تَرْسِيل خارج الإطار..


المحرر موضوع: تَرْسِيل خارج الإطار..  (زيارة 1821 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل Fatin Noor

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 138
    • مشاهدة الملف الشخصي
تَرْسِيل خارج الإطار..
« في: 12:28 24/06/2012 »
تَرْسِيل خارج الإطار..
(1)
بعد عشية صائتة، جاءت امرأة الزقاق المارثوني بمطرقة ذات مقبض فخم، ومسمار متين ذي عوج مقبول، و لوحة مكسيّة بإطار ثقيل من العاج المرصع و كيس سميك من الكتان، للرسام الرومانسي أوجين ديلاكروا.
وهي تذرع مساحة اللوحة، استغرقت في عنوانها "الحرية تقود الشعوب"، المحفور في ذاكرتها بإزميل قديم مستحب. تناولت كأسا من الواين الأحمر، ومارست عادتها السرية أمام ما تبقى من " السَّوابح" في حوض الماء المركون على طاولة قصيرة الأرجل في الزاوية. تاركة الجدار يستغرق في عافيته.
هذا يكفي.. قالت بعد صعداء النفس، و في طريقها لنزح رغوة الحوض، وفحص الفلتر والترمومتر وأشياء آخر.
هذا يكفي.. لبيت آمن تماما، بالكثير من الشكوك والإثارة
..هكذا همهمت، وعينها تخامر أحوال الجدار..
بعد وقوفها على أهوال وسخ الفلتر، و عطب مضخة القاع.

(2)
وهي تنثر الحبوب بتغنج معتدل، سألت نفسها لمرة واحدة:
"لماذا يرفع الديك عقيرته بالصياح، بينما تضع الدجاجة بيضتها بصمت"*
هذا يكفي.. قالت في سرها.. لفهم "الكامل في تاريخ التعويل".
ما وقع عليه رشدها من إجابة ظنتها شافية، راحت ترددها بصوت ناشز الترَنّم:
..الدجاجات يعولن غالبا على الصياح المخبوء في بيوضهن..
والمتوقع سماعه بعد هشاشة القشور، وتسمين حناجر الناقرين؛
بنسبة الـ "خمسين بالمئة".

 (3)
تعلقت في طفولتها بأحد رواد القرن التاسع عشر في فن البورتريه. آبان ربيعها، تمكنت من شراء لوحته الشهيرة "المربع الأسود" المحببة إليها، من أجل تجريد الفواصل المرئية بين الفصول على شرفات جسدها.
بعد احتفائها بتعليق "المربع الأسود" قبالة لوحة أخرى لنفس الفنان بعنوان" أبيض على أبيض"، كانت قد ورثتها عن جدها المناضل، كناس الحي الشعبي أبان حياته النشطة، قالت بصوت عال وهي تقضم تفاحة سانحة على أريكة أثرية في رواق ضيق..
..هذا يكفي.. لتدشين خطيئة جيدة لا تبلى نشوتها.
حين اشتد لهاث الأفق لحمرة الغياب، حزمت أنفاسها لمغادرة السرداب المكتظ بنفائس نادرة ومهملة منذ اقتنائها، واللحاق بالسلم المتحرك قبل كبوته المعتادة في آخر النهار، الصاعد الى طابق علوي حيث الفرن الساخن بضراوة، وآنية مبعثرة من اللازب الأخضر.. تنتظر زجّها الى الجحيم.
و فيما باشر البارح من هواء السرداب بتدشين أطوار الأكسدة في موضع القضمة، تناسل مذاقها بخدر بين جدارين لا يهتكان سر الألوان.


* عن مثل روسي

 فاتن نور
June, 22, 2012