اليوبيل الكهنوتي الذهبي للقس جميل نيسان السناطي
بقلم : أ. نويل فرمان احتفل القس جميل نيسان، خلال هذا الاسبوع، بيوبيله الذهبي الكهنوتي، في مسيرة اعتبرها بموجب حساباته، مسيرة القرن، من 50 سنة كهنوت مضافا اليها 10 سنوات تلمذة، مضروبة في أخماس من دعوة ربانية اختصرتها كلمات: أرجوك ان تستجيب.
فقد جرت في كنيسة الصعود بحي الامين الثانية في بغداد مراسيم القداس الاحتفالي باليوبيل الذهبي للرسامة الكهنوتية للاب جميل نيسان بحضور غبطة البطريرك مار عمانوئيل الثالث دلي بطريرك بابل على الكلدان في العراق والعالم والسادة المطارنة والاباء الكهنة والاخوات الراهبات وعدد من المسؤولين وجمع غفير من المؤمنين بضمنهم شقيقه جوزيف نيسان وعائلته.
جرى الاحتفال، في اجواء حميمة لكنيسة الصعود مع كل من استجابوا لدعوته بالحضور الشخصي، او بالقلب والروح، ممن قيموا تكريسه حياته لخدمة الله والكنيسة ولم يزل مستمرا على العطاء والخدمة برغم كل والظروف والتحديات. وجاء في بطاقة الدعوة التي حملت توقيع راعي خورنة الصعود:
أدعوكم بفرح للاحتفال معي بذكرى مرور هذا القرن من حياتي، في مسيرة ايمانية قلقة، خائفة، ولكن غير نادمة وبعيدا ان تكون أبالية... ومسيرة كهنوتية متذبذبة ذات مطبات كثيرة وتحديات مختلفة، ولكن غير خائفة ولا متقاعسة... ومسيحية جريحة، لكنها مترجية صامدة، وذلك في قداسي الـ 19 ألف و937. أشكر الذي دعاني وأبقاني واقفا على رجليّ، لأنظر الى الامام، إليه، وأجر نحوه جسدي وروحي ونفسي فيما بقى لي من العمر في هذا الزمن، وأشكركم أنتم وجميع أبناء الصعود.
مشاهد ولقطات محفورة في الذاكرة
هذا الكاهن الذي رافق المسيرة الايمانية للمئات، كنت أحدهم، منذ تفتحت عيناي، في سنواتي الاولى على طيفه الموشح بالثوب الاسود تعلوه في الرقبة ياقة بيضاء، كنت احسبها امام ابتسامته انها امتداد لثوب أبيض تحت السوتانة السوداء. كنا آنذاك (1957) نسكن غرفة صغيرة في بيت المرحومة ست ماري قندلا مديرة مدرسة التوماوية للاحداث.
وفي سناط، تموز 1958، كان الاكليريكي جميل يمسك بيد الصبي، ابن الست سنوات، ليعبر به السواقي والطرقات في المسالك النيسمية لقريتنا.
وكانت اولى الكتب التي اهداها إلى ابن عمه فرمان هرمز، وهي أولى الكتب التي وقعت بين يدي قراءة أو تصفحا: سيرة دومنيك سافيو، وكان الوالد يقرأها بشغف ويترجمها لنا معلقا، وكذلك انجيل لوقا بما حملته صفحاته الاولى من بشارة زكريا، وكتاب الغربال لميخائيل نعيمة التي ما فهمت في حينها منه حرفا.
وفي محرم من شهر 1960 تحولنا الى غرفة ببيت المرحوم مجيد لبكات، بيت تتلقى شبابيكه صدى قاعة الطعام في المعهد البطريركي الكلداني، وكنا ننذهل من هذه الجلبة التي كانت تطرق اذاننا من قرقعة معالق ومواعين، فكان الوالد يفسر ذلك بما معناه: لا بد أن المعالق كانت تكافح من اجل آخر لقمة على الصحون.
كان ذلك في سن الصف الثاني الابتدائي، عندما قادتني الاقدام يوما خارج البيت، وبقيت في كنيسة مسكنتة في صبيحة ذاك يوم الباعوثا، وقد اخترت زاوية تناظر المكان الذي كان يقف فيه الاكليريكي جميل وهو الصف الاخير أو قبله، من كبار التلاميذ المتوشحين بالأسود، وكانت جل رغبتي الطفولية، أن أبين له حضوري، وما أجمل ان كانت عيناه تلامس انظار الصبي، بابتسامة الرضا والتشجيع.
وتصادف أن تزامن دخول الاكليريكي الشاب مستشفى الموصل، مع زميله في التلمذة (الاكليريكي صباح) وكذلك ابن عمه فرمان في ردهة الانف والاذن والحنجرة لعمليات جراحية. بعد ذلك، كنا في البيت وبعد تلك المعايشة، نسمع تقارير الوالد عن كل ما دار معهم بشأن الدين، وكان يبدي انبهاره من إجابات (جمولي) عن كل الاسئلة ومعه زميله الاكليريكي صباح. مع الملاحظة انه كان يصف (جمولي) بالتلميذ الخجول الهادئ، أما زميله الاكليريكي صباح فكان يراه أقل من ذلك بمقدار معتبر حتى لكان -الوالد- يتساءل بنوع قلق، إن كان (صباح) سيصبح في أحد الايام كاهنا. أجل أصبح كاهنا هو ايضا، وحمل اسم الاب المعروف القس اسطيفان قلابات طيب الذكر.
وعقب رسامته، كنا في تهنئته، في بيت أخواله من أسرة طليا، حيث خرجت علينا العمة شقيقته المرحومة جوزة وبيدها كيس، وأخذت تنتقي منه تبركات التقويات من الكاهن الجديد، وعندها وجدت ان القريب ودعنا الى عالم فسيح يتعدى القرابة الدموية.
هذا ما فسرته اجابته، بعد عقود من الزمن لإحدى قريباتنا، التي بدورها نقلتها لي فيما بعد بنبرة الدهشة. إذ كانت قد قالت له، ها نحن يا ابونا تحولنا الى بغداد الجديدة قريبا من المشتل، فيمكنك الان زيارتنا، ليجيبها الأب جميل: أنا ليس لي الوقت الكافي للأزور ابناء رعيتي، فكيف يمكنني أن أزوركم...
وعودة الى السنة الثانية من رسامته الكهنوتية، تعود بي الذاكرة عندما جاء ايضا إلى الموصل، في عهد الاضطرابات السياسية الايديولوجية، لأذكره وهو يستقل باص المصلحة مع الوالد في زيارة لاحد الاقرباء المعتقلين.
وفي زاخو أمضيت ردحا من صيف 1964، مكملا بالإنكليزية لأتهيأ للامتحان ثانية في هذه اللغة على يد شقيقه د. جليل، وبالإشراف الصارم، لشقيقه الاكبر المعروف آنذاك باسم جابر أفندي. هناك كنت يوما قريبا من مكان النزهة التي درج الناس ان يقومون بها بعد الرمش، فلمحته محاطا بثلة متوردة من الصبايا والبنات، وأدهشني ان سمعت إحداهن تقول له أمام الاخريات: (خلي لبوخ) فوجدتني أبوح بحيرتي الى النفس متسائلا: كيف تجرؤ فتاة ان تقول لكاهن: خلي لبوخ (حرفيا: أكلت قلبك، أو ما أطيب قلبك للأكل)، فماذا كان سيبقى من قلب هذا الكاهن لعباد الله، شعب الرب الذي تكرس كاهننا له!
وجاءت أيام التلمذة في معهد مار يوحنا الحبيب للآباء الدومنيكان في الموصل، ليغدو العم الكاهن، في هذا الصيف أو ذاك، المرشد والمعرف، وأنا أرافقه في خدمته الراعوية بقرية سناط.
مرت السنوات، وشاءت الظروف أن التقيه في روما في صيف 1977، وكان خلال بعض تنقلاتنا، يعرفني الى بعض معارفه في العاصمة الايطالية، واذكر مفاكهته لي يوما بالقول: ما رأيك بهذه الايطالية، لعلك ترغب في ان ابارك زفافك منها...
وتعاقبت السنوات ليكون الاب جميل حاضرا في مباركة الاكليل في كركوك، وليأخذنا معه بعد الزفاف بسيارته الى بغداد.
وبالرغم من الصعوبات التي أدت الى الإغلاق المريب لمعهد مار يوحنا الحبيب، بشكل نهائي وتسفير من تبقى من آبائه الطيبين، والابقاء فقط على السمنير البطريركي، إلا ان القس جميل، احتفظ بعلاقات متوازنة طيبة مع خريجي كلا السمنيرين، وكان الضيف العزيز وخفيف الظل على دير الاباء الدومنيكان.
ثم جاءت التسعينيات، ليرعى الرجل دعوتي العلمانية كشماس انجيلي، فكانت ابواب كنيسة الصعود مفتوحة للممارسة النوعية في ذلك الوقت لمثل تلك الرسالة، بأن ارافقه لإقامة القداس، وبعد ان كان ينتهي كل الوقت المستفيض المخصص للملاحظات والتوصيات والنيات والأخبار والقصص، كان يعطيني الدور في القاء الموعظة، وقد قال مرة في كلمات التقديم: هذا الشماس الانجيلي انا عمه، مع ان صوتي ليس كصوته... ولا غرو ان شخصية هذا الكاهن في محيطه العائلي، كانت الملهمة لدعوة اخرى في البيت عينه، القس جوني داود البوتاني، ابن شقيقته المرحمة ست جليلة، إلى جانب اعداد كبيرة من الدعوات في كنيسة الصعود.
تلك كانت مشاهد ولقطات طفحت بها الذاكرة، وانسكبت على هذه الصفحات بتلقائية، لشد ما كان كاتب السطور يجترها عن هذا الكاهن الصامد، الشجاع، الجريء، الصريح، المضحي بالجاه والمناصب، بسبب مواقفه الجسورة، وقد خاطبته، برسالة الكلترونية في صفحتي (كتاب الوجه: فيس بوك) بهذه الكلمات:
يوبيل مبارك، يا مثال الطفولة التي تفتحت منها الأعين على اشراقتك...
يوبيل مبارك، يا شمعة البيت المبارك بظلك.
يوبيل مبارك، يا ابن المختار الطيب الوفي لذكرى الوالدة الراحلة،
يوبيل مبارك يا مبشر ابن عمك فرمان، وانت ابن عقد ونيف، بمولد ابنه.
يوبيل مبارك، أيها العم والمعرف والمرشد.
أيها الرائد على درب الرب، الاخ الاكبر على طريق الكهنوت، أيها الجميل.
تقبل كل الحب واطيب الامنيات يا أبونا العزيز جميل نيسان من حفيد عمك،
الاب نويل فرمان.
الصور الوثائقية أرشيف موقع كنيسة الصعود