ضيف المساء


المحرر موضوع: ضيف المساء  (زيارة 2060 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل نصرت مردان

  • عضو
  • *
  • مشاركة: 24
    • مشاهدة الملف الشخصي
ضيف المساء
« في: 16:55 18/06/2012 »
قص
                                        ضيف المساء

                                                    نصرت مردان

الى صديقي العزيز المخرج المسرحي لطيف نعمان

 نهض من نومه .
من زجاج النافذة المتسخ ، أبصر الحنفية التي تقع في وسط الحوش  وحولها عدة دجاجات ، تشرب الماء ،وهي ترفع رؤوسها إلى السماء شكرا لله على  القطرات التي تذهب بظمئها كما كانت تقول له أمه عندما كان ولدا غرا .
حاول أن يغمض عينيه ثانية ليواصل النوم ، فاندفع الديك في صيحة مجلجلة ،طويلة وقوية . تمنى لو كان قريبا منه ليرقعه بفردة من نعاله.
ارتفع صوت سعال جارهم الحاج حسين ، الذي لا يقل إزعاجا عن صوت الديك ، والذي لا بد أن ينتهي ببصقة كبيرة من البلغم.
كان يعلم ماالذي يحدث في الخارج ..فبعد قليل سينطلق وهاب بعربته التي يتوسطها قدر كبير من الحمص المسلوق إلى حيث محطة العمال اليوميين ، الذين ينتظرون عملا منذ الصباح المبكر ، فيروحون خلال الانتظار يتناولون فطورهم المؤلف من طبق من الحمص وقطعة خبز .
وسوف لن تتأخر سيارة حمدي في طريقها إلى نقليات المدينة ، لتذهب بعد انتظار ربما في السفرة الألف في رحلة بين كركوك وبغداد.
بدأت الشمس تفرض سلطانها على كل مكان والتي ستتحول إلى نار كاوية في عز الظهيرة.
أحس بطنين في أذنيه وكأنه إنذار موجه إليه من مخه بأن يتوقف من أن يعب الخمرة كل مساء ، وأن يتوقف كما تقول له أمه عن صحبة رفاق السوء من ( السرسرية) الذين تحملهم مسؤولية اندفاع وحيدها في الشرب كل مساء إلى الحد الذي يسقط فيه كل ليلة كالصريع إلى فراشه.
ارتفعت من التنور رائحة الخبز الطري . أمه كعادتها تخبز كل صباح ، ليبيعه هو إلى سوق (القورية) ويجلس ساعات طويلة حتى ينتهي من آخر رغيف لديه.
كان معتادا عند حلول المساء الانطلاق صوب الحانات والبارات الرخيصة ليرتشف ماشاء له من الخمرة. وهي لحظات ممتعة بالنسبة له. فكل من حواليه تطفح على وجهه ابتسامه ، ماتلبث أن تتحول إلى ضحكات عالية  لأتفه الأسباب  على ضوء النكات والقفشات المتبادلة. حيث أن الكؤوس الطافحة كفيلة أن تقلب أكثر الوجوه عبوسا وقمطريرا  إلى وجوه سعيدة مترعة بالحبور والمرح الذي يستمر حتى بعد مغادرتهم للحانة في طريق العودة إلى بيوتهم ، واستغراقهم في نوم عميق لا تقطعه إلا شمس نهار جديد ، وصوت الحياة الذي ينطلق من الشوارع والأزقة والسيارات والبيوت.
دخلت أمه إلى غرفته لإيقاظه لاعتقادها بأنه لا يزال نائما .بادر إلى تحيتها :
ـ صباح الخير يا أمي .
اقتربت منه وجلست قرب رأسه ، وهي تقول له :
ـ لقد استيقظ ضيفك ياولدي .
لم يفهم ،فهو ككل مساء رجع من الحانة لوحده إلى البيت . لكنه ألفى نفسه يسألها :
ـ أي ضيف يا أمي ؟
قالت له بهدوء :
ـ الجندي الأمريكي .
نظر إليها باستغراب وهو يجلس متحفزا على فراشه :
ـ في بيتنا جندي أمريكي !
واقتنع من ملامحها بأنها تتكلم الحقيقة ، وأن شيئا ماحدث ليلة أمس. حدث لا يتذكر تفاصيله . انطلقت تروي له التفاصيل :
ـ لقد أتيتما معا إلى البيت ، كان يلبس لباسه العسكري ،وأنت كنت تلح عليّ في إكرامه لأنه ضيف ،وواجب الضيف إكرامه . لم تكتف بذلك بل بدأت تشرف على إعداد فراش نظيف له في غرفة الضيوف ..وكان هو دائم الضحك . كان يبدو عليكما وكأنكما تعرفان بعض منذ زمن طويل .
أراد أن يقطع الشك باليقين فأسرع نحو غرفة الضيوف ففوجيء هناك به. كان في بدلته العسكرية عندما رآه أسرع إليه مصافحا وشاكرا. لم يكن يعلم من الانكليزية إلا عبارات محدودة ، لكنه فهم أن الجندي يشكره.
كانت الحيرة لا تزال تحتل مساحات واسعة من تفكيره . ماذا تحدث مع الجندي الأمريكي السكير طوال الليل .ماالذي قاد الأمريكي إلى تلك الحانة الرخيصة الشعبية وقد سمع بأن للجنود الأمريكان في المدينة كل مزايا التسلية في معسكرهم ؟.. وكيف واتته الشجاعة في أن يرافقه إلى منزله ؟ .. هتف من أعماقه : إنها الخمرة .
لم يبد عليه أي أثر من مشاعر الود والألفة التي بدت عليه لحظة لقائه بالجندي الأمريكي  في الحانة . كان يبحث عن كلمة مناسبة عندما صافحه الأمريكي الذي قال له ، أنه سيرجع إلى المعسكر ، وان سيارة عسكرية ستأخذه .
لم يمر على وقوفهما أمام الباب إلا لحظات حتى أطلت سيارة  في رأس الزقاق . ثمة من نساء الجيران كان ينظرن من حلف أبوابهن نصف المواربة بفضول .رفع الجندي يده له من داخل السيارة مودعا. ، فقابله بالمثل.
انطلقت السيارة العسكرية مسرعة وكأنها تريد أن تتحرر بأسرع وقت ممكن من الزقاق الضيق. استغرب من كيفية عثورهم على هذه المحلة المنسية القديمة. لكنه تمتم في نفسه " إنهم الأمريكان ، لا يخفى عليهم شيء".
رجع بمشاعر متناقضة  وكأنه فقد توازنه . كانت الأزمنة والأمكنة تتداخل في أعماقه ، بينما كان شقيقه الذي استشهد في إحدى غارات الطائرات الأمريكية ، ينظر من خلال صورته المعلقة بعينين ثابتتين  صوب الباب الخارجي الذي خرج منه الجندي الأمريكي .

                                                                           10.11.2011

                    nasratmardan@bluewin.ch
         





غير متصل لطيف نعمان سياوش

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 465
  • الجنس: ذكر
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
رد: ضيف المساء
« رد #1 في: 11:27 19/06/2012 »
هي حكاية حلوة ومشوقه سعدت وتمتعت بقرائتها .. شكرا لانك تذكرتني ياصديقي الطيب..                                                                                                             لطيف نعمان