لقاء مع القاصة التونسية هيام الفرشيشي


المحرر موضوع: لقاء مع القاصة التونسية هيام الفرشيشي  (زيارة 4811 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل عشتار جورنال

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 329
    • مشاهدة الملف الشخصي
حوار مع الكاتبة التونسية هيام الفرشيشي


اجرى الحوار – ماجد ايليا – مدير التحرير \ هيام الفرشيشي كاتبة وقاصة تونسية. تتعاون مع الصحافة الثقافية منذ 2003. نشرت قصصها في مجلات ثقافية تونسية وعربية، وتوجت مجموعتها القصصية "المشهد والظل" بجائزة الكريديف التونسية، كما توجت هيام الفرشيشي بدرع المثقف للثقافة والأدب والفنون.تكتب هيام الفرشيشي في مجالات مختلفة مثل النقد الأدبي و تجري الحوارات الصحفية النهرية.ولديها ولع خاص بكتابة القصة رغم اشتغالها على الرواية. وهي تثري كتاباتها بوسائط فنية مختلفة مثل الشعر والرسم والسينما، وهذا ما جعل من نصوصها الإبداعية محكا لقراءات نقدية متعددة نشرت على مستوى تونسي وعربي.ورغم تعدد مجالات كتاباتها فهيام لا تستقر في وسط كتابي معين، فهي ترى أن دينامكية الكتابة تكمن في طرح الأسئلة وإبداء المواقف النقدية الجادة، وأن روافد الإبداع غير منفصلة عن تجلياته عبر الساحة الثقافية التي تعيش داخلها وتتعايش معها، وذلك ما جعل أغلب شخصيات قصصها مستقاة من الواقع الثقافي التونسي حيث نجد الرسام والمفكر والصحفي والروائي.


مجلة عشتار \ كيف كانت بدايتك مع مسيرة القلم؟
كانت بدايتي مع مسيرة القلم مقترنة بارتساماتي الطفولية الأولى، وترواحت في البداية بين كتابة الخواطر الشعرية والتأملية، ولكنني سرعان ما انصرفت إلى السرد، فأعطيت الكثير من شخصياتي القصصية حيرتي وأسئلتي الوجودية وعلاقتي بتصاميم الأمكنة وما تركته في ذاكرتي من آثار، فكنت كمن بدأ يكتب ليبحث عن شخصيات تنتمي إلى البيئة التي اكتشفتها وجعلتني أعيش الدهشة تلو الدهشة. وكنت أسبر عوالم الشخصية، وإن كنت أعطيها البعض من دهشتي الطفولية، وكثيرا ما استعملت في قصصي ضمير الغائب هي/ هو لأكتب بحياد تام، دون أن تغيب الذاتية عن نصوصي. 


مجلة عشتار \ علمنا أن مجموعتك القصصية "المشهد والظل"، قد نالت جائزة الكريديف في تونس بعد الثورة مباشرة، هل لك أن تحدثينا عن هذه المجموعة؟
تنضوي هذه المجموعة القصصية على قصص كنت نشرتها في مجلات تونسية وعربية مختلفة بين 2003 و2009 ، حاولت أن أعكس من خلالها الواقع التونسي في العشرية الأخيرة التي سبقت الثورة، عبر رؤى جمالية واشتغالات تقنية مختلفة. من خلال هذه القصص قد يكتشف القارئ ساردة لا تهمها قضايا المرأة الكلاسكية بقدر ما يهمها أن تجد المنفذ لتشكل حكاياتها من جديد بعدما أدركت أنها لن تحكي ولن تبدع من أجل مقاومة الموت بل من أجل اكتشاف ذاتها والوعي بها في المجتمع والعالم.وتميزت هذه القصص بالنقد الحاد للواقع التونسي بكل مستوياته، فعكس عنوان المجموعة " المشهد والظل" المشهد كما هو والخيوط التي تحركه في الظل، وانجلى ذلك في قصة "المشهد والظل" بصفة خاصة حيث صورت بيئة قرية جبلية وما تتسم به من استغلال البسطاء وتزييف الحقائق.. فقد تعرضت القرية إلى حريق كاد يفتك بها، وكلفت الصحفية بالقيام بتحقيق حول الحادث، وقد كلفها رئيس التحرير بإجراء حوار مع "سامي الرشيد" الذي سيتبرع لهؤلاء المتضررين، وحين انتقلت إلى هناك وأرادت أن تستمع إلى شهادات المتضررين، بوغتت بأن الشهادات جاهزة، وحين رفضت هذا التواطؤ فوجئت بان التحقيق قد نشر. هذه القصة تبرز الفساد الصحفي وفساد المؤسسات، ووضعية من يعيشون في أماكن الظل كظلال لا يرى معاناتهم أحد داخل المشهد. 


مجلة عشتار \ كيف هي صورة الرجل في قصصك؟
هي صورة لرجل متأزم في واقع متأزم .. رجل يعيش الانشطار الحضاري والانفصام في علاقته بالسلطة، فعلى سبيل المثال في قصة "الخروج من الدائرة" بحثت "عهد" عن الجمال في الضيعة الجبلية، وهناك تباغت بأستاذ الفلسفة يقتل العصافير ويصور المرأة على جرابه بصورة مزرية، فتقرر الهرب. إذ صورت ككاتبة شخصية أستاذ الفلسفة الذي كان يعيش أزمة فكرية أدت إلى حالة من العبث، جعلته يجوب المنعطفات الجبلية صيفا ليصطاد الطيور والغربان ويرميها في المزبلة. الأسئلة التي تراودني مثلا : لماذا عاينت في القرى الجبلية فئة لا بأس بها من الناس وخاصة المتعلمين يتبنون الفلسفة المادية؟ مع أن الفضاء بالنسبة إلي مولد للجمال ولليقين؟ ما الذي لم أعره اهتماما في زياراتي العابرة ؟ هل هي الغربان التي تنقض على الفراخ وتذكرهم بالموت العبثي؟ هل هو الإطار الطبيعي ذي النتوءات المتعرجة ؟، لماذا يشعر البعض بالغربة في المدينة رغم أنها فضاء مفتوح على الروحانيات والفن والثقافة؟، ما هي المظاهر المزية في المدينة والتي لم تشكل لي أي غربة نفسية أو روحية؟ ..الرجل في قصصي يرمز إلى الذكورة المشروخة ..


مجلة عشتار \ هل تعتقدين أن القارئ يجب أن يمعن النظر بكتاباتك ليدرك ما بين السطور ومعاني فحوا الموضوع؟
أنا ككاتبة ، لدي تجربتي الخاصة مع الجمال الطبيعي والثقافي في كل الفضاءات التي تنقلت فيها، وكتبت عنها عبر نسق من الأفكار يهتم بالجمال والذات. وعبر قصصي التي كتبتها عكست من خلالها حيرة وجودية أغمسها في معنى الوجود والاكتشاف لأعطيها مذاقا خاصا لا تعرفه شخصياتي القصصية. لذلك وأنا أعود إلى قصص "المشهد والظل" وأعرض مشاهد العبث، وأحلل العقد النفسية للشخصيات أبحث عن عالم نفسي مغلق في انغلاق المكان، في غياب المعنى وجواهر الأشياء المحيطة بهؤلاء، إذ كان من المفترض أن يبالوا بالصور الذهنية المجردة.. وللقارئ افقه المعرفي وملكاته الذوقية التي تجعله يقرأ نصوصي بالطريقة التي يراها مناسبة.


مجلة عشتار \ أين قلمك من الثورات في الشرق الأوسط عموما؟ 
للثورات العربية أسباب ونتائج. ولن نستطيع الكتابة حاليا عن أسباب الثورة لأننا كتبنا عنها قبل قيامها، ومجرد الكتابة عن الثورة الآن هو ركوب عليها وتمعش منها .الحكومة الحالية يهمها أن يكتب المبدعون عن حقبتي نظام بورقيبة ونظام بن علي، وهناك على ما يبدو إغراءات مالية بهذا الصدد لتستفيد منها وتخدم أجندتها السياسية وتغنم من مكاسب الثورة ماديا. الكتابة عن الثورة لا بد أن تأخذ بعين الاعتبار المرحلة الراهنة وما تعرفه من مشاكل حادة .. 


مجلة عشتار \ هل لديك كتابات تحكي عن الثورة التونسية؟
حاليا قلمي مشغول بالقضايا الثقافية والاجتماعية الراهنة في وطن ينزف، تخمشه أظافر السلفية الإرهابية. وأحاول التنبيه إلى مخاطر تسييس الأدب والفن والتدخل القطري الواضح عبر دعمها للأفلام الوثائقية التي تعيد تشويه تاريخنا السياسي والثقافي ، وعبر ترويج الجزيرة الوثائقية لأدب السجون ، ليستفيد من ذلك ماديا من يسمون أنفسهم بالمناضلين المطالبين بالتعويض المادي عن سنوات النضال في وطن يعيش أزمة اقتصادية نازفة ..هذا ما يشغلني حاليا.


مجلة عشتار \ اليوم وبعد التغيير ماذا تعني لك تونس الخضراء؟
إن كنت تقصد بالتغيير الثورة التونسية، فذلك تحول سياسي واجتماعي مهم، وان كنت تتحدث عن الوضع الراهن فهو تغيير نحو الأسوأ والانفلات والتدحرج نحو الوراء. تونس الخضراء هي وطني الذي عرف تراكمات حضارية وفكرية وفنية. تونس بلد منفتح ويؤمن بالحوار الحضاري وينبذ التعصب. ومن حقنا أن نقاوم الأمراض التي تفتك بجسد الوطن الجميل ..وهو جسد قادر على الصراع وعلى استعادة عافيته، وتحقيق أهداف ثورته.


مجلة عشتار \ بقلم من تأثرتي أكثر من الشعراء والكتاب؟
رغم قراءاتي المتعددة، فقد كان لدي شغف بقراءة روايات نجيب محفوظ وكولن ولسن ودواوين محمود درويش، ولكنني لم أتأثر بأي أديب فلدي عوالمي القصصية واشتغالاتي الفنية وذاكرتي الثرية بالصور والتفاصيل ورؤيتي الخاصة في تصوير الواقع. ففي قصتي "رحلة البحث عن الهوية" نقلت الفضاء من خلال إحساسي الخاص بالقرف كلما مررت من سوق الجزارين ونقلته إلى بطلة القصة : هي / الحامل، وتحدثت عن ذاكرتي حين انتقلت هي إلى باب سويقة وعرضت صور المكان وذكرياتي الخاصة معه، لذلك تحدثت أن التحول الذي عرفه المكان طمس الهوية، فكانت المرأة الحامل المتزوجة/ العذراء وهي تتساءل عن المولود بعد حالة الدوار والسقوط "هل سيولد مشوها كالحلم"، فالتحولات التي عرفها المكان طمس هويته التاريخية والحضارية بل مسخت ساحة باب سويقة. ربما في قاع كل شخصية قصصية تستيقظ الأفكار الكامنة وتتراءى بعض الصور التي احتفظت بها الذاكرة وأعادت القصة نسجها في حبكة جديدة ومحاولة تحليل وتفكيك بعض صور المجتمع وخلق عوالم الذات عبر الإبداع والتعبير عن الانفعال الرافض لواقع تمجه الذات. فأنا حاضرة في كل قصصي وتغيب كل مفردات الآخرين حين تباغتني لحظة الكتابة.
وأستعرض قولة فلوبير حول الكاتب فعليه أن يكون: "حاضراً في كل مكان ولا يرى في أي موضع


مجلة عشتار \ هل أنت راضية اليوم بكل ما قدمتيه للثقافة وبقلمك؟
راضية تمام الرضا على آداء قلمي، ولكن لست راضية على الواقع الثقافي التونسي والإعلام الثقافي التونسي، طالما أن القلم الحر لا يجد الفضاء متاحا دائما لتقديم كتاباته، بل غالبا ما يتعرض إلى ضغوط من طرف جهات نافذة ليس من مصلحتها تقبل النقد وخاصة في الصحف الحكومية التي مازالت ترزح لسطوة الحكومات المتعاقبة وتوجهها كما شاءت، كذلك وزارة الثقافة مازالت تعاني من غياب اللجان المحايدة ومازالت تتعامل مع المبدعين حسب الولاءات والبرامج المسطورة. 


مجلة عشتار \ بمن تعتزين من أصدقاءك سواء كانوا كتاب او شعراء وتعتبريهم فعلا أصدقاء مخلصين؟
لكل كاتب أصدقاء يحترمون إبداعه ويحترمون رؤاه النقدية ويدعمونه إعلاميا، ولكل كاتب أعداء هم من المرتزقة المأجورين من طرف أشخاص أو عصابات ثقافية متمعشة من المال المخصص للثقافة، وتخدم الأجندات السياسية الجاهزة. في كل الأحوال لدي عدد كبير من الأصدقاء في تونس ولدي توجس من مرتزقة الثقافة ..وما يريحني أن قائمة أصدقائي المخلصين تتسع يوما بعد يوم. 


مجلة عشتار \ ماهو جديد هيام الفرشيشي ؟
حاليا لدي مجموعة قصصية ـ تتجاوز مجموعة "المشهد والظل" ، عبرها تكون الأنا الراوية هي مركز القص. من بينها قصة "عتبات المدينة" المنشورة في مجلة الحياة الثقافية التونسية ، وقصة "مدارج العودة" المنشورة في مجلة المسار التونسية.. وستعبر المجموعة القادمة عني وعن ذاكرتي، وعن معنى الاكتشاف الذي كان يتغلغل في لحل كل المغاليق.. تربطني بأمكنة أعرفها جيدا في تونس وخارج تونس، وفي مدينة تونس التي عشت أجواءها ، وتفاعلت معها، فلدي في المدينة منزل جدي ذي الطراز العثماني الذي يحمل ذاكرة للمعرفة والفن، لدي أكثر من صورة مع كل ركن في المدينة، والمدينة هي الفضاء التي تحركت فيه واكتشفته، وتعايشت معه، وأحبته. كذلك القرية بمنافذها وعتباتها وحقولها وقنوات مياهها وشخصياتها .. ترحل الشخصيات الأليفة في ذلك الأجداد، وأفتح أبواب الديار القديمة، تاركة للذاكرة ابتداع شخصيات من صنع خيالي الطفولي، استحالت إلى جزء من القرية، بحثا عن حنين قديم أو عن أحلام جديدة، قد تفضي بي إلى طريق جديد... فقد باغتتني رغبة في كتابة بعض المقاطع التي لها علاقة بصور الذاكرة التي اندثرت علني أعكس التعايش الحسي للشخصيات مع عادات نخرها الزمن وغيبها ولكنها تعكس ما بقي في وعيي من تلك الصور في مراسم الأعراس في القرية التي كنت أحضر أفراحها ومآتمها وأنا طفلة...


مجلة عشتار \ كيف ترين حال الشعر في الشرق الاوسط اليوم؟
اكيد هناك تجارب شعرية جديدة وقدرة عالية على التجريب، وتنوع في الأسماء من الجنسين.. لكن أمام الزخم الإبداعي، وزخم الأسماء من الصعب بمكان أن تحدد من هي الأسماء الأقدر على الرسوخ كعلامات مميزة في سماء الشعر العربي بشكل عام ..وحال الشعر في الشرق الأوسط لا يختلف عن مثيله في المغرب العربي، ولكن ما نحتاجه حاليا دراسات جدية لقراءة الواقع الشعري الحديث وأهم الأسماء الفاعلة فيه..علما وان ملتقيات الشعر العربية لا تعكس الأسماء الجديرة بالحضور ..


مجلة عشتار \ بصراحة، كيف رايت موقع مجلة عشتار وبدون مجاملة لطفا؟
إن كانت عشتار ترمز إلى آلهة الحب والجمال، فمجلة عشتار تعكس عبر صفحاتها الجمال الحقيقي عبر النصوص الإبداعية المنشورة وعبر ما تطرحه من إشكاليات فكرية تهم النخب الفكرية العربية بشكل عام


مجلة عشتار \ بمناسبة اللقاء ماذا ستقدمين لقراء عشتار من كلمات ؟
شكرا لمجلة عشتار ...سعدت بهذه الاستضافة .. أرجو أن يكون هذا الحوار نافذة لقراء عشتار للاطلاع على بعض الإضاءات حول هيام الفرشيشي الكاتبة التونسية والإنسانة


http://www.ishtarjournal.com/