أصبحت التكنولوجيا الحديثة جزءا من عالمنا المعاصر ومن حياة أطفالنا أيضا. ولا يكفي في هذا السياق التنهد أسفا والبكاء لأن أجيالنا لم تكن تفهم بأجهزة الحاسوب والهواتف الذكية، وبالتالي استعمال ذلك كتبرير لنقول انه لا حاجة لتعليم أطفالنا كل ذلك. فقد أصبحت المعرفة المرتبطة بجهاز الحاسوب اليوم من الأمور المهمة في المدرسة، مثلها مثل تعلم الأبجدية ومبادئ الرياضيات، وبالتالي لا يكفي أن نقول كلا من دون الاعتماد على أسس علمية محددة.
إذا اعترفنا بشكل موضوعي بأن جهاز الكمبيوتر وشبكة الانترنت سترافق أطفالنا طوال حياتهم من الآن فصاعدا (هذا إذا لم تظهر في فترة لاحقة تكنولوجيا أكثر تطورا)، فإن الوقت قد حان لتنظيم جميع الأمور المرتبطة بذلك. وقد يكون الأمر مثاليا في الفترة التي يكون فيها أطفالنا بالمرحلة الدراسية الابتدائية.
«ما لم نكن نحلم به نحن قد أصبح اليوم بمنزلة الخبز اليومي لأطفالنا. نحن الناضجون ندرك أن الكمبيوتر والانترنت يسهلان ويفعّلان العمل في كثير من القطاعات، لكن عندما نتحدث عن التكنولوجيا الحديثة مع أطفالنا، فإن الأمور تصبح مختلفة»، كما تشير الطبيبة النفسية للأطفال آنا باخوفا التي تحذر من مغبة التعامل مع هذه القضية بطريقة غير حذرة.
وتضيف: «بالطبع لا يمكننا الموافقة على أن يقضي أطفالنا أمام شاشة الكمبيوتر وقت الفراغ بأكمله، لكن يمكن للأهل اعتماد خيارات عديدة خصوصا عند الأطفال الصغار في السن، ويمكنهم تبني تلك الخيارات لتغيير وضع ما».
هل حقا تقف شاشة الكمبيوتر بينكم وبين أطفالكم؟ جربوا النصائح العملية التالية:
انتقاد أقل.. تواصل أكثر
تكون الصرخة عادة أول ما يتوارد إلى أذهاننا كأهل عندما تتجاوز عاطفة أطفالنا تجاه عالم الكمبيوتر كل الحدود التي يمكن احتمالها. نغضب، نتشاجر، ومن ثم نقوم بالمنع... نعم، قد يكون ذلك أمرا طبيعيا، لكنه لا يساعد كثيرا. «أهم شيء في هذا السياق هو التواصل مع الطفل»، كما تنصح الطبيبة النفسية.
«حاولوا الحديث معه أكثر، ابدوا اهتماما بعالمه الافتراضي. وإذا تمكنتم من اختراق جزء صغير من ذلك العالم فإن نسبة الافتراض فيه قد تبدو لكم فجأة أقل.
وحسب الطبيبة فإنه يجب علينا الاستماع أكثر إلى الأطفال والسعي لفهمهم بشكل أفضل. وقد يكون ذلك أصعب من مسألة إدانتهم بشكل مباشر، لكننا قد نكتشف ربما بأن الطفل يهرب إلى عالمه غير الواقعي من مشاكل يعاني منها في المدرسة، أو من الجو المتوتر السائد في المنزل، أو من شعور بالدونية قد يتولد لديه.
وقعوا معه اتفاقية
قد تعرفون ذلك – تقولون لأنفسكم ذات يوم: سأقرأ البريد الألكتروني فقط، أو سأطلع بشكل سريع على ما هو جديد على الفيسبوك... وفجأة تكتشفون بأنكم قضيتم ساعتين أمام الشاشة. فمراقبة الوقت أمام الكمبيوتر ليس بالأمر السهل حتى للأشخاص الناضجين، فكيف إذا بالأطفال.
«من الواضح أن الطفل يفضل النظر إلى شاشة الكمبيوتر بدلا من أن ينجز واجباته المدرسية. والأوامر التي تلقى عليه مثل: أطفئ جهاز الكمبيوتر واذهب الى الدراسة! لا تحل أي شيء» كما تقول الطبيبة النفسية. «يجب أن تتم هيكلة الوقت للطفل وتحديد ذلك بشكل دقيق».
لقد أثبتت الاستراتيجية المتمثلة بتوقيع الاتفاقيات جدواها كما تفيد الطبيبة النفسية. «يجب على هكذا اتفاقية أن تتضمن جميع الأمور المطلوبة»، مثل العنوان، الأنظمة الخاصة بكل طرف مشارك بالاتفاقية، العقوبات التي يجب فرضها لقاء عدم التقيد بالأنظمة، وبالطبع توقيع الأطراف المشاركة.
«من المهم جدا التعامل مع هذه الاتفاقية بشكل جدي وفرض العقوبات ضد أي طرف مخل بأحكامها» كما تنصح الطبيبة. «حسب تجاربي، فإن اتفاقية مثل هذه قد تمنع الشجار الدائم وتحد من مطالبات الطفل بقضاء وقت أطول أمام الشاشة».
فالأنظمة هنا محددة بشكل دقيق لا يمكن الطعن بها، وإذا كنتم حاسمين حقا، فإن الطفل سيفهم ذلك وسيتوقف عن محاولات الإقناع التي قد يقوم بها لتغيير مبادئ الاتفاقية. وكما تضيف الطبيبة، «فإن الطفل يمكن أن يحقق المنفعة من هكذا اتفاقية، لأن في امكانه عندئذ التمتع بالوقت المحدد له للجلوس أمام شاشة الكمبيوتر، وبدون أن يسمع أي انتقادات من قبل الأهل».
قدموا البديل
من السهل إظهار الغضب بشكل مستمر بسبب جلوس الطفل أمام شاشة الكمبيوتر وعدم قيامه بعمل جيد. لكن من الضروري أيضا أن يفكر الأهل بما يجب على الطفل أن يقوم به بدلا من ذلك.. حسنا، الدرس، تحضير الواجبات المدرسية، فهذا أمر طبيعي، لكنه لا يشكّل أي نوع من التسلية. وبعد ذلك؟ ففي عمر محدد، وخلال عرضكم لأي نوع من النشاط المقترح من قبلكم سيرد عليكم الطفل قائلا: «إن ذلك مثير للضجر». برغم ذلك، يجب البحث عن أساليب تجذبه للتخلص من وهج شاشة الكمبيوتر.
بالطبع كلما كان ذلك أسرع، كان أفضل. وإذا بدأتم بإغراء الطفل المراهق برحلة مشتركة على الدراجة الهوائية فإنه سينظر إليكم بتعجب حتما. الأمر المثالي هو القيام بهكذا أمور في سن أصغر، حتى لو كنتم تمارسون عملا شاقا أو إذا كان لديكم أطفال آخرون. فحتى الوقت القصير الذي يتم قضاؤه بشكل نوعي ومشترك، يعتبر بالنسبة للطفل استثمارا إيجابيا للمستقبل.
والأطفال الذين لا يشعرون بالضجر، لا يستسلمون بشكل دائم لأي شيء، بما في ذلك للكمبيوتر.
العبوا أيضا
كما هو معروف، فإن ألعاب الكمبيوتر متفرعة ومتشابكة، وإذا انسجم معها الطفل فإنه سيكون من الصعب تحويل انتباهه عنها وإغراؤه بنشاط آخر حتى لو كان أكثر جاذبية. «إذا أخذنا للطفل عالمه ولم نعرض عليه عالما آخر، فإن ذلك قد يسبب الأذى بدلا من المنفعة» كما تحذر الطبيبة باخوفا.
«لذلك فإنه قد يكون من الملائم الانطلاق من أهداف أصغر. جربوا مثلا اللعب مع الطفل لعبة مشتركة». ستعرفون أولا كيف يقضي وقت فراغه، وستشاركون معه ثانيا بلعبة مشتركة، وهذا أمر يحظى بتقديره حتما.
«يمكنكم إذا اختبار الألعاب التي تستخدم فيها الأجهزة التي تربط بالكمبيوتر والتي تكون موجهة بشكل اجتماعي لأنه يشارك فيها أكثر من لاعب. كما أن تلك الأجهزة تكون موجودة في الصالة بالقرب من جهاز التلفاز وبالتالي فإن موقعها يساهم في إشراك العائلة بأكملها»، كما تنصح باخوفا.
«الغريم يبدو فجأة بأنه ليس افتراضيا بل انسان حقيقي. كما أن مراقبة الحركات تبدو أمرا رائعا. لا يجب على الطفل أن يجلس خلال اللعبة على الكرسي بل على العكس. ففي كثير من الألعاب يكون مطلوبا من الطفل أن يُشرك جسده بالكامل. وهذه خطوة إضافية لكي نجذبه لممارسة النشاط الرياضي الحقيقي» كما تضيف الطبيبة.
إن التكنولوجيا الحديثة لا يجب أن تكون سيئة دائما حسب طب النفس «يجب أن ندرك أن تلك الألعاب ليست سيئة دائما. الأمر يرتبط في كيفية تعاملنا نحن البالغين معها، وفي نسبة رضوخنا للحديث عنها وخلال ممارستها مع الأطفال».