قصة قصيرة
في عيادة الألبوم
اندراوس هرمز
نفذت كل المواضيع التي كانت معروضة على طاولة الذكريات..مسح أبو ( زاديقا) بقية الحروف التي علقت بشاربه..وهو يلتهم الساخن ، والبارد، والحلو، والحامض، والمالح ، والمر، والمز، مما طبخته السنين المستعجلة ، في تيفالات أدمغته المضربة عن العمل منذ مغادرته القرية، المدينة التي هاجر اليها مؤخراً ، زودتَّه بمجهرٍ ذو أبعاد ثلاثة ، تطفو على سطح خياله خزعبلات السَكَر لكل الذين عاشرهم في الغربة ، صادقهم ، ساعدهم ،واساهم ، تبخرت أفعاله هذه هباءً منثورا.. وها هي ندباتها تسرح وتمرح فوق أسطول الندم الراسي على ميناء مبادئه المنتهية صلاحياتها منذ أمد.
نظر خلسة الى ضيفه المغترب ، القادم من كندا ، والراكن بصمت المستغرب من شعوذات هذا الزمن ، الى جانبه الأيسر... ذاكرته تحاول إشترار ما نهمته من ذكريات خلال الساعات الثلاثة التي أبحر فيها برفقة ( أبو زاديقا ) في دهاليز الأقبية المحفوفة بمخاطر الأعتكاف والأحباط وانفلوانزا اليأس والأكتئاب ..قال: قد تفيد بعض الحلويات الصورية بعد هذه الوجبة الأخبارية الأستعراضية الدسمة !!
تناول الضيف الألبوم المنبطح على وجهه بأمرٍ من الأيادي المهملة، في الطابق السفلي من الطاولة المدَّورة عنوة، بعد أن فقدت كل ما فيها من زوايا، و الجاثية أمامه على بقايا أقدام ٍ أربعة.. وقد خانتها ذاكرتها ولم تعد تتذكر أنها كانت مستطيلة فيما مضى !! تدغدغها شقوق وتجاعيد الأسمنت الباهت الكاحت، المتعطش الى شفاه الممسحة الندية الغائبة دون إذن شرعي عن الدوام ، منذ أن دخلت أم (زاديقا) منظمة خادمات المنازل ، لتحسين الحال والأحوال، وحتى الحصول على شرف الإصابة بعضوية (عرق النسا). الصوَّر في الألبوم مبعثرة بدون أرشفة .. كالقبور في مقابر القرى البعيدة هناك .. على ضفاف الخابور المهملة عن دراية وغير دراية، هذه الصفحة هي الأولى وهي بنفس الوقت تقوم بمهمة الغلاف، بعد فناء هذا الأخيرفي ظروف غامضة ، هذه صورة أخ زوجتي مدَّعم ببرواز من الطراز الأعجمي . .وقد تزوج حديثاً، وهذه زوجته وقد أحتضنها مبدئياً .. في لقطة ثابتة .. ولا أدري فيما إذا أنتهت فترة الحضانة .. وعلى الأرجح أن تكون قد أنتهت بحكم العادة ، أنها الصورة المفضَّلة عند زوجتي وحتى إشعار آخر، مكانها في الوسط، مع قليل من الفسحة البيضاء لأراحة عين المشاهد ... كي يطيل النظر ويدقق في التفاصيل الشخصية غير الظاهرة في الصورة وخارج إطار العائلة... إنه أخوها الوحيد .. أميَّ ، عاطل عن العمل، منذ أن كان في بطن حماتي !! بحكم العلاقات والتقاليد الإجتماعية الموروثة "جيرانياً " ، هواياته إستقبال الحوالات القادمة من الخارج على شكل هبات موسمية ومناسباتية، خبرة خمسة وعشرون سنة ، في أسعار العملات وتذبذباتها ، وبالأخص الدولار الأمريكي... والكندي والأسترالي والكورون السويدي . شعاره
الك أخت بالخارج ...الك حظ بالدارج ) ، أغنيته المفضلة (يا حلاق زبطلي السكسوكة) ... المكان الأحب الى قلبه مقهى (أبو أشتقتلو)، هذه صورة (أبو سلحاف) خال زوجتي، هو هكذا دائماً عبوس .. مع أن برجه يقول غير هذا !! لديه مكتب زاخر بالكتب ... يعشق المطالعة كما يدَّعي ... وهو كالأحجار الكريمة المدفونة... قد يُكتشفْ يوماً ما من قبل حضارة ما...بعد أن يخطو العلم خطوات متقدمة ويخترع العلماء الآت أحدث في البحث عن المواد الثمينة الدفينة، ويستفاد منه في الزينة وصناعة سلع التباهي ... وقد يظل هكذا مدفوناً إلى أن يدفن .. لا أدري يقال إنه مثقف !!... ولكن لا أحدٌ يستفاد من ثقافته!!... ومن مطالعاته...!! إنه يذكَّرك بالشجرة التي لا تثمر والتي قال عنها السيد المسيح ما قاله ، حتى أولاده.. أكباده التي تمشي على الأرض ، تركوا المدرسة في مراحلها الأولى مرغمين بسبب ضعف الأستيعاب، وعدم صلاحية أدمغتهم كأرضية لجبل المواد الخام الداخلة في صناعة الثقافة والعلوم .أكره ما عنده هو علم الوراثة ... ولايسميه علماً بل هرطقات وخرافات !! رفضته السفارة الأسترالية بعد أن قرأت سيرته الذاتية ، وأحيلت أضبارته الى مركز البحوث في أصل الأنسان التابعة لوزارة (من أين لك هذا ؟).. وهذه صورة (داما .. أبو خوسه) هل تذكرته ؟ إنه ما زال يهوى جمع القروش!! وعروشه قروشه . أنظر ودقق في شكله متأملاً . إنه لا يتأثر بقوانين الفيزياء والكيمياء ولا بقانون الجاذبية..ولا بقوانين الأواني المستطرقة..أمواله في أزدياد دائم...ومصروفه ثابت المستوى لا يتناسب ودخله.. فهو لا يتمدد ولا يتقلص ولا يغيَّر قميصه ذات الخطوط الأفقية..شعاره : (بيت السبع ... خالٍ من العظام). هذا هو منذ معرفتي به في الصفوف الأبتدائية..يقال إنه يملك الملايين ..لكنه لايملك حق قرار التصرف.. لا أدري لماذا يعاقبه الله هكذا ؟... مع أنه تعَّلم في الفترة الأخيرة صلاة (أبانا الذي في السموات.... ) أحدهم قال عنه.. أنه مختص بجمع الأموال ، وهو يتقن هذه اللغة جيداً ... لكنه شبه أميِّ.. بلغة الصرف والأنفاق وتحسين المعيشة ، يكاد لا يفرق بين الألف والياء في أبجديتها ..تسأله عن مصير أمواله ؟ يجيبك على الفور ، مستقبل الأولاد !! أي مستقبل ؟ وأي أولاد ؟ اذا كان أولادك لا يميزون الكازوز عن شراب السعال ؟ فلا هم يعرفون طعم الكازوز!! ولا هم تذوقوا شراب السعال حتى في أوج موسمه !! لا يعرفون متى يتجشؤون قبل شرب الكازوز أم بعده ؟.. ولكنهم يعرفون أن هناك علاقة ما بين الكازوز والتجشؤ!! قال أبنه الكبير ذات يومٍ أنه لم يتجشا منذ آيام الرضاعة.. وقد نسي نكهتها !! وهذه صورة (أبو صرتو) لكنها بالمقلوب ... هكذا هي دائماً مقلوبة.. مع أنني أحاول في كل مرةٍ ، أستعرض فيه الألبوم ، أعادتها الى وضعها الطبيعي.. لكنها تأبى النزول عند رغباتي، المسكين منذ أن تزوج من (سهمة بريشا) وهو يعاني من صعوبة في التمييز بين الأعلى والأسفل وبين الصعود والنزول، ظن في بداية زواجه أنه حظي بكنزٍ ثمين ونادر، ظل مستغرباً لفترة طويلة أيام الخطوبة، كيف أنه استطاع العثور على هذا الكنز دون سواه، أيقن يومها أن الله قد منحه حاسة إضافية للاستشعار عن بعد، واليوم يعاني حالة سوء فهم ..عن قرب.. مع تضخم مذهل في كبد التبريرات...وألم شديد في مفاصل الأتيكيت... وسببه فيروس معدي إنتقل اليه من صديقات زوجته... النافرات من رائحة الفقر المنبعثة من مراجل المجتمعات الآشورية التي عُمِّد فيها، بالأضافة الى أن معدته التي أنسلخت عن أبناء جلدتها ، لم تعد تستغيث النظر في معاجم طبخ الوالدة ومفرداتها.. أمثال (الكرثو ، الدخوا ، الجاجيق ....) *.
وهذه صورة ( داشم ... أبن أبو داشم ) يعمل حارس مرآب ، هنا في آخر الحارة ، يحاول بقدر المستطاع، الأثبات لزوجته أنه شعلة من الذكاء ، ربما يعوض ما ينقصه .. من بؤس المنظر ، مقارنة بجمال زوجته، ومن أجل هذا يستضيف لديه في كل ليلة واحدٌ من الأميين المعروفين بغبائهم وجهلهم بأبسط أمور الحياة..ويطرح عليهم أسئلة عن الكواكب والفضاء والمجرات .. وأعضاء المرأة التناسلية ... يضحك طويلاً لعدم معرفتهم بالأجوبة.. ومدحهم له بهذه الثروة من المعلومات التي بحوزته .. ثم ينظر الى زوجته ، ويبدأ بشرح ما تيسَّر له من معلومات ، أرتشفها خلسة من جريدة معلمه ، قبل تسليمها إياه، ثم يرسم إشارة بحواجبه الكثة توحي بالنصر.. تبتسم زوجته ..وتردد عبارتها المشهورة : نعم أن داشم قصير القامة.. وقبيح المنظر ... لكنه ذكي... ذكي أبن الحرام !! وهذه صورة (سرسك أبونطيرا) كاتب كلمات أغنية (زيرينة... زيرينة) التي تألق فيها الفنان (صابون سئورا) وقد أشترط عليه الكاتب أن يعيد غناءها في كل البوم جديد يصدره ، بناءً على طلب الجمهور كما يدَّعي !! منذ أن كتب كلمات هذه الأغنية، ولاقت النجاح الباهر، وهو متوقف عن العمل والكتابة ، ليتفرغ لسماعها !! ولا يجالس سوى الكتَّاب والفنانين وبقايا العجائز الناجين من مذبحة" سيميله " وقد طلب من شركة الكهرباء، والمياه، والهاتف والمازوت ، إضافة العبارة التالية: (كاتب كلمات أغنية .. زيرينه) بعد إسمه ، وقد أضافها أيضاً الى إسمه المدَّون تحت جرس بيته ، وسمعت بالفترة الأخيرة من زوجته، أنه سافر الى مسقط رأسه لاستكمال الأجراءات القانونية من أجل أضافتها الى هويته وجواز سفره، وحجته في ذلك أنها قد تفيده في الحصول على الفيزا التي يحلم بها لحضور حفلة الفنان (صابون سئورا) شخصياً في أمريكا، ليراقب تعابير وجهه .. ومدى تأثره !! وهو يؤدي أغنية ( زيرينه)...كما أنه كان قد أنضم الى دورة تعليم لغة الأم ... حيث تمكن من حفظ بعض الجمل الضرورية دبلوماسياً تحسباً ...لأي مقابلة إذاعية، أو صحفية، وربما تلفزيونية فضائية .!! والتي تجرى عادة مع بعض من نظرائه في هذا المجال !!! أخذ الضيف الألبوم من يد أبو (زاديقا) رماه جانباً... ترى هل تعاد سيرة القيم الجمالية مرة أخرى.يا أبو (زاديقا) ؟
هل يُرى الإيثار والمحبة والقلق المنتج كائنات مشخْصَّة تمر بنا وتساهرنا، نعرفها وتعرفنا، أم أن الصدود نهض جداراً لا مجال لتخطيه، وأن البلادة صارت سياجاً من الصعب الصعب تجاوزه أو القفز عنه؟ !نعم إن أسئلتك مفزعة، نافرة من ذاتِ عطشى للتواصل الحميم والإخوة الإبداعية ولكن كما ترى !! ماذا أفعل..؟ وقد تكاثر الغث الذي ما عاد يقدر عليه مشهد ثقافي بمفرده، أو مجلة أو جريدة، أو جهة فكرية بعينها. إنها اسئلة تبحث عن المحبة والأيدي النظيفة لكي تشدَّ بعضها بعضاً من أجل مشهد إبداعي رائق صاف، ومن أجل مبدعين هم فعلاً زينة الأدب والثقافة والفن، والمرآة الحقيقية المشتهاة!! ....أنها الثالثة بعد منتصف الليل.. الفناجين مقلوبة على الصحون.. زوجتي تمدّ صوتها من الغرفة الأخرى.. "ألا تريد أن تنام يا رجل ما بك" وتعود إلى نومها.. الهواء ثقيل.. ترتسم وجوه الأولاد.. كل واحد منهم ذهب إلى مكان.. تزوجوا.. البنات والشباب.. عدنا وحيدين كما كانت البداية .- لبنان -* أكلات آشورية شعبية
[/font]