السياسة الأوربية ومذابح الأرمن والسريان-الآشوريين في تركيا
سعيد لحدو
يوم 9-10-2006 مساءً بث التلفزيون الهولندي القناة الثانية وللمرة الأولى تقريراً خاصاً عن مذابح السريان-الآشوريين التي جرت في تركيا بحق المسيحيين عموماً ومن بينهم السريان الآشوريين من رعايا الدولة العثمانية أثناء الحرب العالمية الثانية.
وقد أجرى معدو البرنامج مقابلات مع كل من الناشط في قضية المذابح الأستاذ صبري أطمان وعضو المجلس البلدي لمدينة إنشخده صبري كبرئيل, وكذلك مع الشاب بيدروس شمعون. حيث تحدث كل من وجهة نظره عن الغبن التاريخي الكبير الذي لحق بالشعب السرياني-الآشوري نتيجة لتلك المذابح وجراء الإنكار المستمر من قبل الحكومات التركية المتعاقبة لهذه المذابح. وطالبوا بضرورة الاعتراف الرسمي بها من قبل الحكومة التركية والحكومات الأوربية كوسيلة للضغط على تركيا للقبول والاعتراف بما اقترفته من أعمال شنيعة ضد الإنسانية في تاريخها الأسود.
قبلها بأيام ألغى الحزبان الأكبران في هولندا وهما حزب المسيحيين الديمقراطيين (CDA)وحزب العمال اليساري (PvdA) ترشيح عدد من المقرر ترشيحهم من أصل تركي للانتخابات البرلمانية التي ستجري في 22-11-2006 من قائمتيهما لرفضهما الاعتراف بالمذابح المعترف بها رسمياً.
بعدها بأيام قليلة أقرت الجمعية الوطنية الفرنسية قراراً بجعل إنكار حدوث المذابح جريمة يعاقب عليها القانون.
وفي تقرير لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الأوربي التي تتابع التطورات عن كثب في تركيا للتمهيد لدخولها الاتحاد الأوربي, والذي قدمه البرلماني الهولندي كميل إورلنغز, تحدث في النقطة (50) منه عن مذابح الأرمن وشمل معها مذابح اليونان والسريان-الآشوريين, مؤكداً على ضرورة فتح حوار جدي بين تركيا والشعوب التي كانت ضحية لسياسة الإبادة الجماعية التي مورست بحقها. وإن جاءت نتيجة التصويت الأخيرة في البرلمان الأوربي سلبية من جهة الاعتراف بتلك المذابح, فإن ذلك لا يغير كثيراً من واقع أن قضية المذابح باتت عنصراً مهماً في السياسة الأوربية تجاه تركيا وسعيها الحميم لدخول الاتحاد الأوربي.
ويأتي قرار منح جائزة نوبل للآداب للكاتب التركي أورهان باموك صفعة أخرى للسياسة التركية المستمرة بإنكار المذابح, وهو الكاتب الأشهر اليوم في تركيا والأبرز الذي اعترف علانية بالمذابح وأكد وقوعها بجرأة قادته إلى المحاكم وهددت حياته بالخطر. ولم يتوقف عند ذلك بل طالب الحكومة التركية بمواجهة الواقع والاعتراف بما حصل من مجازر للمسيحيين من رعايا الدولة العثمانية, وتحمل مسؤولياتها في هذه القضية بشجاعة مع كل ما يعنيه ذلك من تبعات.
والسؤال الآن: هل منح جائزة نوبل للأدب للكاتب التركي باموك جاء كمكافأة له على مواقفه المعارضة للسياسة الرسمية التركية (وهنا يحضر إلى الذاكرة المنشق السابق الروسي سولجنتسن) أم إن الأمر لم يكن سوى مصادفة غير مقصودة في التوقيت؟
لا أجزم بأن قرارات اللجنة المانحة للجائزة الأشهر على المستوى العالمي لا تتأثر بالظروف السياسية. ولكن أي كاتب أحق من أورهان باموك, صاحب الإنتاج الأدبي الكبير والمبادئ الإنسانية النبيلة, وهو يعرض نفسه للملاحقات الأمنية والقضائية, وحياته ومصيره للخطر دون أن يتنازل عن تلك المبادئ التي آمن بها وعاش من أجلها وجسدها روحاً حية في نتاجه الأدبي ذاك؟
لا شك أن بعض الأوربيين, بغض النظر عن الدوافع والأسباب لا يتمنون رؤية تركيا عضواً في الأسرة الأوربية في أي يوم من الأيام. وهم يحاولون جهدهم لمنع أو تأخير حصول ذلك. مستغلين أية واقعة أو سلوك لا ينسجم مع ما يتطلبه دخول الاتحاد الأوربي من شروط. ولكن الأكثر حقيقة أن تركيا في ظروفها وسياستها الحالية وما يمكن أن نتوقعه منها في المدى المنظور غير مؤهلة سوى للوقوف والانتظار خارج السور الخارجي للنادي الأوربي. وقضية المذابح على أهميتها الرمزية والمعنوية على الأقل, ليست سوى نقطة واحدة من قضايا كثيرة وجوهرية من وجهة نظر الساسة الأوربيين ما زالت تركيا تتردد في اتخاذ قرار جريء وحاسم بشأنها.
إن الاهتمام الأوربي اللافت للنظر اليوم بالمذابح ليس وليد اللحظة, وإن جاء متوافقاً مع رغبة الرافضين للعضوية التركية في الاتحاد الأوربي, وإنما هو في الحقيقة نتيجة جهد كبير ومتواصل بذله وطوال عقود الأرمن بالدرجة الأولى ثم انضم إليهم السريان-الآشوريون في العقدين الأخيرين لتعريف الأوربيين بحقيقة السياسة التركية التي مورست بحق المسيحيين عموماً أثناء وحتى قبل الحرب العالمية الأولى مما يعرَّف في وثائق وبروتوكولات الأمم المتحدة بالإبادة الجماعية وإبادة للجنس البشري. وهذه جرائم لا تسقط بالتقادم, وتتحمل الحكومات المعنية المسؤولية عنها. ويكفي معرفة أن المسيحيين اليوم في تركيا يشكلون أقل من 1% من سكان تركيا الحالية في حين كانت نسبتهم قبل الحرب العالمية الأولى أكثر من 30%.
فهل يمكن للسياسي أو المواطن الأوربي اليوم أن يتجاهل هكذا حقيقة مرعبة وهو يهم بضم دولة هذا هو تاريخا القريب إلى أحضانه؟؟
تلك هي إحدى القضايا التي لا بد أن تكون حاسمة في الحياة والسياسة التركية كما في السياسة الأوربية أيضاً تجاه تركيا في المستقبل المنظور.[/b][/size][/font]