جورج غالوي... و375 غرفة وغرفة


المحرر موضوع: جورج غالوي... و375 غرفة وغرفة  (زيارة 1322 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل علاء كنـــه

  • عضو فعال
  • **
  • مشاركة: 33
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
جورج غالوي... و375 غرفة وغرفة

بقلم: د.علاء كنه
     يتفق معي الجميع على إن التخلف الموجود في بلداننا العربية ماهو إلا تخلف إداري بحت قبل كل شيء وعلى كل الأصعدة سواء على الصعيد الإقتصادي أو الإجتماعي لا بل حتى السياسي، ويمكن ملاحظة ذلك وبكل سهولة من خلال عمل مقارنة بسيطة بين البلدان المتطورة وحال أمتنا العتيدة!. والتي من أهم أسبابها هو عدم وضع الشخص المناسب في المكان المناسب.
   يتذكر جميع العراقيين كيف كان نظام الطاغية "وقائده الملهم" متسلطاً على رقاب الشعب وعلى مراكز السلطة في البلد حيث أبدع وتفنن وحاشيته في أسلوب تسلط الدولة وسوء إستخدام السلطة من خلال المركزية المفرطة وطغيان السلطة التنفيذية وتحكمها بكل مفاصل الدولة لسنوات طويلة، إضافة الى الدور الكبير الذي لعبه الحزب والدوائر الأمنية والمخابراتية للحصول على المنافع والغنائم وتغييب لمؤسسات الدولة، الذي كان له للأسف التأثير الكبير لما نراه في عراق اليوم بسبب تفشي تلك الثقافة.
    اليوم سأذكر العراقيين بحادثة أو بالأحرى مفارقة أليمة أخرى حدثت في عراق الرافدين لم يسمع بها أغلبهم، والتي قد لايصدقها البعض، ونادراً ماتحصل حتى في أكثر بلدان العالم تخلفاً، وقد نَسبت تلك الحادثة الى شخصية معروفة غنية على التعريف، لا بل أسم على علم، كونه كان طرفاً بها، فالجميع يعرف من هو "الرفيق" جورج غالوي، تلك الشخصية المثيرة للدجل، وصديق القائد الضرورة! الذي ليس له صديق!، ولست هنا بصدد سرد التاريخ النضالي لهذا الشخص، أو سرد تفاصيل فضيحة تبعات فصله من حزبه "حزب العمل البريطاني" نتيجة إتهامه في وقتها بالحصول على رشاوي ومكاسب مادية ضخمة من قبل الطاغية المنصور! عن طريق كوبونات النفط السيئة الصيت، نظير مواقفه المناهضة للعقوبات التي كانت مفروضة على العراق بعد حرب الخليج الثانية عام(1991)، والمقتطعة من أموال وخيرات العراق والعراقيين. ويعرف الجميع جيداً هذا الرجل المناصر للعرب وللقضايا العربية حاله حال غيره من السياسيين المنافقين الذين أستفادوا من العراق الحلوب بالأمس ويستفادون منه اليوم والذين ذبحوا شعبه من الوريد للوريد كجزء من رد الجميل له، وإيماناً من هذا الرجل بعدالة قضايا "القائد المنصور" الجهنمية! وخاصة بعد علمه بان نفط العراق اللزج جيد الطعم ويسيل له اللعاب، وتحديداً في عام (1999) قاد حملة مناصرة للقائد وللعراقيين! وكانت تلك الحملة عبارة عن رحلة "لحافلة نقل ركاب حمراء اللون" أو كما يسميها العراقيون" باص مصلحة" من مدينة لندن العريقة الى العراق عبر العديد من الدول، وكان عنوان رحلته (حملة دعم مريم)، وعلى الأقل كان أشرف من غيره من السياسيين العرب وقادتهم الذين كانوا يتفرجون على القائد المنصور أيامها وهو يذبح شعبهُ ويشدُ عليهم ضغط الحصار!. في وقتها وتحديداً قبل يومين من وصوله الى بغداد صدرت التعليمات وكالعادة! من القيادة وديوان الرئاسة عن طريق وزارة الخارجية الى إدارات خمسة فنادق من الدرجة الممتازة والأولى في بغداد العاصمة، بضرورة حجز (75) غرفة فندقية في كل فندق من الفنادق الخمسة يوم وصول الحافلة لإيواء غالوي وشلتهِ، مع وجبة غداء فاخر (بوفيه مفتوح) لهم. أي مامجموعه (375) غرفة فندقية، علماً بان جميع ركاب (باص المصلحة الموعود) لايتجاوز عددهم السبعون شخصاً!، ولا أدري ماذا كانت الحكمة من ذلك؟ وبالفعل قامت إدارات تلك الفنادق وبموجب التوجيهات الصادرة من الجهات العليا!! بإبلاغ بعض نزلاء تلك الفنادق بضرورة إخلاءها في اليوم الموعود لإستقبال الوفد المهم!. وأعتقد هنا بان مستشاري الطاغية المنصور! قد أوهموه بان "الرفيق غالوي" ربما سيقنع جميع أعضاء مجلس العموم البريطاني ويجلبهم معه الى بغداد في باص المصلحة! ربما؟ من يدري! أو ربما كانت تلك الفكرة مناورة للتمويه من الأجهزة المخابراتية للقائد الملهم! المشهود بحنكتها في هذه المجال!. مثلما يحدث في افلام (جيمس بوند الشهيرة)، وقد قلت في نفسي ربما سأرى وأخواني العراقيين لأول مرة أعضاء مجلس العموم البريطاني وهم يخرجون رؤوسهم من شبابيك الباص الأحمر! مبتسمين وملوحين لنا بشارة النصر!.
    وكالعادة بدأ الهمس بين إدارات تلك الفنادق لمعرفة المغزى من حجز ذلك العدد الكبير من الغرف في الفنادق الخمسة ومن الممكن أيواء الوفد! في فندق واحد؟ على الرغم من الجميع كان يعلم بأن وجهة غالوي وشلته الأخيرة ستكون هي فندق الرشيد" كالمعتاد!، وبالطبع كان الجواب: لا أحد يعلم السبب ولا أحد يتجرأ أن يسأل لمعرفة حل هذا اللغز العجيب؟ وحاول بعض المدراء المفوضين لتلك الفنادق المسكينة الإستفسار من رئيس القطاع المتمثل بالخبير السياحي العالمي الفذ رئيس هيئة السياحة آنذاك (الأستاذ عبد الكريم مكي)، الذي أجاب في وقتها مشكوراً: بأنه لايعلم أين سيتم تسكين الوفد، وعلينا تطبيق تعليمات ديوان الرئاسة. تصوروا رئيس قطاع هيئة السياحة في العراق لايعلم! تصورا كيف كانت تسير الأمور في العراق الى أي درجة من التنظيم! وبيد من؟ وكيف كانت تسير الأمور!.
في اليوم المحدد وبينما كانت كل الفنادق مشغولة بالحدث العظيم والإستعداد لإستقبال غالوي الذي سيكسر الحصار! وسيعيد العراق الى أمجاد الخلافة العباسية! حيث الغرف الفندقية جاهزة وكذلك بوفيه الطعام الساخن! بانتظار الفرج بوصول باص المصلحة!، لم يحضر لا غالوي ولا أحد من شلته والساعة كانت قد قاربت السادسة عصراً. فبدأت حالة من الإرباك والفوضى تعم إدارات الفنادق حيث كان كل منها يتوقع بأنه هو الذي سيستقبل الوفد، وبدأت تلك الفنادق بإجراء الإتصالات مع وزارة الخارجية لتبيان ماهية الأمر، والذين أكدوا بأن الوفد سيصل ولكن لا أحد يعرف متى وعلى الفنادق وإداراتها وكادرها "والبوفيه" الأنتظار...!.
المهم لا أريد أن أطيل عليكم بقيت تلك الفنادق الخمسة بالإنذار وفي نفس الوقت كانت أيضاً الإتصالات فيما بين ادارات الفنادق (عينة الدراسة!) مستمرة لمعرفة من هو سعيد الحظ باستقبال الباص؟ وأخيراً وفي تمام الساعة العاشرة ليلاً، أتصل أحد مدراء الفنادق وليست وزارة الخارجية! ليبلغ بقية الفنادق بالخبر المشؤوم وهو أن غالوي قد وصل بشحمهِ ولحمهِ مع شلتهِ وهم مقيمون في فندق الرشيد وفي (35) غرفة فقط. بدأت إدارات الفنادق بعد إستلامها الخبر بالأتصال بوزارة الخارجية، لمعرفة الخطوة التالية من حيث الغرف الجاهزة والطعام وكادر العمل، وبالطبع لم يكن هناك سوى الموظفين الخفر في الوزارة والذين أكدوا بأنهم لايعلمون أي شيء عن الموضوع وعليهم الأنتظار حتى الصباح والأتصال بالوزارة.
بموجب العرف السياحي والفندقي فانه يتوجب أن تقيد تلك النفقات على حساب الجهة الطالبة لها ألا وهي وزارة الخارجية، وبالفعل تم تقييد حساب الغرف والطعام لحساب وزارة الخارجية من قبل إدارات تلك الفنادق الخمسة بموجب قوائم حساب رسمية صادرة من قبل إداراتها، ولكن سرعان ماأعترضت الوزارة على تلك القوائم لتطفو على السطح مشكلة جديدة بين إدارات تلك الفنادق ووزارة الخارجية، وليبدأ المارثون بينهما مابين مد وجزر لفترة دامت أكثر من ستة أشهر تمت بعدها موافقة الوزارة على مضض! على دفع قيمة "نصف" فاتورة تلك المصاريف لتتحمل الفنادق "نصف" الخسارة! علماً بان تلك الفنادق لم تكن مملوكة للدولة في حينها وإنما كانت قطاعاً مختلطاً أي أن للدولة حصة فيها من الأسهم وكذلك المساهمين، وبالفعل تم بعدها تقييد تلك الخسائر على إنها ديون معدومة!!.
     بالرغم من كل الجهود التي بذلت لهذه العملية الجبارة والتي شهدت دقة في التنظيم والإعداد والترتيب، لابد لنا أن نشيد بجهود "الرفيق غالوي" التي بذلها آنذاك في رفع العقوبات عن العراق وشعبه!!! وبهذا الإنجاز والعمل الوطني الكبير. وأن نوجه جزيل شكرنا وتقديرنا لجميع من حاول فك هذا اللغز العجيب من سياسيين وعرافين ورجال أمن!.
     كان هذا نموذجاً أخر لمؤسسات ووزارات حكومية فاشلة كانت السبب الرئيسي في دمار العراق وخرابه، تصوروا بلداً بمثل العراق أمتلكه نظام فاشي من شماله الى جنوبه، مع خزينة تقدر بملايين الدولارات تم تحويلها الى القصر الجمهوري لأكثر من خمسة وثلاثون سنة أنهاها النظام وبنجاح كبير! في تدمير العراق وبنيته التحتية، ومن ثم كانت الخطوة التالية زجه في أتون حرب طائفية يأن منها للأسف الى يومنا هذا. 
    إن الحصاد المر لمثل هذه الحالات وأشكالها لم يؤدي الى سوى الى إهتزاز ثقة المواطنين بالدولة ومؤسساتها وضعف شعورهم بالإخلاص والمسؤولية ونزوع روح الوطنية لديهم، وبالتالي قيام أبناء البلد أنفسهم بسرقة أموال الدولة، وفضائح اليوم التي تزكم الأنوف ماهي إلا خير دليل على ذلك.
    إن التحدي الحقيقي لحكومة عراق اليوم ليس في إدارة البلاد فقط ولكن عليها الدور الكبير في أعادة الثقة بدور الدولة من خلال مراقبة المواطنين للحكومة وأدائها، والتأكد من أن ثروات وأموال وموارد الدولة تستثمر بالشكل الصحيح والبناء لصالح البلد وشعبه، بدلاً من تحويلها الى حسابات خاصة بالحكومة أو وزرائها أو مسؤوليها وأسرهم وزوجاتهم؟؟ فهم راحلون لا محالة حالهم حال من سبقهم، والشعب العراقي اليوم من حقه العيش بعز وكرامة وحرية بعد سنوات من الإستبداد والتسلط، وكذلك إستغلال تلك الثروات لإعادة بناء مادمره ذلك النظام وحزبه العبثي! عفواً (البعثي) للأنسان وللأقتصاد العراقي.
     ولبناء ألية جديدة لعمل الحكومة اليوم يجب إشراك كل دوائر الدولة ومؤسساتها وتمكينها من الحصول على كل البيانات والمعلومات التي تكشف الممارسات الغير مسؤولة للسلطة وبمساعدة الدعم الجماهيري لغرض إماطة اللثام عن إرتكابات المسؤولين والسلطة الفاسدة، وأعادة بناء مفاصل الدولة بالشكل السليم الصحيح ووضع العراق على سكة الطريق السليم.
د.علاء كنه
سان دياكو/ كاليفورنيا
www.alaakana.com