في اربعينية المرحومة كترينة يوحنا جودو
تفتفحت الازهار من بين صخور "دورنخ" الجميلة الصامتة لتداعب اجنحة الفراشات وانسام الهواء التي استفاقت لتصاحب جريان دجلة بانسيابيته الشاعرية واحتضان فيشخابور له كمحطة من محطات الحياة قبل الوصول الى بغداد. وكانت السنوات الاولى مليئة بالاحداث، كانت سنوات الكد الطويل والمرهق وترتيب الآمال ووضعها مقابل الآلام ومنح الدفء من اجل تجانس وتعايش الطبيعي مع اللاطبيعي ومن اجل خلق التوازن بين قوانين الطبيعة للسير بالمجهول صوب آفاق معلومة في ثنائية رائعة، غير مشوشة، تجمع ما بين الشئ ونقيضه وتعكس ارادة الانسان في العمل على تحقيق شبه المستحيل.
يا امي ... تعلمنا منك العناصر الاولية لروعة العقل والتفكير والجمال في حرية فهم واستيعاب هذا العالم. انت التي نظرت بعين صحيحة الى ما حوليك و من بقربك، فلم تحبي شيئاً اعشى بصرك، بل اعطيت جميع الاشياء نقاء النفس المرضية التي لم ترض إلا بصفات الكمال والحسن من الشمائل والرائع من الخلال. انت التي نظرت وعرفت حق المعرفة سر اختلاط الآلام بالآمال في هذه الدنيا الغرور التي رأيتِ على الدوام انها لم تبق لأحد ولن تبقى ابداً، فالانسان زائل وستنوب عنه ذريته من اجل ازالة كل خيوط الظلام المحيطة به والمقيدة لحرية ضميره.
وتعلمنا ايضاً نقاء النفس البشرية التي تشق طريقها من خلال الحب الذي منحتيه لذويك وللمحيطين بك من الذين عرفتيهم وعرفوك والغرباء على حد سواء. انت انسان العطاء والخدمة رغم محطات الترحال التي اتعبتك في العراق و الاردن وليبيا وتركيا وفرنسا. اعطيت كل ما تملكين من الحب الذي صنعتيه بنفسك ولم تأخذي شيئاً سوى حرارة تلك الغرفة الصغيرة في ذلك الحي الباريسي الجميل وانت مغمضة العينين، وبذا كانت خدمتك جليلة وعطاؤك كبيراً لا يحده حد.
انت انسان التضحية والتقديم لغاية بذل الذات إن تطلب الأمر، لأنك كنت تستعينين بربك وتستنصريه وتطلبين منه المعونة لأنك لم تكوني بحاجة الى هاد غيره يرشدك الى مكارم الاخلاق وفضائل الاعمال ويدلّك على مدرجة الحياة وكل غايات المجد والرفعة فكان لك، كما كنت تقولين دائماً، نعم المعين.
يا امي ... كنت تقبلين النور من الجميع ومن كل مكان وتأخذيه لتعيشي معه بانسجام كبير ومن ثم تمنحيه لذويك وللذين عرفوك عن قرب وعن بعد. وجاءك اخيراً نور من أبينا - المرحوم يوسف يونان – على حين غرة في اليوم الاخير قبل رحيلك رغم الغموض الذي اكتنف كلماته التي جاءتك بعيدة وغير مسموعة جيداً. وهكذا قررت في اللحظات الأخيرة وفي الطريق الى مثواك في هذه الأرض ان تعطي نورك للناس ولنا سوية مع قطرات المطر وابتهاج الورود التموزية الملونة في الطرقات الباريسية الملتوية في تناغم ارضي سماوي بين الروعة والبهاء والعفة والنقاء وبين الغيوم والشمس والنجوم في العلياء.
سلام لك،
سلام على روحك الطاهرة،
انت معنا دائما وابدا.
ابناؤك وذويك،
عنهم ابنك امير يوسف
25.08.2012