قصّة قصيرة / الغليون

المحرر موضوع: قصّة قصيرة / الغليون  (زيارة 662 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل كريم إينا

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 749
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
قصّة قصيرة / الغليون
« في: 01:03 18/08/2012 »
قصّة قصيرة
الغليون

                                                          كريم إينا                                  

مضت على وديع عدّة سنين وهو يقرأ طالع الناس عن طريق فناجينهم في البيوت في قضاء صغير قريب من محافظة نينوى وماحوله من القرى والضياع كان يشرب الغليون بكثافة يتلذّذ به وعن طريقه يزفر دخانا ًمن التبغ كثيفا أبيضاً مشكّلاً سحابة كبيرة تصل ما بين الأرض والسماء،وفجأةً سقط من طوله فلم ينطق ببنت شفه، وبعد مضي سنين طوال كان طفلاً يبحث بين الأموات في المقبرة طفق يحفر بسكينه الحاد الصغير شاهد شيئاً أحمراً يلمع إنتشله من الحفرة تحدّث مع نفسه وهو يقول: ربّما هذا يشبه كغليون جدي وديع قارىء الفناجين. وضعه الطفل على الأرض بهدوء وهو يتأمّل... أصبح الغليون ملقياً على الأرض وحيداً مصنوعاً من الزجاج لونه أحمر فمه مصنوعٌ من الخزف ورأسه محبوك بالنحاس الخالص.  جسدهُ أملس خالي من التعرّجات كان غليوناً ثميناً ليس ككلّ الغليونات العادية. أصبح الغليون ينتظر وهو مرمياً على الأرض والمطر يدقّ على جسده الهزيل حتى أخذ  منهُ الضجر فلم يكن يأنسُ للوحدة، وأمام عثرات المارة، وعجلات السيارات،وقطعان الأغنام الموجودة في الواجهة الأخرى من التل بالأضافةِ إلى تحمّله ضربات كرات الأطفال، لم يكنْ له إسم ولاعمر معيّنين،يشعر فقط أنّه قطعة جامدة تنتظرُ من يحرّكها أو ينفخ الروح فيها. كهلٌ جداً،كان الألم يحزّ في نفسهِ كلّما رأى شخصاً يدخّنُ غليوناً أو سيكارة من قبل المارةٍ.كان يحاول أن يكسب صديقاً كي يساعدهُ في محنتهِ،وكلما رأى مدخناً للغليون يُردّدُ في قرارة نفسهِ متى ينتشلني هذا المدخّن ليترك غليونه الرخيص ويجرّبُ تبغهُ في أنفاسي الثمينة؟. متى يشتريني أحد ما؟. فهو يعرف أنَّ ذلك قد يغيّرُ قليلاً من حالتهِ الرثّة،ولكن المارة كانوا يأنفون منهُ لحالتهِ المزرية حتى أنّهم يستكثرون  ثمنهُ، ذاتَ مساءِ، لاحظ أحدَ رجالِ الأعمالِ الوحيد في ذلك القضاء قيمة هذا الغليون الأثري، فقال: بلهجة مستحبّة راضية، يا لهُ من غليون ليس لهُ مثيل! ما ألطفهُ! لونه الأحمر المائل إلى القرميدي، لهُ عينان منمنمتان من صدف العاجِ ورأس من النحاسِ وفم من الفخارِ إنّهُ مجبول من صلصالِ وزجاج متينين يُبشِّرُ بصحبةٍ طيبة إنتشلهُ من الأرض وخبّأهُ داخل معطفهِ الجلدي كان يتمنّى أن يوُدعَهُ داخل مجرّ منضدتهِ مدى العمر، يبقى سجيناً لهُ وحدهُ، تحسَّرَ الغليون وهو في ظلمتهِ الكئيبة لمسكة يد أحدهم وإذا به يقضي وقتاً موحشاً أوحش من اللذي قضاهُ مطموراً في باطن الأرض. بين فينة وأُخرى كان رجل الاعمال يفتحُ مجرّ منضدتهِ ويضعُ فيهِ التبغ يُشعلهُ فيدخنُ الغليون من فمهِ وهو مرتاح البال باليد التي مسكتهُ شَعَرَ قليلاً بالحرية كان رجل الأعمال يخاف عليهِ من الانكسار يُحبّهُ حبّاً جمّاً وهو يتساءل بين ثنايا أُعماق نفسهِ بالعجب وكأنّهُ حزين لا يفكرّ رغم جماده ولكنّهُ رّبما تحينُ الساعة لإستيقاضهِ من حلمهِ، أمسك بهِ صديق لرجل الأعمال وأخذ ينفخُ بهِ يُجّربهُ إستعداداً للتدخين بهِ فكعمهُ لحدّ أنَّ نَفَسَهُ قد غمر فأخذ يطلق زفيراً حاراً نتناً ممّا أرهب الرجل فأعطاهُ إلى زميلهِ رجل الأعمال لكنّ الغليون فرح بفعلتهِ هذهِ بعد أنْ كان مثبط العزيمةِ لأنّه تخلّصَ من قبضة الرجل المؤذّيةْ، إنّها المرة الأولى التي يتنفّس فيها الصعداء يشعر من خلالِها بالحرية. يكفي أن ينظفَهُ رجل الأعمال من فمهِ إلى رأسهِ من القطران الأصفر كي يرتاح و لكنّهُ سرعان ما يدخل إليهِ أحد أبنائهِ بخفية ليرى ما يوجد بداخل مجرِّ غرفتهِ فغيرّ رأيهُ وخرج من الغرفة، في الصباح يذهب رجل الأعمال إلى العمل و يعودُ بعد الظهر ليدخّن بهِ بعد إخراجه من مجرّهِ الخاص، كان الغليون يضعف وتخورُ قواهُ يوماً بعد يوم يحلمُ برشفةِ تبغٍ من فمه ولكنّهُ لم يستطعْ فعل ذلك لوحدهِ. وصار حزيناً... يتمنّى أن يسمعَ صوت ُالمارة في الخارج بدل الظلمةِ القاتلةِ التي إحتوتهُ داخل مجرّ المنضدة لم يكن باستطاعتهِ الخروج،لأنَّ رجل الأعمال يقفلُ المجرّ عليهِ بالمفتاح لدى خروجهِ إلى العمل صباحاً. إشتدّ بهِ السؤم حتى أنّهُ ساءل نفسهُ: ماذا ينفعُ من الكائن الثمين إذا خسر حريتهُ داخل مجرٍّ صغير؟. قرّر أن يثأر من نفسهِ لوضعهِ البائس فأخذ يَسدُّ فمهُ ويمنعُ مرور الأدخنة من قناتهِ اللولبيةِ فأخذتْ صورتهُ الطيبةُ تنقلبُ إلى كآبةٍ عندما يمسكَهُ المدخنين! أحسَّ رجل الأعمال بحدوث تغيير مفاجىء بالغليون فساورهُ القلقُ سقطتْ نتفةُ فخارية صغيرة من فمهِ على ملابس رجل الأعمال ولكّنهُ لم يشعر بألمهِ. من خلالها جاء الصباح نسى رجل الأعمال أنْ يضعهُ في مكانهِ المخصّصْ وأثناء غيابهِ حاول الغليون أن يقفزَ من سطح المنضدة الواسعة ولكنّها كانت عالية جداً فرأى سلكاً من النحاس ملفوفاً داخل بكرة خشبية على شكل حزمة كبيرة تناولها ربط نفسهُ بها بعد أن ربط نهايتها الأُخرى بسلّةٍ للفواكه وإنزلق إلى أرض الغرفة كما ينزل المصعد الكهربائي من الأعلى إلى الاسفل،كانت الغرفة مفروشة بالسّجاد فلم تظهر آثار زحفهِ.                                         
ـ ما أجمل الحرية!
ظلّ يفكرّ بهذهِ العبارة وهو يشهقُ بقايا زفيرالقطران المتبقية داخل قناة جسمهِ،نظر إلى ما حولهُ رأى نفسَهُ خارج الغرفة وهو الآن أًمام الطبيعةَ الخلاّبة بدأ يسترجُع ذكرياتهُ عندما كان يمسُكهُ العمَ وديع المنجّم فكرّ بأن يذهبَ ويزور بيتهُ ولكن نداءَ الأتربةِ المنهالة عليهِ كانت أسرعَ من أن يحصلَ على تلكِ الزيارةِ. سار مثقلاً بالتراب فلم يصادفْ أجمل من البشر ليساعدهُ في محنتهِ هذهِ. وعند منحدر الوادي إستلقى ينفضُ الغبار من وجههِ ولكنّهُ تدحرجَ ما لبث أن رأى نفسهُ على ظهر قنفذٍ يشعر بوخزة أُبَر أَشواكهِ فأخذ المكان يتيهُ بهِ ولكن رغم بطىء سير القنفذ رأى نفسهُ بين أحضان معركة وقعت بين الأفعى والقنفذ وهو بالوسط يشعر مرةً بلسعةِ أفعى وأُخرى بوخزةِ قنفذ ربَّما تخيلُوا أنَّهُ عظاية أو فأراً أو حلزوناً ليسدّوا بهِ جوعهم, كان الغليون يتمنّى أُناساً يدخّنوا التبغ بواسطتهِ لا أفعى وقنفذ ينقران بهِ فلم يحصلا من جسدهِ على شيء فقرّر أن يتدحرج من حافةٍ إلى أُخرى إلى أن توقفّ ورغم التخدّشات التي أَصابتهُ وغيرّت من معالم شكلهِ رأى نفسهُ أمامَ قارعة الطريق وهو يرددُّ مع نفسهِ ما أنا إلاّ سوى تحفةٌ فنية تائهة تنتظرُ من ينتشِلُها من بينَ الأتربة. خلال لحظات أصبحتُ مسحوراً وقبل أن أستيقظ  حظّي يذهبُ للنوم. بينما كان الغليون تائهاً في فضاء واسع لا يألو على جهد ٍ أو يعرفُ أين يستقر؟. ومن الذي يستحقّ أن يقتنيه فجأةً شعر بأنّه إصطدم بجسم أبعده بضع خطوات من مكانه وإذا بيد ٍ تمتدّ لترفعه إلى الأعلى فكان رجلاً مسنّاً فبدأ ينفضُ عنهُ الغبار ويمسحه بمنديله الخاص بإعتناء إنّه رجل يهوى التحف القديمة الثمينة فبدأ الرجل يعبأُ الغليون بالتبغ وأخذ يستنشق منه رشفة عميقة متأمّلاً  في الفضاء الفسيح الذي يحويه منفرداً مع هذا الغليون حين ذاك شعر الغليون بأنّه وقع بأيد أمينةٍ تستحقّ أن تمتلكه فإزداد إرتياحاً وتيقّن بأنّه يوماً ما سيحظى بالعرض داخل متحف كبير أو في وسط مزاد ٍعلني قد يثيرُ الجدل في نفسه ويحقّق له حياة سعيدة.