من الحدباء إلى الفيحاء ومن الفلاحة إلى الملاحة


المحرر موضوع: من الحدباء إلى الفيحاء ومن الفلاحة إلى الملاحة  (زيارة 3610 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل خالد توما

  • عضو مميز
  • ****
  • مشاركة: 1622
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني



آل سمعان

من الحدباء إلى الفيحاء ومن الفلاحة إلى الملاحة
 
ملف خاص نشرته جريدة المستقبل العراقي في 31/5/2012
 
 
كاظم فنجان الحمامي
 
ينتسب (آل سمعان) إلى القبائل المسيحية الموصلية, التي احترفت الفلاحة والزراعة في غابات الموصل الحدباء لعشرات القرون, وامتدت جذورها في أديم هذه الأرض الطيبة إلى قديم الزمان, من دون أن يفكر أبناؤها بمغادرة قراهم الريفية العتيقة, لكنهم شرعوا بالهجرة إلى المدن العراقية الوسطى والجنوبية على شكل دفعات فردية بعد الحرب العالمية الأولى, وكان (سليم ميخائيل سمعان) من بين الذين قرروا النزوح من الحدباء إلى الفيحاء, فترك الفلاحة لينخرط في عالم الملاحة, ويثبت أقدامه على ضفاف شط العرب. .
ولد (سليم ميخائيل) عام 1917 في الريف الموصلي الجميل, والتحق بالخدمة العسكرية عام 1935, وحصل على وسام الشرف في معارك التحرير عام 1948, عن شجاعته وكفاءته في صنف المخابرة اللاسلكية, ضمن صفوف القوات العراقية الباسلة المتجحفلة شمالي الضفة الغربية في (جنين) بفلسطين, وكان أول من أبرق أنباء الانتصارات الميدانية الساحقة ضد عصابات منظمة (الهاجانا), في معركة شرسة بالسلاح الأبيض دارت رحاها هناك من الثاني إلى الرابع من حزيران, أصيب فيها المخابر (سليم) بصدره, ثم تماثل للشفاء والتحق بصنوف القوة الجوية ليكمل مشواره مع أجهزة المورس البرقي بتردداتها المتداولة آنذاك. .
 
تسرح (سليم) من الخدمة العسكرية عام 1952 ليلتحق بوظيفة (مأمور لاسلكي) في مطار البصرة الدولي, الذي كان مرتبطا وقتذاك بسلطة الموانئ العراقية, فوجد المجال مفتوحا أمامه لممارسة الأنشطة المينائية المتشعبة, ووقع اختياره على محطة الادلاء البحريين العاملة في عرض البحر, فاندمج في عوالم المخاطبات اللاسلكية, الصوتية والبصرية, وكان من خيرة الضباط الذين قدموا أفضل الخدمات لخطوط الشحن البحري, فأبرق رسائل السفن التجارية المترددة على الموانئ العراقية, ووقع عليه الخيار لمرافقة السفن العراقية في رحلاتها المكوكية بين الفاو وبومباي في الهند, وظل في وظيفته اللاسلكية إلى اليوم الذي التحق فيه ابنه (سمير) بالموانئ العراقية عام 1970. .
كان (سليم) من خيرة الضباط الذين أسهموا في تطوير محطات البث اللاسلكية في البصرة, وتعاملوا بمرونة تامة مع السفن القادمة والمغادرة, فارتبط مهنيا وروحيا بالسفن والمرافئ والأرصفة, حتى أنهكه المرض بعد عمر طويل, فرحل عام 1996 إلى المستشفيات الامريكية لتلقي العلاج, وشاءت الأقدار أن يموت في الغربة يوم 12/نيسان/2005. .
ربما كان لتعلق (سليم) بمهنة خاله الكابتن البحري العراقي (توماس دويشا) الأثر الكبير في تحسن مهاراته البحرية, وكان خاله الثاني (يوسف دويشا) مديرا لمركز جمارك رصيف العشار على ضفاف شط العرب, لم يكن لكابتن (توماس) أولاد, لأنه عزف عن الزواج حتى مماته, أما شقيقه (يوسف) فتزوج من فتاة لبنانية جميلة, أنجبت له ست بنات, نذكر منهن (رجاء, وسلمى, ولبنى, وسلوى), جميعهن متزوجات, ويعشن الآن في مدينة (ديترويت), ومن نافلة القول نذكر إن (بيت دويشا) من وجهاء المجتمع المعروفين بثقافتهم وثرائهم وسمعتهم الطيبة في البصرة, وكانت لهم إسهامات كبيرة في التجارة الحرة, وفي تطوير أحواض المملحة البحرية بالفاو. .
تميز الكابتن (توماس) بمهاراته الملاحية, وكفاءته الإدارية, وقدراته الفائقة في سلك الإرشاد البحرية, وكان معروفا بلباقته وأناقته ومكانته الكبيرة في عالم النقل البحري. ومن المؤكد إن (توماس) هذا كان هو القدوة الحسنة, فاقتدى به الكابتن (سمير بن سليم ميخائيل), الذي ولد في الموصل عام 1949, وانتقل مع والده (سليم) إلى البصرة وهو في سن الرابعة. .
بدأ (سمير) دراسته الابتدائية في مدرسة (المربد) بالعشار, وأكملها في مدرسة (الرشيد) الابتدائية بالمعقل, وشاءت الظروف أن يكون من ضمن التلاميذ الذين شملهم البرنامج التدريبي (خذوهم صغارا), الذي تبناه المُصلح الكبير (مزهر الشاوي) في ستينيات القرن الماضي, وكان يتلخص بإرسال أبناء العمال والموظفين, الذين أكملوا الدراسة الابتدائية, والسماح لهم بمواصلة الدراسة الإعدادية والجامعية في بريطانيا, ومن ثم التخصص في المهن المينائية, على نفقة مصلحة الموانئ العراقية, التي تكفلت بتغطية النفقات كلها من لحظة انطلاق الطائرة من مطار البصرة, وحتى يوم عودتهم إلى أرض الوطن. .
 
كان (سمير) من أفراد الدفعة الطلابية التي غادرت البصرة إلى المملكة المتحدة عام 1962, كانوا تسعة طلاب. نذكر منهم: الكابتن حسين محمد عبد الله اللعيبي (المدير العام الأسبق للموانئ العراقية بعد عام 2005), والكابتن جبار سعيد (ممثل شركة الملاحة العربية المتحدة في العراق), وحسن كاظم, ومؤيد عارف, وعبد الصمد مولان, وحسن الدبوني. .
 
التحق سمير أول مرة بمدارس مدينة (هرنبيي), في مقاطعة (كينت) بانجلترا لأكثر من سنتين دراسيتين, التحق بعدها بكلية (وستر) البحرية, وهي عبارة عن سفينة  شراعية عملاقة من السفن التجارية القديمة, اسمها (H.M.S. Worcester), مقسمة إلى قواطع طولية وعرضية, ومقاطع دراسية, تضم قاعات للمنام, وصالات للطعام, وتكاد تكون شبه متوقفة على مراسيها (مخاطيفها) في نهر التايمس. .
التقى (سمير) على ظهر سفينة التدريب مجموعة أخرى من مجاميع الطلاب العراقيين الذين أوفدوا للدراسة على نفقة الموانئ العراقية, نذكر منهم: ضياء توفيق, وأكثم أحمد, وواثق الأزدي, ومصطفى الرديني, وهاشم نعمة. .
 
ثم غادر بريطانيا للتدريب العملي في عرض البحر على سفن شركة (Strick Line), لأكثر من عامين متواصلين, وكان معه على ظهر الباخرة (بلوجستان) زميله (مؤيد عارف), وشاءت الصدف أن تكون هذه الباخرة من السفن التجارية المترددة على ميناء البصرة بالمعقل, وعمل أيضا في الفترة نفسها على بعض بواخر الشركة البريطانية, نذكر منها: الباخرة (تركستان), و(بهارستان), و(سربستان), كانت أسماء هذه البواخر تنتهي بكلمة (ستان), وتكاد تكون متخصصة بنقل البضائع من والى موانئ شط العرب لنقل التمور والحبوب والمنتجات الزراعية العراقية الأخرى, وما أن انتهت مرحلة التدريب العملي حتى انتقل مباشرة إلى كلية (ساوث شيلدز) البحرية, الواقعة في ضواحي المدينة التي حملت اسمها, وكان من الطلاب الموهوبين, إذ استطاع أن يستوعب المناهج التفصيلية كلها في غضون ستة أشهر فقط, نجح بعدها في أداء الامتحان النهائي وتخرج فيها بدرجة (ضابط بحري ثان), وهي الدرجة التي تؤهله للعمل بوظيفة ملاح متمرس على ظهور السفن العابرة للمحيطات, فسجل بهذا النجاح الباهر رقما قياسيا للعراق على لوحة الشرف في قاعة التكريم لكلية (ساوث شيلدز), عاد بعدها إلى العراق مسلحا بالخبرة والمهارة والكفاءة, فأخذته الموانئ العراقية بالأحضان في السادس والعشرين من آب من عام 1970, وألحقته بأسطولها المحلي, فعمل على سفن الحفر البخارية (كركوك), و(السليمانية), و(كربلاء) لغاية الشهر التاسع من عام 1973, عاد بعد ذلك التاريخ للعمل في البحار المفتوحة على ظهر الباخرة العراقية (بابل) وهي من سفن الأسطول البحري العراقي في قمة ازدهاره, واستمر على ظهر الباخرة (بابل) لأكثر من ثلاث سنوات, إلى أن جاء بديله الكابتن (سمير الركابي),
 
فغادر البحار الواسعة في منتصف عام 1976, ليلتحق ثانية بسفن الحفر الحديثة, ثم عمل على الباخرة (المربد), والباخرة (الصمود), حتى صار مؤهلا لتسلم قيادة السفينة (الخليج العربي) بعد وصولها من ألمانيا, وأصبح هو ربانها. .
 
 
 
كان (سمير) من خيرة الربابنة المعروفين بالتزامهم وانضباطهم, ولم يتخلف عن التحاقه بتشكيلات قيادة القوة البحرية والدفاع الساحلي, لأداء الخدمة العسكرية الإلزامية, فنسب للعمل بدرجة (مدرس) في الكلية البحرية التابعة لأكاديمية الخليج العربي للدراسات البحرية, فعمل في سلك التدريس إلى جانب الكابتن (نزار جرجيس بني), والكابتن (أكثم أحمد عبد الحليم), ثم عاد بعد التسريح من الخدمة ليعمل في ميناء ام قصر بدرجة ربان مرفأ من عام 1990 حتى نهاية 2001, ثم غادر العراق إلى غير رجعة بسبب الظروف المعيشية والأمنية القاسية, فهاجر إلى الولايات المتحدة الامريكية, واستقر مؤقتا مع عائلته في ديترويت, ثم انتقل الى الجنوب ليعيش في مدينة (سان دييغو) الجميلة بولاية كاليفورنيا, فاستقر هناك مع زوجته الوفية (السيدة أميرة أم سرى), وأولادهم: (سرى) من مواليد البصرة 1979, وهي الكبيرة متزوجة من عراقي مغترب (رعد), وتعمل في رياض الأطفال, وابنهم الكبير (سامر) من مواليد بغداد 1983, ويعمل في شركة لشحن المواد الطبية إلى جنوب شرق آسيا, وهو متزوج من عراقية مغتربة (نبراس) تعمل صيدلانية, وابنهم (سلام), وهو من مواليد بغداد 1988, يواصل دراسته المسائية في هندسة شبكات الانترنت. .
ومن عجائب الأمور وغرائب الدهور إن الكابتن سمير سليم ميخائيل خدم الموانئ العراقية لأكثر من (35) عاما في عرض البحر من دون أن يكافأ على خدمته الممتازة, ومن دون أن يحال إلى التقاعد, وأصبح من ضمن المفصولين من الوظيفة, بموجب أحكام قانون الخدمة البحرية المدنية, بغض النظر عن الظروف القاهرة, التي اضطرته للهجرة عام 2001. .
 
لقد خسر العراق ثروة لا تقدر بثمن عندما تغافل عن هجرة العوائل المسيحية, وارتكب اكبر هفواته عندما سمح للقوى الهمجية بتهجيرهم بأساليبها الاستفزازية الظالمة, ففقدت البصرة أعز ما لديها في غضون بضعة أعوام, كانت فيها هي الخاسرة, في خضم الفوضى الأمنية التي روعت التجمعات السكانية المسالمة, حتى امتدت يد الظلم لتسهم في تشريد آلاف العوائل, بمؤامرة خبيثة استهدفت تفريغ العراق من مقوماته الديموغرافية الضاربة في عمق التاريخ, ولسنا مغالين إذا قلنا ان لهذه الأسر المسيحية في البصرة الدور الريادي الأكبر في رفد الحركة الملاحية بأصحاب المواهب الفذة, والنفوس الطيبة, والعقول المنتجة, المسلحة بأدوات الرقي الحضاري, ولم يبق منهم الآن سوى الكابتن (عماد كامل عبودي), والمرشد البحري (رمزي إيشو داود), وطويت تلك الصفحات الذهبية من سجلات الموانئ, التي كانت مزدانة بباقة كبيرة من الربابنة والمهندسين المسيحيين, نذكر منهم الكابتن عصام عمسو, وسمير ناصر بولص, ونزار جرجيس بُني, ووليد لويس هيلو, وأميل أواديس, وأمجد فرنسيس, والمرشد البحري فرج بُني, وبسيم دورنة, ونبيل كامل رزوقي, وروحي فرج دانو, ووديع بطرس, ويوحنا نعمان, والمهندس بهنام عزيز فتوحي, وعصام خوشابا, وصباح جميل بولص, ووارتكيس اواكيم, وانترانيك نهاديت, وأوانيس ماردروسيان, والمتخصص بالرفاسات البحرية المرحوم مانؤيل فتوحي, ومن المهندسين الذين أسهموا في تنفيذ المشاريع المينائية نذكر رئيس المهندسين غازي سعيد نعوم, وإلياس حنا مدبّك, والمرحوم أدمون حناوي, ووارتكيس مهرانيان, والمساح البحري الأقدم المرحوم الكسندر فرجيبيان. .
كان هؤلاء الرواد من المبدعين والموهوبين هم الذين شاركوا مشاركة فاعلة في رسم الصور الزاهية لموانئنا بعد منتصف القرن الماضي, وهم الذين عززوا مسيرتها بوطنيتهم الصادقة, وصفاء قلوبهم المفعمة بالحب والوفاء, وهم المعين المتدفق بعطاء الطاقات الاستثنائية النادرة, فكانوا من أهم مقومات النجاح والتألق في الزمن الجميل, وكم تمنيت أن يكون مستقبلنا بجمال ماضينا, لكننا سنبقى هنا بانتظار فجر جديد, وشروق جديد, وأمل جديد, يجمعنا وإياهم في ربوع مهد الحضارات.