يعج بالمجاملات الكلامية والمجانية لا ينفع ، لأنه لايمكن الضحك على عقول الناس ، لا بد أذن من مواقف وتحليلات عقلانية وواقعية ، لا بد من الاعتراف أن التطرف الإسلامي الآن هو الذي أعلن الحرب على العالم ، ولابد من الكف عن تعليق الغسيل على شماعة الإمبريالية والصهيونية ، هذه هي أفضل طريقة لبناء خطاب متوازن ومتزن ..
عزيز توما
aziztouma@hotmail.com