روحانية الحب الزوجي - ماركو إيفان روبنيك
عن موقع الحبل بلا دنس
روحانيّة الحب الزوجيّ
سلسلة ثقافة الشباب الكاثوليكي (15)
ماركو إيفان روبنيك
روحانيّة الحب الزوجيّ
ترجمة
الإكليريكي/ أشرف ناجح إبراهيم
إهداءٌ
إلى كليةِ العلومِ الإنسانيّةِ واللاهوتيّةِ بالمعادي،
مَن هي قلبُ طائفةِ الأقباطِ الكاثوليكِ.
إلى "مركزِ القديسِ يوسفَ"، "مركزِ إعدادِ المُقبلين على الزواج"، مَن يساعدُ الشَّبابَ ويُعدُّهم إلى زواجٍ ناجحٍ يُمجِّدُ الله ويخدمُ الكنيسةَ.
إلى الأختِ بينا دي أنجليس مديرةٍ الدراسات بمعهدِ السكاكيني بغمرة، مَن علمتني الدِّروسَ الأولى في اللغةِ الإيطاليّةِ.
إلى أبي وأمي العزيزين، مَن عاشا ولا يزالا يعيشان بعمق وبساطة ما يحتوي عليه هذا الكتابُ.
إلى كلِّ هؤلاء أُهدي هذه التَّرجمةِ.
مُقدِّمةُ الناشر
اعتادنا في إصدارات سلسلة "ثقافة الشباب الكاثوليكي" أن نقدّم ما هو جديد في مجال الفكر والإبداع، وها نحن اليوم نقدم إسهاماً جديداً يغطي مساحة هامة من اهتمام الكنيسة في المجال الرعوي والدولة في مجال الأسرة والكثير من الشباب لا سيما المقبلون منهم على بناء عش الزوجية والدخول إلى عالم الزواج والأسرة. ذلك العالم الحافل بكل ما هو مشوق وجميل، ذلك العالم الجديد الذي ينضو كل شخص على أبوابه ثياب الأنانية والنرجسية والانفرادية ليرتدي عقلية جديدة تحتاج إلى كثير من المعرفة والحكمة والفهم.
قد يبدو هذا العالم المجهول مشوقاً، مثيراً لحب الاستطلاع عند البعض، مخيفاً ومرعباً لآخرين مرغوباً ومحبوباً وردياً ومفروشاً بالأحلام السعيدة والإشباع الكامل والتحقيق المطلق لكل أحلام الشباب عند البعض، بينما هو قفص من ذهب أو سجن اختياري مكبّل للحرية ومثقل بالمسئوليات الجسام للبعض الآخر. لكن في كل حال ومنذ فجر الإنسانية ووجود الإنسان على الأرض ظلت الأسرة وإلى يومنا هذا ذلك الحصن المنيع الذي يزود البشرية بكل أبناءها من علماء وفلاسفة وعباقرة ومفكرين وقادة وجنود و...إلخ ولا نستطيع تصور حياة الإنسان بدون الأسرة. فهي الخلية الأولى للمجتمع ولا غنى عنها لتكوين المجتمع السليم... ولقد واجهت هذه الخلية وتواجه الكثير من المشاكل والتحديات ولكنها انتصرت عليها جميعاً. ولقد كان للكنيسة منذ نشأتها على الأرض اهتماماً خاصاً بالأسرة فلقد اختار السيد المسيح مؤسس الكنيسة أن يولد في أسرة فقيرة بسيطة لكنها مترابطة، قليلة الإمكانات لكنها مكتفية في كل شيء. وعاش في بلدة صغيرة وسط عائلة وأسرة، وكانت أول معجزاته لإسعاد الأسرة في عرس قانا الجليل، وعندما أراد أن يقدّم تشريعاً جديداً صحّح مفهوم اليهود عن الأسرة والطلاق والزواج. وعندما تحدّث كان واضحاً دقيقاً محدداً دافع عن وحدة الأسرة وشرعيتها واستقرارها... دافع عن المرأة ودافع عن الرجل وحمى حقوق الطفل بالحب والقبول والرعاية. نادى بالمحبة والمساواة وعاش إلى اللحظة الأخيرة محباً محترماً لهذه البنية الدقيقة حتى أنه سلّم أمه على الصليب إلى تلميذه الحبيب يوحنا لتعيش في أسرة.
ظلت الكنيسة في ممارستها وطقوسها وتعليمها أمينة على تلك الوديعة وكانت مساهمات قداسة البابا الراحل يوحنا بولس الثاني المتعدّدة والمستمرة دائماً في صالح الأسرة بجميع أفرادها ولقد التقط فناننا المبدع وكاتب هذا الكتاب الأب اليسوعي روبنك هذا الخيط الدقيق وطوّره بطريقة تتناسب مع الفكر اللاهوتي الحديث وتقاليدنا الشرقية الأصلية.
مُقدِّمةُ المترجم
يقولون: "إنَّ كل مترجم خائن"؛ وهي مقولةٌ تُستعمل للإشارةُ إلى أنَّه مهما بذل المُترجمُ مِن جهد فلن يصل أبداً إلى صياغة ما يُترجمه في معناه الكاملِ. ولا نخفي ولا يمكننا أنْ نخفي ما وجدناه مِن صعوبةٍ في السَّعيّ إلى تقديم ترجمةٍ أمينةٍ لهذا الكتابِ وفي نفس الوقتِ سهلةٍ وفي متناولِ الجميعِ.
أمَّا بالنسبةِ لموضوعِ الكتابِ وهو "روحانيّةُ الحبِّ الزَّوجيّ"، فإنه بالحقيقةِ موضوعٌ حيويّ ومُعاصر؛ ونحن في أشدِ الحاجةِ إلى إعادة طرحه والتعمق في أبعاده المُتعددةِ والغنيّةِ. فلا يخفي على أحد ما يواجهه "الزَّواجُ" الآن مِن تَحدِّياتٍ وعَقَّباتٍ مِن كلِّ جانبٍ باتتْ تهدد هذه المؤسسة بالانهيار؛ فيكفي أنْ ننظرَ حولنا، حتى يتضح لنا كم نحن في أمسّ الحاجةِ إلى مَن يُحدِّثنا مِن جديدٍ، ويطرح الموضوع بطريقةٍ جديدةٍ، تختلف عن الأفكار والمفاهيم الخاطئةِ التّي تبثها فينا البيئةُ والثَّقافة المُناهضة لقيمة "سرِّ الزَّواجِ المُقدَّسِ".
ولا يخفى على أحد أننا في عصرٍ غاب عن أبناءه أنَّ الله عندما خلق الإنسانَ خلقه ذكراً وأنثى، وأنَّه خلقهما معاً ليكتشفا مِن خلال حبِّهما المُتبادلِ أنَّ «الله محبةٌ» (1يو4:

[1]. ويؤسفنا حقاً ما آل إليه حالُ "سرِّ الزَّواج"! فكم أصبح سهلاً ومُتاحاً استبدالُ شريعةِ الزَّوجةِ الواحدةِ الدَّائمةِ- التّي هي شريعة إلهيّة- بشرائع أخرى لا تتفق بل تتعارض مع المبدأ الذي علَّمه السَّيدُ المسيح: «لذلك يترك الرَّجلُ أباه وأُمه ويلزم امرأته ويصير الاثنان جسداً واحداً. فلا يكونان اثنين بعد ذلك، بل جسدٌ واحد. فما جمعه الله فلا يُفرَّقَّنه الإنسان» (مت 19/ 5- 6).
كما أصبحتْ حقيقةُ الحبِّ مجردَ كلمةٍ يفسدها سوء الاستعمال.
كم مِن شبابٍ هجروا "فكرةَ الزَّاوجِ"- على حدِّ تعبيرهم- وفضّلوا الاستمتاعَ الزَّائفَ مرة ومرات بلقاءاتٍ جنسيّةٍ عابرةٍ؟!
كم مِن بيوتٍ أوشكتْ أنْ تُهدم بسببِ عدمِ اتفاقِ الزَّوجِ والزَّوجةِ معاً أو بسبب الخياناتِ الزَّوجيّةِ المُحزنةِ؟!
تُرى ما ذنبُ أولادنا في ذلك؟!! إنَّ هذا الكتابَ الصَّغيرَ هو بمثابةِ تَذْكرِة بما الحبُّ الزَّوجيّ وكيف يُعاش اليومَ، برغمِ الصُّعوباتِ؟ وإنَّه لتَذْكرة أيضاً بقُدسيّةِ سرِّ الزَّواجِ ومعناه الأسراريّ.
هذا الكتابِ من تأليف كاتبين هما: السلوفينيّ ماركو إيفان روبنيك، والرُّوسيّ سرجي سرجفيك أفيرنشق، حيث يحتوى الكتاب في طبعته الإيطاليّةِ على جزئين، قام كلٌّ منهما بتأليفِ جزء منه؛ وقد قمنا بترجمةِ الجزءِ الأولِ فقط، لأنه يتناسب أكثر مع ثقافتنا الشَّرقيّةِ، كما يميل إلى الجانب العمليّ التطبيقي. وفي هذا الجزءِ يقوم المؤلفُ "روبنيك" باستعراض بعضِ أحاديثِ البابا يوحنا بولس الثَّاني[2] كمُقدمةٍ لتأمله؛ وقد يجد، القارئ، صعوبةً في متابعتها، ولكن ندعوك لأنْ تستكملَ قراءةَ الكتابِ لأنَّ أسلوبه بسيطٌ وشيقٌ.
مع شعورنا التَّامِ بالعرفانِ بالجميلِ، نتقدَّم بالشُّكرِ إلى كلِّ مَن ساعد في إتمامِ هذا العملِ وإخراجه إلى النورِ؛ ونخصُّ بالذِّكرِ مركز "آليَّتي" Aletti المتخصِّص في الدِّراساتِ الثَّقافيّةِ- الإيمانيّةِ حول التَّقليدِ الشَّرقيّ والغربيّ، الذّي دعمَّ هذا العمل ماديّاً؛ كما نشكر أيضاً كليةَ العلومِ الإنسانيّةِ واللاّهوتيّةِ بالمعادي ومديرها الأب/ بولس جرس، التّي تقوم بطبعِ هذا الكتابِ ونشره؛ ونشكر أيضاً الآباء الذين قاموا بمراجعةِ التَّرجمةِ لغوياً؛ وأخيراً نشكر القرّاء، الذين اختاروا هذا الكتاب للقراءة.
مُقدِّمةُ المُؤلفِ
نُورد كمقدمة لكتابنا فقراتٍ مُختارةً ومُختصرةً مِن تعليمِ البابا يوحنا بولس الثاني، يتحدَّث فيها عن الحبِّ الإنسانيّ، كما ورد في التَّعليمِ المسيحيّ الذي كان يقدمه قداسته يومِ الأربعاء من كل أسبوع[3]. وهو يظهر أقصى عمقٌ لاهوتيّ وأنثروبولوجيّ إنسانيّ[4] ورعويّ، على ضوءه نضع أساسَ تأملنا. ولقد أُخذتْ هذه النصوصِ مِن كتاب "رجلٌ وامرأةٌ خلقهما" الذّي أصدرته دارُ النشرِ Città Nuova/ Libreria Editrice Vaticana، في عام 1992بروما، في طبعته الثَّالثةِ؛ وقد وردت هذه النصوصُ بالتَّحديدِ تحت عنوانِ: "تعليمٌ كنسيّ عن الحبِّ الزَّوجيّ". وسنقوم الآن بعرضٍ بعضِ هذه النصوصِ مع أرقامِ الصَّفحاتِ التّي وردت بها.
«كمالُ الحياةِ المسيحيّةِ يُقاس بمقياسِ المحبّةِ». (ص. 309)
المضمون
معنى الأُنوثةِ والذُّكورةِ في الخلقِ
«يصبح الإنسانَ أكثر قرباً إلى صورةَ الله لا في وقتِ وِحدته، إنَّما في لحظةِ الشَّركةِ. فهو، في الواقعِ، "منذ البدءِ" لم يكن مجردَ صورةٍ تعكس فقط وِحدةَ شخصٍ "إلهٍ" يُدبِّر العالمَ؛ إنَّما أيضاً وبشكلٍ أساسيّ، هو صورةٌ لشركةٍ إلهيّةٍ خفيّةٍ بين الأشخاصِ "الأقانيمِ الثَّلاثةِ". وبهذا الشَّكلِ، فإنَّ الرِّوايةَ الثَّانيّةَ لخلقِ الإنسانِ[5]، يمكنها أيضاً أنْ تساعدَ في فهمِ التَّصوّرِ الثَّالوثيّ لتعبيرِ "صورةِ الله"، حتى وإنْ كان هذا الأمرُ يظهر فقط في الرِّوايةِ الأولى[6].
ولهذا الطرح معناه العميق في ما يخص لاهوتَ الجسدِ أي الفكرَ اللاهوتيّ حول الجسدِ؛ فهو يضع الأساس للجانبَ اللاهوتيّ العميقَ عما يُمكن أنْ يُقالَ عن الإنسانِ. وعلى أساسِ "الوِحدةِ" الأصيلةِ والأساسيّةِ لوجود الإنسان فقد زوده الله في سر الخلق بوَحدةِ عميقةِ بين كلِّ ما هو رجولة وأنوثة والذّي يظهر مِن خلالِ إنسانيته وجسده، وعلى ضوءِ التَّحليلِ السَّابقِ "للجسد بصورتيه: ذكر وأنثىِ"، قام قداسة البابا يوحنا بولس الثاني بتحليلٍ للفصلِ الثَّانيّ مِن سفرِ التَّكوين، وقدم تعريفاً مِن خلالِ مستخدم المصطلح "حيوانات"، لذلك فإنَّ تعبيرَ "لحمٌ مِن لحمي" يكتسب بالتَّحديدِ المعنى التَّالي: الجسدُ الذي يُظهر الإنسانَ. إنَّ هذه الصيغةَ البليغةَ تحتوي بداخلها على كلِّ ما يُمثِّل بُنيّةَ الجسدِ العضويّة وقدرته على الحياةِ وأعضائه الجنسيّةَ الخاصةَ...إلخ؛ وهو الأمرُ الذّي لا يمكن أنْ تقوله لنا أبداً العلومُ الإنسانيّةُ. ففي هذا التَّعبيرِ الأول الذّي ينطق به الإنسانُ الرَّجلُ: "لحمٌ مِن لحمي"[7]، هناك إشارةٌ ضمنيّةٌ إلى كلِّ ما يجعل هذا الجسدَ إنسانيّاً بشكلٍ جذريّ، وبالتَّالي فهو يشير إلي كلِّ ما يصف ويحدِّد الإنسانَ كشخصٍ، أيّ ككائنٍ "شبيهٍ" بالله في كلِّ هيئته الجسديّةِ، فهو"صورةُ الله"».(ص59-60)
«ها هو جسدٌ يُعبِّر عن "الشَّخصِ"! ومِن خلالِ عمقِ هذه الوِحدةِ الأصيلةِ، يتجلَّى الإنسانُ في بُعد العطاءِ المُتبادلِ الذّي يجد تعبيره في الجسدِ البشريّ بحقيقته كذَّكر وأنثى- ولذلك فهو تعبيرٌ عن وجوده كشخصٍ. فالجسدُ يُبين ما هي أُنثى "مِن أجلِ" ما هو ذكر، والعكس صحيح ما هو ذكر "مِن أجلِ" ما هو أُنثى، كما أن التَّبادلَ والشَّركةَ بين الأشخاصِ يتمُّ التَّعبيرُ عنهما مِن خلالِ الجسد، الذّي هو بدوره خاصيّةٌ أساسيّةٌ للوجودِ الشَّخصيّ، فالجسدُ هو شاهدٌ للخلقِ كعطيّةٌ أساسيّةٌ، وبالتَّالي هو شاهدٌ أيضاً للحبِّ بأنَّه نبعٌ يُولد منه هذا العطاءُ ذاته.
الرجولة والأُنوثةَ هما إذن علامةُ أصيلةُ لعطاءٍ خلاقٍ ولوعيٍ عميقٍ وعطاءٍ مُعاشٍ بشكلٍ أصيلٍ مِن قِبَلْ الإنسانِ، ذكراً كان أم أُنثى،. وهذا هو بالتَّحديدِ المعنى الذّي يُدخل الجنسُ في لاهوتِ الجسدِ». (ص.75)
«يظهر الإنسانُ في العالمِ المحسوسِ كأرقى تعبيرٍ عن الهبةِ الإلهيّةِ، لأنَّه يحمل في ذاته البُعدَ الدَّاخليّ للعطاءِ؛ وينقل مِن خلال جسده كينونته الخاصةَ الشَّبيهةَ بالله إلى العالمِ وبفضل هذه الكينونة أيضاً يسمو ويتحكَّم في وجوده في العالمِ "المرئيّ" بل وفي هيئته الجسديّة أيضاً، كرجل أو أنثى. والشَّبهِ القائمِ بين الإنسانِ والله في الوعي الأوليّ للمعني الزَّوجيّ للجسدِ يحكي سرِّ البراءةِ الأصليّةِ. وهكذا يتأسسُ السِّرِّ الأساسيّ الأصليّ الذي هو سرِّ الزواج على أساس هذا البُعدِ "التشبُّهِ بالله" كعلامةٍ تنقل إلى العالمِ المنظورِ السِّرَّ غير المنظورِ والمُحتجبُ في الله مُنذ الأزلِ. وهذا هو سرُّ الحقيقةِ وسرُّ الحبِّ، أي سرُّ الحياةِ الإلهيّةِ، التّي يشارك فيها الإنسانُ واقعيّاً. إنَّ البراءةَ الأصليّةَ، المُرتبطةَ باختبارِ معنى الجسدِ في نطاقِ الزواج، هي القداسةُ نفسها التّي تسمح للإنسانِ بأنْ يفصحَ عن نفسه بعمقٍ مِن خلالِ جسده الخاصِ؛ ويحدث كلُّ هذا، بالطبع، مِن خلالِ "العطاءِ الصَّادقِ". فإنَّ الوعي بالعطاءِ يشترط، في هذه الحالةِ، "تقدّيسَ الجسدِ": فيشعر الإنسانُ بأنَّ جسده في صورته الذَّكريّةِ أو الأُنثويّةِ هو موضوعٌ للقداسةِ». (ص. 91)
توابعُ الخطيئةِ
« تشهد هذه الكلماتُ: "سمعت صوتك فخفتُ لأنَّي عريانٌ فاختبأتُ" عن تغييرٍ جذريّ في العَلاقةِ. فهنا يفقد الإنسانُ، بشكلٍ ما، اليقينَ الأصليّ لـ"صورةِ الله"، والمُعبَّرِ عنها في جسده "..." "فخفتُ لأنَّي عريانٌ فاختبأتُ" هي كلماتٌ تؤكِّد سقوطَ هذا القَبولِ الأصيلِ للجسدِ كعلامةٍ للشخصِ في العالمِ المحسوسِ؛ ويظهر مِن خلالها أيضاً تزعزعٌ في قَبولِ العالمِ الماديّ في عَلاقته بالإنسانِ». (ص. 127)
« إنَّ الشَّهوةَ بصفةٍ عامةٍ- وشهوةَ الجسدِ بصفةٍ خاصةٍ- تُصيب هذه "العطيةَ المُخلِصةَ": وتحرم الإنسانَ مِن كرامةِ العطيّةِ المُعبَّرِ عنها بواسطةِ جسدِه، مِن خلالِ الرجل والأنثى؛ فالشَّهوةُ تجعل الإنسانَ "يفقد كرامته الشَّخصيّةَ"، صانعةً منه موضوعاً "مِن أجلِ التلذّذ بالآخرَ"». (ص. 143)
« وهكذا يتشوّه ذاك العطاء المُتبادلُ "مِن أجلِ" إذّ يفقد طابعَ حياةِ الشَّركةِ بين الأشخاصِ بسببِ الاستعمالِ المنفعيّ». (ص. 180)
دعوةٌ إلى الخلاصِ
« يجب أنْ يشعرَ الإنسانُ بأنَّه مدعوٌ لأنْ يُعيدَ اكتشافَ، أو بالأحرى، لأنْ يحققَ المعنى الزَّوجيّ للجسدِ، ولأنْ يُعبِّرَ بهذه الطَّريقةِ عن الحريّةِ الدَّاخليّةِ للعطيّةِ، أيّ عن تلك الحالةِ وتلك القوةِ الرُّوحيتين اللتين تنشأن نتيجةً للتحكُّمِ في شهوةِ الجسدِ». (ص. 192)
«إنْ كانتْ قوى الشَّهوةِ تحاول أنْ تفصلَ "لغةَ الجسدِ" عن حقيقته، أي تزورَ معناه؛ فعلى العكسِ مِن ذلك، فإنَّ قوةَ الحبِّ تُنشِّط باستمرارٍ معنى هذه الحقيقةِ مِن جديدٍ، حتى يتمكَّن سرُّ افتداء الجسدِ مِن أنْ يُنتجَ ثمراً في هذه الحقيقةِ». (ص. 478)
« تشهد كلماتُ السيد المسيح بأنَّ القوةَ الأصليّةَ لسرِّ الخَلقِ (وبالتَّالي أيضاً النعمةَ) تُصبح بالنسبةِ لكلِّ واحدٍ منهما أي الزَّوجين في قوةَ سرِّ الفداءِ. ألا يشعر الإنسانُ المنغمسُ في الشَّهواتِ باحتياجٍ عميقٍ لأنْ يصونَ كرامةَ العَلاقاتِ المُتبادلةِ المُعبَّرَ عنها في الجسدِ، بفضلِ رُجولته وأُنوثته؟ أو ألا يشعر فعلاً بالحاجةِ إلى تجذير هذه العَلاقاتِ وتعميقها في كلِّ ما هو نبيلٌ وجميلٌ؟ أو ألا يشعر حقاً بالحاجةِ إلى أنْ يسندَ إليها القيمةَ القُصوى، أي الحبَّ؟
فليس مِن المهمِ أن يشعر الإنسانُ في "قلبهِ" بأنَّه ليس مُداناً وليس فريسةً لشهوةِ الجسدِ، وإنَّما عليه أيضاً أنْ يشعرَ في "قلبه" ذاته بأنَّه مدعوٌ بشكلٍ قوي. وبالتَّحديدِ إلى هذه القيمةِ العُظمى، قيمة "الحبِّ" فهو مدعوٌ للوصولِ إلى هذه القيمةِ كشخصٍ بكلِّ حقيقته الإنسانيّة، وبالتَّالي أيضاً بكلِّ حقيقةِ كرجل وأنثى، وبكلِّ حقيقةِ جسده».(ص. 193)
« ينبغي أنْ يجدَ الإنسانُ باستمرارٍ في كلِّ ما هو "إيروس" بمعنى الحبِّ الجسديّ[8] المعنى الزَّوجيّ للجسدِ والكرامةَ والسّموَ الأصلين للعطيةِ؛ فإنَّ هذا هو بالتَّحديدِ واجبُ الرُّوحِ الإنسانيّ، فهو واجبٌ أخلاقيّ، وإنْ لم يتمّْ القيامُ بمثل هذا الواجبِ، فإنَّ إغراءات الحواسِ ذاتها وأهواء الجسدِ يمكنها أنْ تتمحوَّرَ حول الشَّهوةِ المُجردةِ مِن القيمةِ الأخلاقيّة؛ وعندئذٍ لن يختبر الإنسانُ، ذكراً وأُنثى، ذلك الملء الذّي للـ"حبِّ الجسديّ"، الذّي يعني اندفاع الرُّوحِ الإنسانيّ نحو كلِّ ما هو حقيقيٌ وصالحٌ وجميلٌ، والذّي بفضله أيضاً يُصبح كلُّ ما هو "حبُّ جسديّ" حقيقيّاً وصالحاً وجميلاً؛ فلا مفرَّ إذن مِن أنْ تُصبحَ القيم الأخلاقية هي القالبَ الذّي يُشكِّل الحبَّ الجسديّ». (ص. 198)
«وعلى كلِّ حالٍ، فإنَّ المعنى الأصيلَ والأساسيّ لكون الإنسانُ جسداً، ولكونه أيضاً، مِن حيث هو جسدٌ، ذكراً و أُنثى- أي بمعنى "زوج" بالتَّحديدِ- يكمن في الاتحادٍ والعَلاقةٍ الوثيقةٍ مع حقيقةِ خَلقِ الإنسانِ كشخصٍ مدعو إلى الحياةِ في "شركةٍ مع الأشخاصِ"». (ص. 274)
الحبُّ لأجلِ قيامةِ الأجسادِ
«عندما نتحدَّث عن قيامةِ الأجسادِ، أيّ عن قيامةِ الإنسانِ في خاصيته الجسديّةِ الأصيلةِ، نقصد بذلك "الجسدِ الرُّوحانيّ" أي الوعي والحسَ الكاملَ للحواسِ، وانسجامها التَّامَ مع نشاطِ الرُّوحِ؛ الذّي هو الرُّوحُ الإنسانيّةُ في الحقِ والحريّةِ». (ص.285)
«إنَّ الجسدَ المُمجَّدَ، الذّي هو ثمرةٌ إسكاتولوجيةٌ[9] ناجمةٌ عن روحانيته المُؤلهةِ، سوف يُظهر القيمةَ النهائيّةَ لكلِّ ما كان يجب أنْ يكونَ مُنذ البدءِ علامةً مُميزةً للشخصِ المخلوقِ في العالمِ المحسوسِ، ووسيلةً للتواصلِ المُتبادلِ بين الأشخاصِ، وتعبيراً أصيلاً عن الحقيقةِ والحبِّ؛ أي كلَّ ما تقوم عليه الشَّركةِ بين الأشخاصِ عبر الجسدِ. هذا المعنى الخالدُ للجسدِ البشريّ، يقوم عليه وجودُ كلِّ إنسانٍ، وعندما يتثقَّل الشخص بميراثِ الشَّهواتِ، تقع بالضرورةٍ سلسلةً مِن القصورِ والصِّراع والألمِ؛ لكن بقيام الأجساد سوف يَظهر الجسد مِن جديدٍ في بساطةِ وإشراقِ، بحيث سيجد كلَّ واحدٍ مِن المُشاركين في "العالمِ الآخرَ" في جسده المُمجَّدِ مصدراً للعطيّةِ الحرةِ». (ص.275)
«إنَّ "لغةَ الجسدِ" المُعادَ قراءتها في ضوءِ الحقيقةِ تتقدَّم في خطواتٍ مُتوازيّةٍ مع اكتشافِ الحصانةِ الدَّاخليّةِ للشخصِ؛ وفي الوقتِ ذاته، يُظهر هذا الاكتشاف العمقَ الأصيلَ للانتماء المُتبادلِ بين الزَّوجين: أي وعيهما الناشئ والمُتزايدَ بانتمائهما الواحدِ للآخرَ، ووعيهما الناشئ والمُتزايد بأنَّهما متميزان الواحدِ عن الآخرَ». (ص. 422)
«إنَّ حقيقةَ الحبِّ تَظهر مِن خلالِ وعيهما بالانتماء المُتبادلِ، الذّي هو ثمرةٌ للتطلعِ والطُّموحِ والبحثِ المُتبادلِ؛ وفي الوقتِ ذاته، تَظهر حقيقةُ الحبِّ هذه في ضرورةِ الطُّموحِ والتَّطلعِ والبحثِ التّي تنشأ بدورها مِن الخبرةِ المُتبادلِة. فالحبُّ يقتضي مِن كلاهما، أنْ يسموا باستمرارٍ لارتقاءِ سُلْمَ الانتماء، باحثين دائماً عن شكلٍ جديدٍ أكثر نضوجاً لانتماءهما الواحدِ للآخرَ». (ص. 431)
الحبُّ كسرِّ مُقدَّسِ
«يُؤكِّد المسيحُ أنَّ الزَّواجَ هو سرٌّ مُقدَّسٌ مُتعلَّقٌ بوجودِ الإنسانِ في العالمِ المحسوسِ الحاضرِ لا ينتمي إلى الحقيقةِ الإسكاتولوجيّةِ "للعالمِ المُقبلِ"[10]؛ ومع ذلك، فإنَّ الإنسانَ المدعوَ أنْ يشارك في هذا الحدثِ الإسكاتولوجيّ مِن خلالِ قيامةِ الجسدِ، هو ذاته الإنسانُ ، ذكراً و أُنثى، المُرتبطٌ بأصلُ وجوده في العالمِ المحسوسِ الحاضرِ بالزواج كسرٌّ مُقدَّسٌ أساسيّ مُتعلَّقٌ بسرِّ الخلقِ نفسه». (ص.391)
«إنَّ هذا الشكلَ الأصيلَ والأساسيّ للزَّواجِ سوف يتجدد، عندما يتقبّل الزَّوجان زواجهما كسرِّ مُقدَّسٍ مِن أسرارِ الكنيسةِ، مُدركين العمقَ الجديدَ الخاصَ برضى الله ومسرته بالإنسانِ، الأمرَ الذّي تمَّ كشفه وافتتاحه بسرِّ الفداءِ، عندما قيل "أيها الأزواج أحبوا زوجاتكم مثلما أحبَّ المسيحُ الكنيسةَ وجاد بنفسه مِن أجلها ليقدِّسها مُطهِّراً إياها بغسلِ الماءِ وبالكلمةٍ" (أف 5/ 25-26).
يتم تجديدُ تلك الصُّورةِ الأصيلةِ والأساسيّةِ للزَّواجِ كسرٍّ مُقدَّسٍ، عندما يتحد الزَّوجان المسيحيان بخضوع متبادل "خاضعين بعضكم لبعض في مخافةِ المسيح" (أف 5/ 21)- واعين بالعمقِ الأصيلِ لـ"افتداءِ الجسدِ" أته بواسطةِ الزواج والنعمةِ المُصاحبةِ له كسرٍّ مُقدَّسٍ، يخترق الحب ببعديه الأساسيين الروحي والخلاصي إلى حياةِ الزَّوجين وكما ظهر المعنى الزَّوجيّ للجسدِ في بُعديه كذَّكر وأُنثى، لأولِ مرةٍ في سرِّ الخَلقِ، على أساسِ حالةِ البراءةِ الأصليّةِ للإنسانِ، حيث يربطه القدِّيسُ بولس في رسالةِ أفسس بالمعنى الفدائيّ، يتم تأكيده وتوثيقه في سر الزواج المسيحي، ويُصبح بمثابةِ "خلقٍ جديدٍ"». (ص. 394)
الحبُّ الزَّوجيّ ليتورجي[11]
«يجب أنْ يكونَ الزَّوجان في لحظةِ زواجهما الواحدِ بالآخرَ، كزوجٍ وزوجةٍ، "جسداً واحداً"؛ وعليهما أنْ يتعهدا معاً بشكلٍ مشتركٍ أنْ يُعيدا قراءةَ "لغةِ الجسدِ" في حالته، مِن خلالِ مصدره الإلهيّ. وبهذا الشَّكلِ، تُصبح "لغةُ الجسدِ" لغةَ الليتورجيا: فيَظهر فيها أقصى عمقٌ ممكنٌ مِن خلالِ اتصالها بسرِّ "أصلِ الخليقةِ" ويمكن القولُ إذن إنَّه مِن خلالِ كلا الزَّوجين تُصبح "لغةُ الجسدِ"، سواء في البُعدِ الذَّاتيّ لحقيقةِ القلوبِ البشريّةِ، أو في "البُعدِ الموضوعيّ" لحقيقةِ حياةِ الشَّركةِ، لغةَ ليتورجيا». (ص. 440-441 )
«في اللحظةِ التّي ينال فيها الزَّوجان سرَّ الزواج المُقدَّسِ، ولكونهما خادمي السِّرِّ[12]، يؤسس كلاهما، كرجلٍ وامرأةٍ، العلامةَ المرئيّةَ الفيّاضةَ والواقعيّةَ للسِّرِّ نفسه». (ص. 398) "انتهى هنا كلامُ البابا"
روحانيّةُ الحبِّ الزَّوجيّ[13]
لقد حملتني رِسالتي الرَّعويّةُ في سنوات كهنوتي الأولى أنْ أتكرَّسَ لخدمةِ الشَّبابِ، وخاصةً في مُرافقةِ المُقبلين منهم على الزواج. وعندما أفكر اليومَ في العدد الكبير من المجموعاتِ التّي رافقتها، وأنظر في الجديّةِ التّي تمَّ بها إعدادهم وفي الطَّريقةِ التّي يحيون بها اليومَ حياتهم الزوجية، وأتأمل في أطفالهم وسخاء أولئك الوالدين تجاه أولادهم ومسئوليتهم الحاضرة، يبدو كأنه لا مثيلٌ لهذا في واقعِ المحيطِ الحاليّ. فمرةً عندما شرحتُ هذه المسيرةَ التّي قطعها ولا يزال يقطعها هؤلاء الأزواجُ، تبيَّن لي أنَّ الكثير منهم يعتقدون أنَّ مسيرتهم هذه تنتمي إلى عالمِ الخيال والأساطيرِ، عالمٍ غيرِ واقعيّ؛ ولكنْ واقع حياةُ هذه العائلاتِ يتكلّم مُعلناً صدقَ المسيرةِ.
والآن، كدارس مهتمٍ بدراسةِ اللاهوتِ والتَّبشيرِ في العالمِ المُعاصرِ، أشعرُ بالضَّرورةِ المُلّحِةِ في أنْ أبدأ بالكتابةِ لطلابي كلِّ ما أمكنني تعلَّمه وفهمه ولكلِّ الشَّبابِ الذين يتأهبون لنوالِ سرِّ الزواج ولكلِّ زوجيّن نلتُ النعمةَ أنْ أكونَ الأبَ الرُّوحيّ لهما. فإني مؤمن أنَّه من الأهمية بمكان أنْ نبين في كلِّ مجالٍ مُتاحٍ، روابطَ التَّواصلِ القائمةَ بين الحياةِ اليوميّةِ والحياةِ الرُّوحيّةِ واللاهوتِ. وقد شجعني على البدايةِ في هذا كتابة التَّأملِ ذي الطابع اللاهوتيّ ما وجدته في التَّعليمِ المسيحيّ لقداسةِ البابا يوحنا بولس الثَّاني مِن نورٍ لاهوتيّ وروحيّ فيما يخص الكثير من الاعتباراتِ التّي كنتُ أُعدُّها حول مثلِ هذه الخبرةِ الحياتيّةِ؛ فمِن خلالِ تعاليم قداسته تمَّ تنظيمُ المحاورِ الأساسيّةِ لهذا التَّأملِ، التّي حاولتُ أنْ أصيغها في قالب اللاَّهوتِ الشَّرقيّ. لقد كنتُ واعياً تماماً بأنَّ الحديثَ عن الحبِّ الزَّوجيّ هو نقطةٌ صعبةٌ وشائكةٌ ومُؤلمةٌ، ولكن شعرتُ أيضاً بأنَّ المخرجَ مِن المأزقِ "الأخلاقيّ" لا يكمن في تغيرِ الخطوطِ الأساسيّةِ لتعليمِ الكنيسةِ المُؤيَّدِ على مرِّ العصورِ. ولذلك فقد بحثتُ باستمرارٍ عن أعماقٍ جديدةٍ وعن طُرقٍ قصيرةٍ كامنةٍ في حكمةِ الحياةِ الحقيقيّةِ التّي تمتلكها الكنيسةُ وتحرسها على مرِّ تاريخها، مُقتنعاً بأنَّ الرُّوحَ القدسَ يَهبُ كنيسته النعمةَ الضَّروريّةَ حتى يوجدَ بها في كلِّ الأوقاتِ أولئك الذين ينتمون لهذه الحكمةِ التّي تنيرُ المؤمنين في مسيرةِ تقديسِ حياتهمِ.
ينبغي علينا إذن أنْ نقومَ باكتشاف معانٍ "جديدةٍ" نضرةٍ، قائمةٍ علي جبلِ التعليمِ الكنسيِ باحترامٍ كاملٍ لكلِّ أولئك الذين -مع الأسفِ- يتوقَّفون عادةً عند حرفيّةِ التَّعليمِ بدون أنْ يسعوا إلى اكتشاف أعماقِه ودوافعِه الرُّوحيّةِ.
يريد هذا الكتابَ الصغيرَ أنْ يكونَ مجردَ توجيهٍ لاهوتيّ وإنسانيّ للقضيةٍ التّي نحن بصددها، وأنْ يساعدَ في قَبول معنى الجنسِ ومعنى الحبِّ الزَّوجيّ في إطارِ النظامِ الإلهيّ المُتعلِّقِ بخلاصِ الإنسانِ. وسأحاولُ أنْ أظل قريباً مِن الخبرةِ المُعاشةِ في حياةِ الأشخاصِ، ولذلك سأقدِّمُ في بعضِ الأحيانِ بعضَ الإرشاداتِ الرَّعويّةِ العمليّةِ؛ ودون أنْ يقودَ هذا إلى التقليلٍ مِن واقعيّةِ المشاكلِ المُتعلِّقةِ بالموضوعِ، وتنوعها مما يقتضي مجالاً أوسع مِن ذلك.
المُصطلحاتُ المُستخدمةُ في الحديثِ
يتخذُ هذا التّوجيهُ الحياةَ الرُّوحيّةَ كأساسٍ له؛ والهدفُ منه هو تقديمُ رؤيةٍ شاملةٍ تُظهرَ الرَّوابطَ القائمةَ بين الحقائقِ المُختلفةِ التّي سنتعرّضُ لها، حتى يبقى الحديثُ مُتجذِّراً في الحياةِ الواقعيّةِ ومرتبطاً بحياةِ الأشَّخاصِ، ويظل في الوقتِ نفسِه موضوعاً للدراسةِ. فالشَّخص الإنساني هو منظومةٌ حيّةٌ؛ ولذلك يجبُ أنْ يُدرسَ كلُّ بُعدٍ فيه في إطارِ هذا السِّياقِ المنظوميّ. والمنظومةُ مرتبطةٌ بالحياةِ التّي يُدعمها الرُّوحُ القدسُ مُعطي الحياةِ؛ وتُعتبرُ خاصيةٌ مُميِّزةٌ للروحِ القدسِ أنَّه يجمعُ ويحفظُ في شركةٍ واحدةٍ عدةَ حقائقٍ مختلفةٍ. ولكن إنْ تمَّ عرضُ وتقديمُ قضيةِ الإنسانِ على مستوى المفاهيمِ اللغويّةِ فقط، بدلاً مِن الانطلاق مِن الشَّخصِ المُحييّ- الرُّوحِ القدسِ- الذّي يُوحِّدُ الكلَّ معاً، سوف يؤدي بنا الحالُ إلى أحاديثٍ مُنعزلةٍ ومعزولةٍ عن الإنسانِ ذاته، أحاديثٍ غيرِ مُتأصَّلةٍ ولا مُتجذِّرةٍ في الشَّخصِ نفسه، وبالتَّالي غيرِ مُتأصَّلةٍ ولا مُتجذَّرةٍ في الحياةِ.
مِن المهم العناية بالمصطلحات الفنيّةِ المُستخدمةِ، فالاتفاق اليومَ على أنَّه يُستحسنُ عدمُ استخدامِ المُصطلحِ "الحبِّ الإيروس"؛ ويُستخدمُ غالباً المُصطلحُ "الحبُّ الجنسيّ" على المستوى التَّناسليّ والبيولوجيّ؛ وأمّا عند الحديثِ عن "الحبِّ الزَّوجيّ"، فهناك كثير مِن الأشخاصِ لا يقتنعون ولا يوافقون على هذا المصطلحِ، وذلك إمّا لأنهم ببساطةٍ يساكنون النساءَ ويقيمون معهن عَلاقاتٍ خارج العَلاقةِ الزَّوجيّةِ، وإمّا لأنهم لا يرغبون في الزواج.
"استخراج معنى الأبعاد" خاصيّةٌ إنسانيّةٌ أصيلةٌ
إنَّ البحثَ عن معنى الأشياءِ هو حقيقةٌ إنسانيّةٌ أصيلةٌ؛ فالإنسانُ إذن لا يقوم بإعطاءِ المعنى، إنَّما بالبحثِ عنه. فلا يمكننا أنْ نكونَ نحن الذين نسند المعاني للحقائقِ الإنسانيّةِ؛ فهي، بالطبعِ، مخلوقةٌ مِن لَدُن الله؛ إنَّما واجبَنا هو استخراجُ معاني هذه الحقائقِ. ومِن ناحيةِ أخرى، يحدثُ وبلا مفرٍ أنَّ تُطرحُ علينا هذه المعاني المُعطاةَ مِن خلالِ الآخرين؛ وهذا طبيعيّ لأنَّ الحديثَ هنا هو عن تعبيراتٍ ذاتيّةٍ شخصيّة.
ٍإنَّه مِن السَّهلِ جداً أنْ نقومَ بإخضاعِ الواقعِ لأفكارٍ ولأيديولوجيات[14]، وقد تكونُ أيضاً مُرضيِّةً ومُشبِّعةً، ولكنَّ المُخاطرةَ في ذلك هي أنَّنا سنذهبُ خارجَ الطَّريقِ الصَّحيحِ تماماً؛ إنَّما يدورُ الحديثُ هنا عن البحثِ عن المعني وإيجادِه. يقولُ "إيفانوف"[15]، وهو شاعرٌ ولاهوتيّ روسيّ عظيمٌ، إنَّنا يجبُ أنْ نكونَ مثلَ "القابلةِ" التّي تساعدُ في خروجِ الطفل إلى النورِ بذراعيها. فينبغي علينا أنْ نصل إلى مستوى قدرةِ عالٍية في كشفِ وإظهارِ الواقعِ، حتى تَظهرَ لنا حقيقتُه الدَّاخليّةُ. وحتى عند الاقتراب مِن الشَّخصِ في العملِ الإرساليّ والتَّبشيريّ أيضاً، من المهم أنْ نعتبرَ الإنسانَ نفسه رمزاً يحجبُ بداخلِه معنىً لاهوتيّاً إلهيّاً عميقاً. فالرمزُ، على كلِّ حالٍ، هو حقيقةٌ واقعيّةٌ ينتقلُ إلينا معناها الحقيقيّ، أي المعنى الأبديّ، مِن خلالِ البُعدِ الزَّمنيّ التَّاريخيّ المحسوسِ، وهو جزءٌ مُكَمِّلٌ للواقعِ ذاته. فينبغي أنْ نفهمَ هذا السَّياقِ الذّي يعتبر فيه الإنسانُ رمزاً، أي حقيقةً توحِّدُ بين بُعدٍ أبديّ وآخرَ ملموسٍ جسديّ محدودٍ يشمل حقيقةَ الجنسَ ؛ فهو أيضاً حقيقةٌ رمزيّةٌ.
الرمزُ: في الواقعِ هو رداءٍ كونيّ تاريخيّ يَكشفُ وينقلُ المحتوى الحقيقيّ للواقعِ بفضلِ ارتباطه السَّرمديّ مع العالمِ الأبديّ الإلهيّ.
الجنسُ : المُصطلحَ الأولَ الذّي سيتمُّ استخدمُه هنا هو "الجنسُ"، وأقصدَ به تلك الحقيقةَ التّي بواسطتها تُطبعُ كلُّ شذرةِ مِن الشَّذراتِ الفسيولوجيّةِ والنفسيّةِ والرُّوحيّةِ للشخصِ البشريّ بالخاصيةِ الجنسيّةِ؛ فإنّّ وَحدةَ المنظومةِ البشريّةِ وكلَّ خليةِ مِن خلاياها تحملُ طبيعةَ الجنسِ. ويعني هذا أنَّه لا يمكنُ القولُ بأنَّ كونَ الشَّخصُ ذكراً أو أنثى فيما يتعلّقُ فقط بالناحيةِ الفسيولوجيّةِ، فالجنسُ هو "خاصيةٌ مِن خصائصِ الوجودِ" التّي تميِّزُ الإنسانَ وتطبعُ عليه علاماتهِا. كلُّ التَّعبيراتِ المُستخدمةِ في هذا الموضوعِ، كـ "الحبِّ الزَّوجيّ" و"الحبِّ الجنسيّ" و"الحبِّ الجسديّ"، لن يتمْ استخدامُها بنفسِ معانيها الشائعةِ اليوم؛ ولذلك، وعلى كلِّ حالٍ، أتمنى أنَّه مِن خلالِ استخدامِها تدريجياً يستطيعُ القارئ أنْ يُتابعَ تعميقَ معانيها.
إنَّ الجنسَ هو بُعدٌ غيرُ منعزلٍ عن حقيقةِ الإنسانِ؛ فينبغي أنْ نبحثَ إذن عن معناه في سياقِ حقيقةِ الإنسانِ نفسه. وحيث إنَّ الإنسانَ له جسدٌ، والجسدُ له أعضاءٌ، ينشأ بالتَّالي السؤالُ عن المعنى الذّي يحمله هذا الجسدُ وتلك الأعضاءُ. وللإجابةِ على هذا السؤالِ، لدينا اختياران، إمّا أنْ نسعى إلى البحثِ بعمقٍ عن معناه، أو أنْ نقبلَ ونعترفَ بما هو مُسلَّمٌ به مِن قِبْلٍ كثيرين! إنّني أعتقدُ، مثلاً، أنَّه في المحيطِ الثَّقافيّ المُعاصرِ يمكننا أنْ نجدَ على الأقلِ أربعةَ معانٍ رئيسةٍ مُعطاةٍ لتعريفِ الجنسِ، وهي باختصار كالآتي:
· الجنسُ كشكلٍ مِن أشكالٍ كثيرةٍ للتعبيرِ عن العَلاقةِ قياساً بكثيرِ مِن المظاهرِ الأخرى.
· الجنسُ كتذكارٍ لمقابلةٍ ما: تذكارٍ لأجازةٍ على البحرِ، أو لرحلةٍ ما، أو لعيدِ رأسِ السَّنةِ.
· الجنسُ كميدانٍ للمنافسةِ بين الرَّجلِ والمرأةِ، حيث تُقاسُ مِن خلالِه قُدراتِ الجنسين.
· الجنسُ كتسليةٍ أو كإعجابٍ واستلطافٍ أو كاستمتاع ولذةٍ أو كتعويضٍ لعدمِ الرَّضى، أو كتعبيرٍ نفسيّ تنفيسِاً عن الضِّغوطِ والوِحدةِ القاتلةِ.
هذه هي المعاني الرَّئيسيّةُ المُعطاةُ لتعريفِ الجنسِ؛ فإذا ضغطنا على زرِّ التلفاز، أو قرأنا إحدى الجرائدَ أو المجلاتِ، سيتضحُ لنا أنَّه مِن الصَّعبِ العثورَ على معانٍ أخرى خارج هذه المعاني. وهكذا ينتهي هذا المأزقُ الأخلاقيّ عادةً بأنْ تدخلَ إلى الذِّهنِ، بطريقةٍ خفيّةٍ باطنيّةٍ، عناصرَ مُقلقةً بالنسبةِ للشخصِ الذّي يريدُ أنْ يكتشفَ ويحيا الجنسَ في حقيقتِه الإنسانيّةِ.
معنى الجنسِ في نطاقِ الحقيقةِ الإنسانيّةِ
ذات مرةٍ، في إحدى المُقابلاتِ الصَّحفيّةِ، سألوا "تاركوفسكي" Tarkovski [16] ماذا يعني الفنُّ؟! فقال مُعترضا إنَّه قْبلَ أنْ يُجيبَ على هذا السُّؤالِ، يجب أنْ يتمَّ الاتفاقُ أولاً وقبل كلِّ شيء حول ماهيّة الإنسانُ وما هو معنى حياته؟! ومِن ثَمَّ يُمكننا أنْ نرى ما معنى ومكانةُ الفنِّ بداخلِ هذه القيمةِ العظيمةِ. وينطبقُ هذا الكلامُ بالضبطِ على السُّؤالِ حول الجنسِ، فلا قيمةَ للحديثِ عن الجنسِ إنْ لم يُعرفْ أولاً وقَبل كلِّ شيء: مَن هو الإنسانُ، وأين هو ذاهبٌ وما هي الغايةُ مِن نضوجِه؟ ففي عصرِنا الحاليّ، عصرِ الذَّرةِ، وعصرِ التَّخصصاتِ النوعية، حيث يؤكِّد كلُّ تخصصٍ مِن التَّخصصاتِ حقيقتَه بدون أنْ ينظرَ للكيان الكليّ، ينبغي أنْ يكون لدينا مِن جديدٍ نظرةً شاملةً، قادرةً على أن تجمعِ معاً مِن خلالِ "رؤية شاملة" نتائجِ التَّحاليلِ والتّفاصيلِ ذاتها مما سيجعلها تجد مكانَها الصَّحيحَ، وأيضاً قيمتَها ووزنَها الحقيقيّ في داخلِ التَّناغم والانسجام الكليّ.
من الضَّروريّ رعويّاً، أنْ نتيقظَ كي لا نقعَ في مُنزلقِ ثقافةِ الأغلبيّةِ هذه، أي ألاَّ نمارس مُعالجةِ الأمورِ مُنعزلةً وبطريقةٍ قطاعيّةٍ أي أُحاديةِ الجانبِ؛ فإذا كانتْ الحياةُ نفسها لا تمثّل حقيقةً مُتجزَّئةً، فكم بالأحرى يكون الشَّخصُ البشريّ ذاته؟! وقد يحدثُ أحياناً، وبوعيٍ ونضجٍ كبيرين، أنْ نعزلِ قضيّةٍ ما لفترةٍ مُعينةٍ، ولكن حتى في هذه الحالة يجبُ أنْ نُقدِّرَ دائماً عَلاقاتها بالكليّ الشَّاملِ. وبهذا الشَّكلِ يمكنُ مُساعدةِ الآخر في تعلّم فنِّ الحياةِ، فلا يمكن أبداً عرضُ القضايا مُنعزلةً الواحدة عن الأخرى أو عن الكل.
يُؤسفنا أن نلاحظ في بعض البرامجِ التَّوجيهِية لإعدادِ المُقبلين على الزواج، أن محتوى الدَّوراتِ، يلتزم بتقديمُ الزواج مِن وجهةِ النظرِ الاجتماعيّةِ والنفسيّةِ،ِ ومِن الوجهةِ البيولوجيّةِ الجنسِية، وأخيراً مِن وجهةِ النظرِ الرُّوحيّةِ؛ دون أن يساعدُ هذا على تقديم رؤيةِ شاملة للزواج تُظهر الارتباطِ الكليّ وتساعد على تكوين رؤيةِ شاملة كليّةِ. فيلزمُ مبدئياً أنْ نحدّد مسبقاً رؤيتنا لمَن هو الإنسانُ؟ ومِن ثَمَّ سنصل إلى معرفة ماهية الجنسُ داخلِ هذه الرُّؤيةِ الإنسانيّةِ المُتسعةِ؟ حيث إنَّ جميعَ الانحرافات الجنسيّةِ هي أساساً، انحرافات أَنثروبولوجيّة؛ أو بمعنى آخر، هي تقديرٌ للجنسِ بدون النظرِ إلى حقيقته.
خُلاصةٌ أَنثروبولوجيّةٌ مُوجزةٌ
انطلاقاً مِن اعتبارِ الشَّخصِ منظومةً حيّةً، مِن المُلائمِ في هذه الخُلاصةِ الأَنثروبولوجيّةِ المُختصرةِ أنْ ننطلقَ مِن بعضِ التَّأكيداتِ المُرتبطةِ بحياته الشَّخصِية، في سبيلِ فهمِها لاحقاً مِن خلال المُقاربةِ العلميّةِ، حتى يتسنى لنا الوصولُ إلى معناها اللاّهوتيّ والرُّوحيّ. مِن خلالِ مُلاحظةٍ بسيطةٍ للإنسانِ وللتاريخِ البشريّ أيضاً، يمكننا أنْ نستخلصَ بعضَ السِّماتِ الرَّاسخةِ المُميّزةِ للشخصِ البشريّ؛ وتُعتبرُ هذه السَّماتُ الثَّلاثةُ وصفاً لهويةِ الشَّخصِ البشريّ؛ أو كما يقول آباءُ الكنيسةِ[17] هي بمثابةِ "التَّشخُّصِ" للإنسانِ أي ملءِ كيانِه.ِ وسوف نتحدّثُ هنا عن ثلاثةٍ منها:
1. "قابليّةُ التَّواصلِ والتَّحاورِ"،
2. "القدرةُ على إقامةِ العَلاقاتِ"،
3. "القدرةُ على الإبداعِ".
1. "قابليّةُ التَّواصلِ والتَّحاورِ": إنَّ أبسطَ ما يمكن أنْ يقومَ به الإنسانُ هو "التَّواصل"، فلا يمكنه أنْ يعيش بدونِ ذلك، أي لا يمكنه أنْ يكفَّ عن التَّواصلِ والتَّحاورِ مع مَن وما حولِه؛ حيث توجدُ بداخلِه قوةٌ جوهريّةٌ أصيلةٌ تدفعُه نحو الآخر، ونحو كلِّ ما هو موجود، كي يتَّواصلَ ويتَّحاورَ معهم، ونكاد نجزمَ بأنَّ هذا الشَّخص مريضٌ بقدرِ ما ينقصُ لديه هذا الميلُ،. فإنَّ قابليّةَ التَّواصلِ والتَّحاورِ مع كلِّ مَن وما حولِه هي واحدةٌ مِن المُقوّماتِ العميقةِ للوجودِ الإنسانيّّ. وبحسب علمِ الإنسانِ الكتابيّ الآبائي بمفهومِ الكتابِ المُقدَّسِ وآباءِ الكنيسةِ حول الإنسانِ، قد خُلقَ الإنسانُ بواسطةِ الكلمةِ؛ وهذه الكلمةِ يضعها يوحنا قَبْلَ كلِّ شيء: «في البَدءِ كانَ الكَلِمَةُ» (يو1/1).
وعلى حسبِ شرحِ التَفسيراتِ الحديثةِ المُعاصرةِ، يدورُ الحديثُ هنا عن إلهٍ يتكلّمُ، إلهٍ يتَّحاورُ، إلهٍ يُوحي ويتواصلُ؛ وذلك لأنَّه بالضبطِ إلهُ الكلمةِ؛ بل بالأحرى، الكلمةَ المتَّجسِّدَ هو ذاته الله؛ هذا ويرى بعضُ آباءِ الكنيسةِ خَلْقَ الإنسانِ بمثابة كلمةٍ مُوجِّهةٍ مِن الله للإنسانِ. فالإنسانُ يصير ولا يزال في صيرورةٍ، لأنَّ الله وجَّه إليه الكلمةَ. فعندما نقولُ إذن "الإنسانَ" لا نقصر ذلك على الإنسانَ فقط، بل معه ذاك الذّي لا يزالُ يوجّهُ إليه الكلمةَ "أي الله"، ذاك الذّي يجعله يصير. إنَّ رؤيةَ الإنسانِ تعني رؤيةَ الاثنينِ معاً: الإنسانَ والله؛ فالإنسانُ يشير إلى حقيقةٍ إلهيّةٍ وإنسانيّةٍ، فهو يتَّميَّزُ بطبيعتِه بخاصيةِ الحوارِ.
2. "القدرةُ على إقامةِ العَلاقاتِ": إنَّ القدرةَ على إقامةِ العَلاقاتِ في حياةِ الشَّخصِ هي بُعد لا يقدر الإنسان أنْ يحيا بدونه. وهو يحيا العَلاقةَ مِن خلالِ عددٍ لا نهائيّ مِن العَلاقاتِ؛ وحتى أصعب آلامه وأفظعها يختبرها بالذَّاتِ داخل العَلاقاتِ، سواء مع نفسه أو مع العالمِ أو مع الآخرين أو حتى مع الله. عندما خَلَق الله الإنسانَ بواسطةِ الكلمةِ جعله شريكاً له في حقيقته الشَّخصيّةِ العميقةِ أي في الحبِّ. إنَّ إلهنا هو ثلاثةُ أقانيمٍ الآب والابن والرُّوح القدس، أحرارٍ ولكنهم مُتحدون تماماً مع بعضهم: فهو إلهٌ واحدٌ ثالوثٌ. لذلك يؤكد القديسُ غريغوريوس النيصيّ[18] أنَّ طبيعةَ إلهنا هي الحبُّ؛ وأنَّه إنْ كانْ الإنسانُ قد خُلِق على صورةِ الله بواسطةِ الكلمةِ، فيعني هذا أنَّه قد خُلِق على صورةِ الحبِّ. فالبُعدُ الحِواريّ في العَلاقة ليس شيئاً ثانوياً في حياةِ الإنسانِ؛ فهو محفورٌ ومنقوشٌ في عمقِ أعماقِ حقيقته الأساسيّةِ. إنَّ الحبَّ الذّي نشترك فيه بالخَلْقِ نفسه، والذّي يجعله الرُّوحُ القدسُ فعالاً ونشيطاً في قلبِ كلِّ مُعمَّدٍ، هو حبُّ الله الآبِ، وهو ذاته مبدأُ الوَحدةِ والحريّةِ. ففي الواقعِ، عندما نفكّر في الحبِّ، نفكّر في حقيقةٍ عَلاقةٍ ديناميكيّةٍ ، فهو كذراعٍ كونيّ جامعٍ يوحِّد ما هو موجودٌ.
إنَّ الحبَّ هو الوجودُ الأعظمُ؛ فهو لا يستبعد شيئاً بل يحتوى الكلَّ. وفي الوقتِ ذاته يجعلنا ضعفاء، متضعين، وكأنَّنا غائبون؛ فهو يحتضن ويعانق بدون أنْ يُقيِّدَ، ويوحِّد بدون أنْ يجبرَ. الحبُّ يُحبّ، ويمكن ألا يجاوب المحبوبَ بنفسِ القدرِ من الحب، ومع ذلك فهو لا يحطِّم ذلك الحبَّ؛ لأنَّ الحبَّ يحتوي أساساً على الحريّةِ؛ فهو اعترافٌ جذريٌّ بالآخر، يترك الآخرَ حراً، حتى في رفضه للحبِّ ذاته.
إنَّ الحبَّ هو النواةُ الأساسيّةُ والجوهريّةُ المُكوِّنةُ للإنسان. وهناك صلةٌ حقيقيّةٌ قويّةٌ راسخةٌ بين الله والإنسانِ ولكنها في نفسِ الوقتِ صلةٌ حرّةٌ؛ فبين الله والإنسانِ يوجد حبُّ الله نفسه وبينهما صلةٌ حميمةٌ حقيقيّةٌ، وحريةٌ حقيقيّةٌ. فإنَّ القدرةِ على إقامةِ العَلاقةِ، سواء مع كلِّ ما هو عليه كإنسانٍ أو مع العالم الخارجيّ، هو بالضبط هذا المبدأُ الأغابي، مبدأُ المحبّة.
إنَّ الإنسانَ يستطيع فهمَ ذاته، في كلِّ وَحدته الكليّةِ الشاملةِ، بفضلِ الحبِّ فقط الذّي يحتضن الكلَّ؛ لكن هذا الحبَّ لا يصنع منه قالباً أحادي الزوايا، لأنَّه يخلق دائماً في مثلِ هذا الاحتضانِ مساحةً للحريةِ، أي لإظهارِ وتأكيدِ الاختلاف. والحبُّ هو الذّي يخلق في العَلاقةِ نفسها وثبةَ الاندفاع نحو احتضانِ العالمِ والآخرين. وحتى الإيمانُ بالله هو ثمرةُ الحبِّ في الإنسانِ، لأنَّه فقط بفضلِ حبِّ الخالق للإنسانُ، يستطيع الإنسانُ أنْ يحوِّلَ نظره عن نفسه وأن يتجه بوعيٍ نحو الله والآخرين.
3. القدرةُ على الإبداع: إنَّ القدرةِ على الإبداعِ هي نوعٌ مِن الفيضِ عن نواةِ الحبِّ التي يحملها الإنسانُ داخله؛ فهذه النواةُ، كمبدأٍ "أغابيّ" فعَّال، تسعى لأنْ تحتضنَ وتلخّصَ وتطبعَ وتضفي سمةً شخصيّةً على الكلِّ: على الطبيعةِ الإنسانيّةِ، الخلقِ، الآخرين...الخ. إنَّ كمالَ الإنسانِ ونضوجَه يتمثّلان في وجود قوة مُتواصلٌة على الحبِّ تسيطر على الإنسانُ؛ وتمثّل تلك القوة اختراقاً من الحبِّ للعقلِ والمشاعرِ، والإرادةِ، والجسدِ بكلِّ مظاهره، وحتى للعملِ ولتحركاتِ الإنسانِ بمجملها...الخ.
إنَّ مبدأَ الحبِّ هو الذّي ينقلنا مِن مجردِ أفرادٍ إلى أشخاصٍ فريدين؛ فيتحول "الفردَ"، من كونه خاصيةٍ كَميّة، ويصبح "الشَّخصَ"، الذّي هو خاصيةٌ نوعيّةٌ؛ أي أنْ الشَّخصَ يتمتع بهذا البُعدِ الفريدِ مِن نوعه "بُعدِ الحبِّ"، وغير القابلِ للالتباسِ ولا للتغييرِ والتبديلِ،. يمكن تعويضَ كلُّ الأمورِ إلا الحبَّ. والطبيعةُ الإنسانيّةُ هي واحدةٌ فقط والفردُ يشارك فيها؛ لكن الحبَّ هو الذّي يعطي لها طابعاً شَّخصيّاً في إنسانٍ فريدٍ غيرِ قابلٍ للتكرارِ، حيث يُعطيها طابعاً خاصاً كعَلاقة وكذا كلّ ما يقوم به الإنسانُ وكلّ ما هو عليه؛ فتأخذ الحياةُ والأشياءُ والعملُ طابعاً خاصاً بواسطةِ النورِ الذّي يتحقَّق واقعياً في العَلاقاتِ. ينفذ مبدأُ الحبِّ الأغابي بداخلِ الإنسانِ مثلَ نورٍ خاصٍ يُضيء كلَّ ما يحويه الشَّخصُ في عَلاقاته؛ فربما تظل الأمورُ كما هي، إنَّما يطبعها نورُ العَلاقة الذّي يصبغ الشَّخصُ بلونٍ فريدٍ غيرِ قابلِ للتكرارِ. إنَّ الحبَّ هو تلك الطاقةُ القائمةُ بين الشَّخصِ والآخر، الذّي يمكن أنْ يشمل كلَّ ما هو موجودٍ وكلَّ ما يعمله الشَّخصُ؛ فأيٌ عملٍ يمكن أنْ يتمَّ إنجازه مِن قِبل شخصٍ آخر، وإنَّما لا يمكن الاستغناءُ هذا النورَ وهذه الطاقةَ اللتين امتلكتا الشَّخصَ عند القيامِ بهذا العملِ، وهذا الطابعَ الخاصَ الشَّخصيّ الذّي أعطاه له. إنَّ الحبَّ في واقعِ الأمرِ هو الحقيقةُ الوحيدةُ التّي تضفي سّمة شَّخصيّة على كلِّ شيء. وكلَّ ما يتشبّع ويتشرّب مِن الحبِّ، سيكون مُحتجباً في الأبديّةِ مِن خلالِ مبدأ الحبِّ ذاته، لأنَّ الحبَّ خالدٌ سرمديٌ. وهذا المبدأ بالضبطِ هو الذّي يتيح لنا أنْ نفهمَ "عقيدةَ قيامةِ الأجسادِ"[19] انطلاقاً مِن العَلاقةِ بين الزَّوجين. فبواسطةِ الحبِّ الزَّوجيّ، وبقوةِ السِّرِّ المُقدَّسِ، يضع الشَّخصُ جسدَه في الحبِّ مائتاً عن الأنانيّةِ والخطيئةِ؛ وبذلك يتحوَّل جسدُه إلى "جسدٍ روحانيّ".
ومِن خلالِ روحانيّةِ هذا الجسدِ يتمُّ إعطاء معنىً روحيّاً لكلِّ الأمورِ وتتم كلِّ الأنشطة التّي تقوم بها الأجسادُ بفضلِ الحبِّ، وفي خدمةِ المحبةِ. الإنسانُ هو وَحدةٌ بين الرُّوحِ والنفسِ والجسدِ، وهذه الوَحدةُ مخلوقةٌ ومُدعَّمةٌ بحبِ الله؛ ولذلك فإنَّ أيُّ فصلٍ أو تقليلٍ مِن أهميةِ بُعدٍ مِن هذه الأبعادِ الثلاثة يؤدي إلى مفاهيم مغلوطةٍ ومُزيفةٍ عن الإنسانِ نفسه. ففي أيٍّ مِن هذه الأبعادِ يُوجد معنى الإنسانِ الكاملُ: أي الحبُّ، والقدرةُ على التَّحاورِ والقدرةُ على الاتصالِ، والقدرةُ على التَّفكيرِ بشموليّةٍ. إنَّ إعطاءَ أيِّاً مِن الأبعادِ الإنسانية المذكورة معنى يتعدى حقيقةَ الحبِّ والتَّكاملِ، يعني إنكاراً لحقيقةِ الإنسانِ؛ ففي أيِّ جانبٍ مِن جوانبِ الإنسانِ، يوجد المعنى الكليّ للإنسان، وتظهر فيه أيضاً الصلةُ بين أبعادهٍ المختلفةٍ مُتحدةً كالشَّرايين في مُنظومةٍ حيّةٍ.
كلُّ ما هو إنسانيّ يجدُ معناه في نطاقِ الحبِّ
في بعضِ التَّفسيراتِ الكتابيَّةِ، يُشرح نصُّ (تك 5/2) بهذه الطَّريقةِ: عندما خَلَق الله الإنسانَ، صنعه على صورته ومثاله، ذكراً وأُنثى خلقهما وباركهما ودعاهما "آدم" أي إنساناً (وفي بعضِ التَّرجماتِ المُشتركةِ يُكتب عادةً "دعاهم بشراً أو أُناساً"). فلا يمكن تحديدُ الإنسانِ وتعريفه إذن إلا على أساسِ قدرته على العلاقَةِ، أي قدرته على إقامةِ عَلاقاتٍ: ويُقصد بهذه الكلماتُ العَلاقاتِ القائمةِ بين الله الذّي ينطق بالكلمةِ الخالقةِ والإنسانِ الذّي على وشك أنْ يخرجَ مِن العدمِ واللاشيء؛ ولكن مِن ناحيةٍ أخرى، يُقصد بها أيضاً أنَّ الخليقةَ التّي على وشك الخروجِ مِن اللاشيء لا