ذكريات مسيحية تطرز هوامشها على صفحة الدواسة
عنكاوا كوم – الموصل – سامر الياس سعيد قادتني خطواتي الى منطقة الدواسة، فهي من أجمل المناطق التي تحط على ارض مدينة الموصل رغم ما يعتريها في الوقت الحالي من ظروف تجعل استقرارها على فوهة بركان ساخن، نظرا لوقوع اكبر المؤسسات الأمنية ممثلة بدائرة الشرطة بالقرب منها وهذا ما جعلها تشهد احداثا ماساوية، دفعت بسكانها ان يحزموا حقائبهم ليغادروها رغم أنها كانت من المناطق التي انبثقت في أربعينيات القرن المنصرم ولا سيما ان بصمة المسيحيين كانت فيها الأكثر تركزا واستقرارا عبر توالي السنين، خصوصا وإنها المنطقة التي نافست منطقة الساعة وكانت تعد مركز المدينة في تواريخ سابقة من حيث استقرار المسيحيين فيها.
فأضحت الدواسة منطقة تضم الكثير من العوائل وانبثق منهم الكثير من الأسماء المعروفة والتي تميزت بعطائها وانطلق شعاع فكرها الى افاق العالم.
وإذ كانت الموصل من المدن العريقة التي يعود تاريخ نشأتها الى عصور ما قبل الميلاد، فان بعد الميلاد كانت الموصل مأهولة من قبل المسيحيين والمجوس الوثنيين الذين كانوا يسكنونها في محلتين، إلا ان توسع المدينة بعد الفتح العربي لها سنة 16 هجرية -637 ميلادية جعلها لاتقتصر على هاتين الجماعتين، فحسب بل سكنت فيها قبائل عديدة كطي ووائل وتغلب وهي قبيلة مسيحية، أقام أهلها العديد من الكنائس التي ما زالت تعرف لحد الان.
كما عرف عن مدينة الموصل امتلاكها لعدد من الأسوار التي أنشئت لدرء الغزوات عنها واحتوت تلك الأسوار على منافذ أو أبواب، فعرف عدد من أبواب المدينة بأسماء مناطق لازالت تحمل هذا الاسم كباب سنجار وباب الجيش وباب السراي وباب الطوب وباب الجسر ومع توالي الأعوام لم تتحدد المدينة بتلك المناطق فحسب، بل توسعت لتمتد باتجاه الجنوب وأنشأت أحياء أخرى جديدة بعد ان كانت في السابق مناطق زراعية تشتهر بزراعة الفستق وكانت مملوكة لإحدى العوائل المعروفة والتي تحمل اسم آل الدفتردار بالإضافة الى أراضي أخرى كانت مملوكة لعائلة الصابونجي لكنها بفعل تمدد المدينة أزيلت تلك الأراضي الزراعية لتقوم عليها منطقة من مناطق المدينة، حملت اسم الدواسة التي نحن بصدد التعريف عن التواجد المسيحي فيها، حيث بدا بالتنامي مع مطلع أربعينيات القرن المنصرم، كما يشير بذلك المؤرخ المعروف بهنام سليم حبابة وهو يعد من أقدم من سكنوا المنطقة.
ويضيف وزاد التواجد المسيحي في منطقة الدواسة نزوح الكثير من الاثوريين إليها نتيجة ما حدث في سميل من مذابح بحقهم خصوصا في حقبة الثلاثينيات مما دفعهم لاختيار مدينة الموصل بالحلول فيها كملاذ امن فاستقروا في احد أركان منطقة الدواسة وعززوا تواجدهم بالكثير من الأنشطة التي اضطلع عدد كبير منهم فيها لاسيما القس يوسف ايليا قليتا والذي كان يراس الطائفة الآشورية في الموصل وله الكثير من الاعمال الجليلة لاسيما من خلال حرصه على جلب مطبعة كما انشا مدرسة أهلية لتعليم ابناء الطائفة فتخرج منها عدد كبير من المتعلمين كما افتتحت كنيسة باسم مار كوركيس خاصة بالطائفة وذلك عام 1952 اما عن واقع المنطقة في فترة الأربعينيات فكانت عبارة عن شارع غير مكسو بلا رصيف لكنها مع ذلك احتوت على العديد من الدوائر منها دائرة الطابو واحتوت أيضا مقر لرئاسة جامعة الموصل في نشاتها الأولى حيث كان يرأسها الدكتور محمود الجليلي قبل ان تنتقل الى موقعها الحالي في نهاية ستينيات القرن المنصرم لتتحول البناية السابقة لجامعة الموصل الى مستوصف صحي وكانت رئاسة الجامعة في تلك الفترة تزخر بعدد من الموظفين المسيحيين لعل منهم رئيس ملاحظين بشير داؤد سفر ومن العوائل التي سكنت محيط الشارع القريب من كنيسة ام المعونة والتي افتتحت عام 1944نظرا لزيادة أعداد المسيحيين في المنطقة المذكورة ولتأسيس الكنيسة قصة تمثلت بقيام عزيز دنو بشراء قطعتي ارض من عائلة الصابونجي لغرض إنشاء هذه الكنيسة عليها حيث استقر بالقرب من الكنيسة دار بيت الساعجي كما هنالك بيت هنودي الذين جاؤوا من منطقة الميدان ليسكنوا منطقة الدواسة ومنهم بشير حنا هنودي ودارهم تحول الى محلات بعد ذلك وبقرب بيت هنودي هنالك بيت سليم الحيفي وكان هذا يدير خزينة المتصرفية وقد اشترى دار الحيفي بعد ذلك الموصلي المعروف عبد الجبار الجومرد ومقابل هذا الدار هنالك ثلاث بيوت متلاصقة كانت ملكيتها تعود لرجل يدعى هادي حاوا وبجانب تلك الدور دار لقائمقام زاخو السابق يدعى لازار بيك اما البيوت الثلاث المتلاصقة فأول دار منها سكنه مالك خوشابا كما ان البيت الثاني سكنه احد الاثوريين يدعى قيصر وهذا كان يعمل عريف شرطة في كلي زاخو اما البيت الثالث فسكنه شقيق المطران سليمان كما سكن المنطقة عدد كبير من المسيحيين نذكر منهم رؤوف شماس اللوس وكوركيس طوقاتلي الذي اتى بمفاتيح بلدته طوقات في تركيا أثناء نزوحهم منها وبالقرب من الكنيسة كان يعمل ولازال حودي خليل صاحب ورشة النجارة في محل مازالت الكنيسة تمتلكه وبالقرب أيضا هنالك منزل الأستاذ فرنسيس بدرية الذي كان من ابرز مدرسي الاعدادية المركزية وتوفي مابين عامي 55-56 وامر مدير الاعدادية الأستاذ محمود الجومرد باجراء تشييع يليق ببدرية حيث حمل النعش من قبل طلاب الاعدادية لتقام صلاة الجناز لراحة نفسه في كنيسة ام المعونة وبحضور الجومرد نفسه وبعد بيت بدرية ياتي بيت المطران عمانوئيل ددي الذي ابتاعه عام 55 ومقابل هذا الدار يوجد بيت جبرائيل جبري وله شقيق يدعى نوئيل وكانا يعملان موظفين في دائرة الكمارك وهنالك بيت سكنته عائلة فروحة ولديهم دكتور يدعى صبري فروحة وليس بقليل عن هذا البيت يقع بيت لعائلة تدعى بيت يسي كما هنالك بالقرب منه بيت ليعقوب الوكيل وبيت لعائلة عجمايا وهذا الاخير تم شرائه من قبل وديع ننيس وبعد هذه البيوت يقع بيت عم كوركيس طوقاتلي وهو بيت مجيد طوقاتلي وكما ذكرنا بانهم نزحوا من مدينة طوقات التركية عام 1895 وفي فرع الكنيسة أيضا هنالك بيت يوسف غزول وبيت جروة الذين نزحوا من ماردين وهنالك من اطلق عليهم بيت الماردينلي ومقابل هذه البيوتات يقع بيت الاستاذ سليم وبعدها تقع دائرة الكمرك والتي نفسها كانت عبارة عن بيت يعود ليعقوب قسطو وبشير مراد كما سكن منطقة الدواسة ايضا وبالقرب من محيط كنيسة ام المعونة بيت بطرس عجاج وبقربه بيت سامي معمار باشي وبيت ايرم وحيدة والاخير كان شماس في كنيسة السريان الكاثوليك كما هنالك بيت حميد توزي ومقابل هذا البيت يقع بيت بشير حبابة وهو ابن عم سليم حبابة والد المؤرخ المعروف والتربوي الفاضل بهنام وبجانب بيت حبابة يقع بيت يعقوب ددي وقربه ايضا يقع بيت حنوشي الحداد وبجانبه يقع بيت الاب الراحل بطرس حداد وبعد هذا البيت نكون قد وصلنا الى منطقة قصر المطران الملاصقة لمنطقة الدواسة ولازالت هذه المنطقة تحمل هذا الاسم وكانت في السابق عبارة عن بساتين تعود لال الدفتردار وباعته هذه العائلة للمطران بهنام بني حيث سكن في هذه المنطقة وكان حينما يريد إقامة القداديس والصلوات في كنيسته الواقعة بحوش البيعة كان ياتي على الفرس كما كان يقيم القداس في احد اروقة القصر الكائن بمنطقة قصر المطران حتى بعد رسامته لبطريرك وذلك في 13 ايلول عام 1897..بما يتعلق بالعوائل المسيحية التي سكنت في الشارع العام للدواسة اذكر بيت غزول جبوري وبيت فدو ومقابل تلك المنطقة هنالك منطقة اغلبها من الاثوريين وتقع بالقرب من مركز شرطة الدواسة ويقول الكاتب محسن الجبوري وهو من سكنة منطقة الدواسة ان المركز في خمسينيات القرن المنصرم كان يقع في (نص)الشارع اما مقر الشركة العامة للنقل البري فكانت تقع في موقع مصرف الرافدين فرع الدواسة الحالي وذلك في فترة السبعينيات كما ان الأسواق المركزية والمعروفة بالاورزدي فقد كانت تقع في منتصف شارع الدواسة وفي الفترة المذكورة ايضا كما ان أهالي الدواسة كان يذكرون ان الباص الخاص بمصلحة نقل الركاب والذي يحمل الرقم (4) كان يمر بمنطقة الدواسة وينتقل الى منطقة المستشفى ويضيف الجبوري لسلسلة استذكاراته عن شارع الدواسة انه كان بسايدين ويحتوي عدد من الملاهي ومحلات بيع الخمور وبكثرة كما تم افتتاح عدد من السينمات منها حمورابي واشبيلية والأندلس وغرناطة وعن ابرز من سكن المنطقة يضيف الجبوري بان الأخوة المسيحيين ولاسيما الاثوريين هم ابرز من سكن منطقة الدواسة ولعل اغلبهم كان يعمل في شركة نفط الشمال في تلك الفترة ويستذكر عدد من زملائه والعوائل المسيحية فيقول لدي صديق يدعى عمانوئيل كان طالب معي في متوسطة المركزية وهو حاليا مقيم في كندا كما سكن منطقة الدواسة بيت سموعي وبيت شيما وهم حاليا مقيمون في استراليا كما لدي أصدقاء منهم سالم اندو وسركيس اندو وهم حاليا تركوا المنطقة ليستقروا في شمال العراق وكانوا يملكون محلات في المنطقة ايضا كما اعرف صديق يدعى كيغام الارمني وكيزاك انترانيك .. اليوم في حقبتها الراهنة تعيش الدواسة واقعا حزينا فالأسماء التي ذكرناها ممن سكنوا المنطقة تركوها وبقيت تقتصر على عوائل مسيحية لاتتجاوز أصابع اليد الواحدة اما الطابع السكني فمازال يتلاشى امام تنامي العديد من المهن التي حولت منطقة الدواسة الى مجمعات تعنى بالكثير من التخصصات ففي كل ركن من أركان المنطقة تتعدد المحلات التي تمتهن مهنة واحدة نذكر منها محلات الديكور والسقوف الثانوية والذين انتشروا في أكثر من منطقة في الدواسة يضاف الى ذلك محلات تصليح المولدات الصغيرة وبجانبهم ايضا محلات تتخصص بتصليح الدراجات البخارية وفي فرع اخر من المنطقة تتابع محلات تتخصص في الفرق الموسيقية التي تشارك في احياء حفلات الزفاف ويضاف الى تلك المهن العشرات من المقاهي ولعل منها من حافظ على وجوده في المنطقة وتحفل بذاكرة أصحاب تلك المقاهي العديد من الأحداث التي شهدتها المنطقة يضاف اليها محلات تعنى بتقديم الوجبات السريعة لاسيما محل بدر المعروف بتقديمه لسندويشات الفلافل الحارة واطباق الفول المتبلة كما هنالك عدد كبير من المطاعم ومنها مطعم كباب كويسنجق المعروف ومطعم الكهف.
ملاحظةأكثر المعلومات التي تتعلق بسكن العوائل المسيحية التي وردت في الموضوع اعتمدت بالدرجة الأساس على الذاكرة الجمعية الخاصة بالمؤرخ بهنام سليم حبابه لذا اقتضى التنويه ويتوجب الاعتذار من قبل كاتب الموضوع عن أي سهو ونسيان اغفل بعض العوائل التي قطنت هذه المنطقة .. ملاحظة أخرى أود الإشارة إليها الى إنني عندما بحثت عن أفضل صور تدعم هذا الموضوع لم أجد أجمل من الصور المرفقة والتي تحكي سنين خوالي من عمر هذه المنطقة ولعلها لاتقارن بعهد الدواسة الحالي والذي تغلبه الحواجز الكونكريتية المدعمة بالأسلاك الشائكة فضلا عن أركان أخرى للمنطقة تحوي بيوتات مهدمة بسبب أحداث أمنية شهدتها المنطقة سابقا كما ان الظروف الأمنية وانتشار العناصر الأمنية من قوات الجيش والشرطة تحولان ضد التقاط أي صورة فوتغرافية للمنطقة ..