روحانية الحب الزوجي - ماركو إيفان روبنيك

المحرر موضوع: روحانية الحب الزوجي - ماركو إيفان روبنيك  (زيارة 2067 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل العراقي2009

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 496
    • مشاهدة الملف الشخصي

روحانية الحب الزوجي - ماركو إيفان روبنيك

عن موقع الحبل بلا دنس

روحانيّة الحب الزوجيّ

سلسلة ثقافة الشباب الكاثوليكي (15)

 

ماركو إيفان روبنيك           

 

 

روحانيّة الحب الزوجيّ

 

 

ترجمة

الإكليريكي/ أشرف ناجح إبراهيم

 

 

إهداءٌ

إلى كليةِ العلومِ الإنسانيّةِ واللاهوتيّةِ بالمعادي،

مَن هي قلبُ طائفةِ الأقباطِ الكاثوليكِ.

إلى "مركزِ القديسِ يوسفَ"، "مركزِ إعدادِ المُقبلين على الزواج"، مَن يساعدُ الشَّبابَ ويُعدُّهم إلى زواجٍ ناجحٍ يُمجِّدُ الله ويخدمُ الكنيسةَ.

إلى الأختِ بينا دي أنجليس مديرةٍ الدراسات بمعهدِ السكاكيني بغمرة، مَن علمتني الدِّروسَ الأولى في اللغةِ الإيطاليّةِ.

إلى أبي وأمي العزيزين، مَن عاشا ولا يزالا يعيشان بعمق وبساطة ما يحتوي عليه هذا الكتابُ.

إلى كلِّ هؤلاء أُهدي هذه التَّرجمةِ.

 

مُقدِّمةُ الناشر

اعتادنا في إصدارات سلسلة "ثقافة الشباب الكاثوليكي" أن نقدّم ما هو جديد في مجال الفكر والإبداع، وها نحن اليوم نقدم إسهاماً جديداً يغطي مساحة هامة من اهتمام الكنيسة في المجال الرعوي والدولة في مجال الأسرة والكثير من الشباب لا سيما المقبلون منهم على بناء عش الزوجية والدخول إلى عالم الزواج والأسرة. ذلك العالم الحافل بكل ما هو مشوق وجميل، ذلك العالم الجديد الذي ينضو كل شخص على أبوابه ثياب الأنانية والنرجسية والانفرادية ليرتدي عقلية جديدة تحتاج إلى كثير من المعرفة والحكمة والفهم.

قد يبدو هذا العالم المجهول مشوقاً، مثيراً لحب الاستطلاع عند البعض، مخيفاً ومرعباً لآخرين مرغوباً ومحبوباً وردياً ومفروشاً بالأحلام السعيدة والإشباع الكامل والتحقيق المطلق لكل أحلام الشباب عند البعض، بينما هو قفص من ذهب أو سجن اختياري مكبّل للحرية ومثقل بالمسئوليات الجسام للبعض الآخر. لكن في كل حال ومنذ فجر الإنسانية ووجود الإنسان على الأرض ظلت الأسرة وإلى يومنا هذا ذلك الحصن المنيع الذي يزود البشرية بكل أبناءها من علماء وفلاسفة وعباقرة ومفكرين وقادة وجنود و...إلخ ولا نستطيع تصور حياة الإنسان بدون الأسرة. فهي الخلية الأولى للمجتمع ولا غنى عنها لتكوين المجتمع السليم... ولقد واجهت هذه الخلية وتواجه الكثير من المشاكل والتحديات ولكنها انتصرت عليها جميعاً. ولقد كان للكنيسة منذ نشأتها على الأرض اهتماماً خاصاً بالأسرة فلقد اختار السيد المسيح مؤسس الكنيسة أن يولد في أسرة فقيرة بسيطة لكنها مترابطة، قليلة الإمكانات لكنها مكتفية في كل شيء. وعاش في بلدة صغيرة وسط عائلة وأسرة، وكانت أول معجزاته لإسعاد الأسرة في عرس قانا الجليل، وعندما أراد أن يقدّم تشريعاً جديداً صحّح مفهوم اليهود عن الأسرة والطلاق والزواج. وعندما تحدّث كان واضحاً دقيقاً محدداً دافع عن وحدة الأسرة وشرعيتها واستقرارها... دافع عن المرأة ودافع عن الرجل وحمى حقوق الطفل بالحب والقبول والرعاية. نادى بالمحبة والمساواة وعاش إلى اللحظة الأخيرة محباً محترماً لهذه البنية الدقيقة حتى أنه سلّم أمه على الصليب إلى تلميذه الحبيب يوحنا لتعيش في أسرة.

ظلت الكنيسة في ممارستها وطقوسها وتعليمها أمينة على تلك الوديعة وكانت مساهمات قداسة البابا الراحل يوحنا بولس الثاني المتعدّدة والمستمرة دائماً في صالح الأسرة بجميع أفرادها ولقد التقط فناننا المبدع وكاتب هذا الكتاب الأب اليسوعي روبنك هذا الخيط الدقيق وطوّره بطريقة تتناسب مع الفكر اللاهوتي الحديث وتقاليدنا الشرقية الأصلية.

مُقدِّمةُ المترجم

يقولون: "إنَّ كل مترجم خائن"؛ وهي مقولةٌ تُستعمل للإشارةُ إلى أنَّه مهما بذل المُترجمُ مِن جهد فلن يصل أبداً إلى صياغة ما يُترجمه في معناه الكاملِ. ولا نخفي ولا يمكننا أنْ نخفي ما وجدناه مِن صعوبةٍ في السَّعيّ إلى تقديم ترجمةٍ أمينةٍ لهذا الكتابِ وفي نفس الوقتِ سهلةٍ وفي متناولِ الجميعِ.

أمَّا بالنسبةِ لموضوعِ الكتابِ وهو "روحانيّةُ الحبِّ الزَّوجيّ"، فإنه بالحقيقةِ موضوعٌ حيويّ ومُعاصر؛ ونحن في أشدِ الحاجةِ إلى إعادة طرحه والتعمق في أبعاده المُتعددةِ والغنيّةِ. فلا يخفي على أحد ما يواجهه "الزَّواجُ"  الآن مِن تَحدِّياتٍ وعَقَّباتٍ مِن كلِّ جانبٍ باتتْ تهدد هذه المؤسسة بالانهيار؛ فيكفي أنْ ننظرَ حولنا، حتى يتضح لنا كم نحن في أمسّ الحاجةِ إلى مَن يُحدِّثنا مِن جديدٍ، ويطرح الموضوع بطريقةٍ جديدةٍ، تختلف عن الأفكار والمفاهيم الخاطئةِ التّي تبثها فينا البيئةُ والثَّقافة المُناهضة لقيمة "سرِّ الزَّواجِ المُقدَّسِ".

ولا يخفى على أحد أننا في عصرٍ غاب عن أبناءه أنَّ الله عندما خلق الإنسانَ خلقه ذكراً وأنثى، وأنَّه خلقهما معاً ليكتشفا مِن خلال حبِّهما المُتبادلِ أنَّ «الله محبةٌ» (1يو4: 8)[1]. ويؤسفنا حقاً ما آل إليه حالُ "سرِّ الزَّواج"! فكم أصبح سهلاً ومُتاحاً استبدالُ شريعةِ الزَّوجةِ الواحدةِ الدَّائمةِ- التّي هي شريعة إلهيّة- بشرائع أخرى لا تتفق بل تتعارض مع المبدأ الذي علَّمه السَّيدُ المسيح: «لذلك يترك الرَّجلُ أباه وأُمه ويلزم امرأته ويصير الاثنان جسداً واحداً. فلا يكونان اثنين بعد ذلك، بل جسدٌ واحد. فما جمعه الله فلا يُفرَّقَّنه الإنسان» (مت 19/ 5- 6).

كما أصبحتْ حقيقةُ الحبِّ مجردَ كلمةٍ يفسدها سوء الاستعمال.

 كم مِن شبابٍ هجروا "فكرةَ الزَّاوجِ"- على حدِّ تعبيرهم- وفضّلوا الاستمتاعَ الزَّائفَ مرة ومرات بلقاءاتٍ جنسيّةٍ عابرةٍ؟!

كم مِن بيوتٍ أوشكتْ أنْ تُهدم بسببِ عدمِ اتفاقِ الزَّوجِ والزَّوجةِ معاً أو بسبب الخياناتِ الزَّوجيّةِ المُحزنةِ؟!

تُرى ما ذنبُ أولادنا في ذلك؟!! إنَّ هذا الكتابَ الصَّغيرَ هو بمثابةِ تَذْكرِة بما الحبُّ الزَّوجيّ وكيف يُعاش اليومَ، برغمِ الصُّعوباتِ؟ وإنَّه لتَذْكرة أيضاً بقُدسيّةِ سرِّ الزَّواجِ ومعناه الأسراريّ.

هذا الكتابِ من تأليف كاتبين هما: السلوفينيّ ماركو إيفان روبنيك، والرُّوسيّ سرجي سرجفيك أفيرنشق، حيث يحتوى الكتاب في طبعته الإيطاليّةِ على جزئين، قام كلٌّ منهما بتأليفِ جزء منه؛ وقد قمنا بترجمةِ الجزءِ الأولِ فقط، لأنه يتناسب أكثر مع ثقافتنا الشَّرقيّةِ، كما يميل إلى الجانب العمليّ التطبيقي. وفي هذا الجزءِ يقوم المؤلفُ "روبنيك" باستعراض بعضِ أحاديثِ البابا يوحنا بولس الثَّاني[2] كمُقدمةٍ لتأمله؛ وقد يجد، القارئ، صعوبةً في متابعتها، ولكن ندعوك لأنْ تستكملَ قراءةَ الكتابِ لأنَّ أسلوبه بسيطٌ وشيقٌ. 

مع شعورنا التَّامِ بالعرفانِ بالجميلِ، نتقدَّم بالشُّكرِ إلى كلِّ مَن ساعد في إتمامِ هذا العملِ وإخراجه إلى النورِ؛ ونخصُّ بالذِّكرِ مركز "آليَّتي" Aletti المتخصِّص في الدِّراساتِ الثَّقافيّةِ- الإيمانيّةِ حول التَّقليدِ الشَّرقيّ والغربيّ، الذّي دعمَّ هذا العمل ماديّاً؛ كما نشكر أيضاً كليةَ العلومِ الإنسانيّةِ واللاّهوتيّةِ بالمعادي ومديرها الأب/ بولس جرس، التّي تقوم بطبعِ هذا الكتابِ ونشره؛ ونشكر أيضاً الآباء الذين قاموا بمراجعةِ التَّرجمةِ لغوياً؛ وأخيراً نشكر القرّاء، الذين اختاروا هذا الكتاب للقراءة.

 

مُقدِّمةُ المُؤلفِ

نُورد كمقدمة لكتابنا فقراتٍ مُختارةً ومُختصرةً مِن تعليمِ البابا يوحنا بولس الثاني، يتحدَّث فيها عن الحبِّ الإنسانيّ، كما ورد في التَّعليمِ المسيحيّ الذي كان يقدمه قداسته يومِ الأربعاء من كل أسبوع[3]. وهو يظهر أقصى عمقٌ لاهوتيّ وأنثروبولوجيّ إنسانيّ[4] ورعويّ، على ضوءه نضع أساسَ تأملنا. ولقد أُخذتْ هذه النصوصِ مِن كتاب "رجلٌ وامرأةٌ خلقهما" الذّي أصدرته دارُ النشرِ Città Nuova/ Libreria Editrice Vaticana، في عام 1992بروما، في طبعته الثَّالثةِ؛ وقد وردت هذه النصوصُ بالتَّحديدِ تحت عنوانِ: "تعليمٌ كنسيّ عن الحبِّ الزَّوجيّ". وسنقوم الآن بعرضٍ بعضِ هذه النصوصِ مع أرقامِ الصَّفحاتِ التّي وردت بها.

«كمالُ الحياةِ المسيحيّةِ يُقاس بمقياسِ المحبّةِ». (ص. 309)

 

المضمون

معنى الأُنوثةِ والذُّكورةِ في الخلقِ

«يصبح الإنسانَ أكثر قرباً إلى صورةَ الله لا في وقتِ وِحدته، إنَّما في لحظةِ الشَّركةِ. فهو، في الواقعِ، "منذ البدءِ" لم يكن مجردَ صورةٍ تعكس فقط وِحدةَ شخصٍ "إلهٍ" يُدبِّر العالمَ؛ إنَّما أيضاً وبشكلٍ أساسيّ، هو صورةٌ لشركةٍ إلهيّةٍ خفيّةٍ بين الأشخاصِ "الأقانيمِ الثَّلاثةِ". وبهذا الشَّكلِ، فإنَّ الرِّوايةَ الثَّانيّةَ لخلقِ الإنسانِ[5]، يمكنها أيضاً أنْ تساعدَ في فهمِ التَّصوّرِ الثَّالوثيّ لتعبيرِ "صورةِ الله"، حتى وإنْ كان هذا الأمرُ يظهر فقط في الرِّوايةِ الأولى[6].

ولهذا الطرح معناه العميق في ما يخص لاهوتَ الجسدِ أي الفكرَ اللاهوتيّ حول الجسدِ؛ فهو يضع الأساس للجانبَ اللاهوتيّ العميقَ عما يُمكن أنْ يُقالَ عن الإنسانِ. وعلى أساسِ "الوِحدةِ" الأصيلةِ والأساسيّةِ لوجود الإنسان فقد زوده الله في سر الخلق بوَحدةِ عميقةِ بين كلِّ ما هو رجولة وأنوثة والذّي يظهر مِن خلالِ إنسانيته وجسده، وعلى ضوءِ التَّحليلِ السَّابقِ "للجسد بصورتيه: ذكر وأنثىِ"، قام قداسة البابا يوحنا بولس الثاني بتحليلٍ للفصلِ الثَّانيّ مِن سفرِ التَّكوين، وقدم تعريفاً مِن خلالِ مستخدم المصطلح "حيوانات"، لذلك فإنَّ تعبيرَ "لحمٌ مِن لحمي" يكتسب بالتَّحديدِ المعنى التَّالي: الجسدُ الذي يُظهر الإنسانَ. إنَّ هذه الصيغةَ البليغةَ تحتوي بداخلها على كلِّ ما يُمثِّل بُنيّةَ الجسدِ العضويّة وقدرته على الحياةِ وأعضائه الجنسيّةَ الخاصةَ...إلخ؛ وهو الأمرُ الذّي لا يمكن أنْ تقوله لنا أبداً العلومُ الإنسانيّةُ. ففي هذا التَّعبيرِ الأول الذّي ينطق به الإنسانُ الرَّجلُ: "لحمٌ مِن لحمي"[7]، هناك إشارةٌ ضمنيّةٌ إلى كلِّ ما يجعل هذا الجسدَ إنسانيّاً بشكلٍ جذريّ، وبالتَّالي فهو يشير إلي كلِّ ما يصف ويحدِّد الإنسانَ كشخصٍ، أيّ ككائنٍ "شبيهٍ" بالله في كلِّ هيئته الجسديّةِ، فهو"صورةُ الله"».(ص59-60)

«ها هو جسدٌ يُعبِّر عن "الشَّخصِ"! ومِن خلالِ عمقِ هذه الوِحدةِ الأصيلةِ، يتجلَّى الإنسانُ في بُعد العطاءِ المُتبادلِ الذّي يجد تعبيره في الجسدِ البشريّ بحقيقته كذَّكر وأنثى- ولذلك فهو تعبيرٌ عن وجوده كشخصٍ. فالجسدُ يُبين ما هي أُنثى "مِن أجلِ" ما هو ذكر، والعكس صحيح ما هو ذكر "مِن أجلِ" ما هو أُنثى، كما أن التَّبادلَ والشَّركةَ بين الأشخاصِ يتمُّ التَّعبيرُ عنهما مِن خلالِ الجسد، الذّي هو بدوره خاصيّةٌ أساسيّةٌ للوجودِ الشَّخصيّ، فالجسدُ هو شاهدٌ للخلقِ كعطيّةٌ أساسيّةٌ، وبالتَّالي هو شاهدٌ أيضاً للحبِّ بأنَّه نبعٌ يُولد منه هذا العطاءُ ذاته.

الرجولة والأُنوثةَ هما إذن علامةُ أصيلةُ لعطاءٍ خلاقٍ ولوعيٍ عميقٍ وعطاءٍ مُعاشٍ بشكلٍ أصيلٍ مِن قِبَلْ الإنسانِ، ذكراً كان أم أُنثى،. وهذا هو بالتَّحديدِ المعنى الذّي يُدخل الجنسُ في لاهوتِ الجسدِ». (ص.75)

«يظهر الإنسانُ في العالمِ المحسوسِ كأرقى تعبيرٍ عن الهبةِ الإلهيّةِ، لأنَّه يحمل في ذاته البُعدَ الدَّاخليّ للعطاءِ؛ وينقل مِن خلال جسده كينونته الخاصةَ الشَّبيهةَ بالله إلى العالمِ وبفضل هذه الكينونة أيضاً يسمو ويتحكَّم في وجوده في العالمِ "المرئيّ" بل وفي هيئته الجسديّة أيضاً، كرجل أو أنثى. والشَّبهِ القائمِ بين الإنسانِ والله في الوعي الأوليّ للمعني الزَّوجيّ للجسدِ يحكي سرِّ البراءةِ الأصليّةِ. وهكذا يتأسسُ السِّرِّ الأساسيّ الأصليّ الذي هو سرِّ الزواج على أساس هذا البُعدِ "التشبُّهِ بالله" كعلامةٍ تنقل إلى العالمِ المنظورِ السِّرَّ غير المنظورِ والمُحتجبُ في الله مُنذ الأزلِ. وهذا هو سرُّ الحقيقةِ وسرُّ الحبِّ، أي سرُّ الحياةِ الإلهيّةِ، التّي يشارك فيها الإنسانُ واقعيّاً. إنَّ البراءةَ الأصليّةَ، المُرتبطةَ باختبارِ معنى الجسدِ في نطاقِ الزواج، هي القداسةُ نفسها التّي تسمح للإنسانِ بأنْ يفصحَ عن نفسه بعمقٍ مِن خلالِ جسده الخاصِ؛ ويحدث كلُّ هذا، بالطبع، مِن خلالِ  "العطاءِ الصَّادقِ". فإنَّ الوعي بالعطاءِ يشترط، في هذه الحالةِ، "تقدّيسَ الجسدِ": فيشعر الإنسانُ بأنَّ جسده في صورته الذَّكريّةِ أو الأُنثويّةِ هو موضوعٌ للقداسةِ». (ص. 91)

توابعُ الخطيئةِ

« تشهد هذه الكلماتُ: "سمعت صوتك فخفتُ لأنَّي عريانٌ فاختبأتُ" عن تغييرٍ جذريّ في العَلاقةِ. فهنا يفقد الإنسانُ، بشكلٍ ما، اليقينَ الأصليّ لـ"صورةِ الله"، والمُعبَّرِ عنها في جسده "..." "فخفتُ لأنَّي عريانٌ فاختبأتُ" هي كلماتٌ تؤكِّد سقوطَ هذا القَبولِ الأصيلِ للجسدِ كعلامةٍ للشخصِ في العالمِ المحسوسِ؛ ويظهر مِن خلالها أيضاً تزعزعٌ في قَبولِ العالمِ الماديّ في عَلاقته بالإنسانِ». (ص. 127)

« إنَّ الشَّهوةَ بصفةٍ عامةٍ- وشهوةَ الجسدِ بصفةٍ خاصةٍ- تُصيب هذه "العطيةَ المُخلِصةَ": وتحرم الإنسانَ مِن كرامةِ العطيّةِ المُعبَّرِ عنها بواسطةِ جسدِه، مِن خلالِ الرجل والأنثى؛ فالشَّهوةُ تجعل الإنسانَ "يفقد كرامته الشَّخصيّةَ"، صانعةً منه موضوعاً "مِن أجلِ التلذّذ بالآخرَ"». (ص. 143)

« وهكذا يتشوّه ذاك العطاء المُتبادلُ "مِن أجلِ" إذّ يفقد طابعَ حياةِ الشَّركةِ بين الأشخاصِ بسببِ الاستعمالِ المنفعيّ». (ص. 180)

دعوةٌ إلى الخلاصِ

« يجب أنْ يشعرَ الإنسانُ بأنَّه مدعوٌ لأنْ يُعيدَ اكتشافَ، أو بالأحرى، لأنْ يحققَ المعنى الزَّوجيّ للجسدِ، ولأنْ يُعبِّرَ بهذه الطَّريقةِ عن الحريّةِ الدَّاخليّةِ للعطيّةِ، أيّ عن تلك الحالةِ وتلك القوةِ الرُّوحيتين اللتين تنشأن نتيجةً للتحكُّمِ في شهوةِ الجسدِ». (ص. 192)

«إنْ كانتْ قوى الشَّهوةِ تحاول أنْ تفصلَ "لغةَ الجسدِ" عن حقيقته، أي تزورَ معناه؛ فعلى العكسِ مِن ذلك، فإنَّ قوةَ الحبِّ تُنشِّط باستمرارٍ معنى هذه الحقيقةِ مِن جديدٍ، حتى يتمكَّن سرُّ افتداء الجسدِ مِن أنْ يُنتجَ ثمراً في هذه الحقيقةِ». (ص. 478)

« تشهد كلماتُ السيد المسيح بأنَّ القوةَ الأصليّةَ لسرِّ الخَلقِ (وبالتَّالي أيضاً النعمةَ) تُصبح بالنسبةِ لكلِّ واحدٍ منهما أي الزَّوجين في قوةَ سرِّ الفداءِ. ألا يشعر الإنسانُ المنغمسُ في الشَّهواتِ باحتياجٍ عميقٍ لأنْ يصونَ كرامةَ العَلاقاتِ المُتبادلةِ المُعبَّرَ عنها في الجسدِ، بفضلِ رُجولته وأُنوثته؟ أو ألا يشعر فعلاً بالحاجةِ إلى تجذير هذه العَلاقاتِ وتعميقها في كلِّ ما هو نبيلٌ وجميلٌ؟ أو ألا يشعر حقاً بالحاجةِ إلى أنْ يسندَ إليها القيمةَ القُصوى، أي الحبَّ؟

فليس مِن المهمِ أن يشعر الإنسانُ  في "قلبهِ" بأنَّه ليس مُداناً وليس فريسةً لشهوةِ الجسدِ، وإنَّما عليه أيضاً أنْ يشعرَ في "قلبه" ذاته بأنَّه مدعوٌ بشكلٍ قوي. وبالتَّحديدِ إلى هذه القيمةِ العُظمى، قيمة "الحبِّ" فهو مدعوٌ للوصولِ إلى هذه القيمةِ كشخصٍ بكلِّ حقيقته الإنسانيّة، وبالتَّالي أيضاً بكلِّ حقيقةِ كرجل وأنثى، وبكلِّ حقيقةِ جسده».(ص. 193)

« ينبغي أنْ يجدَ الإنسانُ باستمرارٍ في كلِّ ما هو "إيروس" بمعنى الحبِّ الجسديّ[8] المعنى الزَّوجيّ للجسدِ والكرامةَ والسّموَ الأصلين للعطيةِ؛ فإنَّ هذا هو بالتَّحديدِ واجبُ الرُّوحِ الإنسانيّ، فهو واجبٌ أخلاقيّ، وإنْ لم يتمّْ القيامُ بمثل هذا الواجبِ، فإنَّ إغراءات الحواسِ ذاتها وأهواء الجسدِ يمكنها أنْ تتمحوَّرَ حول الشَّهوةِ المُجردةِ مِن القيمةِ الأخلاقيّة؛ وعندئذٍ لن يختبر الإنسانُ، ذكراً وأُنثى، ذلك الملء الذّي للـ"حبِّ الجسديّ"، الذّي يعني اندفاع الرُّوحِ الإنسانيّ نحو كلِّ ما هو حقيقيٌ وصالحٌ وجميلٌ، والذّي بفضله أيضاً يُصبح كلُّ ما هو "حبُّ جسديّ" حقيقيّاً وصالحاً وجميلاً؛ فلا مفرَّ إذن مِن أنْ تُصبحَ القيم الأخلاقية هي القالبَ الذّي يُشكِّل الحبَّ الجسديّ». (ص. 198)

«وعلى كلِّ حالٍ، فإنَّ المعنى الأصيلَ والأساسيّ لكون الإنسانُ جسداً، ولكونه أيضاً، مِن حيث هو جسدٌ، ذكراً و أُنثى- أي بمعنى "زوج" بالتَّحديدِ- يكمن في الاتحادٍ والعَلاقةٍ الوثيقةٍ مع حقيقةِ خَلقِ الإنسانِ كشخصٍ مدعو إلى الحياةِ في "شركةٍ مع الأشخاصِ"». (ص. 274)

الحبُّ لأجلِ قيامةِ الأجسادِ

«عندما نتحدَّث عن قيامةِ الأجسادِ، أيّ عن قيامةِ الإنسانِ في خاصيته الجسديّةِ الأصيلةِ، نقصد بذلك "الجسدِ الرُّوحانيّ" أي الوعي والحسَ الكاملَ للحواسِ، وانسجامها التَّامَ مع نشاطِ الرُّوحِ؛ الذّي هو الرُّوحُ الإنسانيّةُ في الحقِ والحريّةِ». (ص.285)

«إنَّ الجسدَ المُمجَّدَ، الذّي هو ثمرةٌ إسكاتولوجيةٌ[9] ناجمةٌ عن روحانيته المُؤلهةِ، سوف يُظهر القيمةَ النهائيّةَ لكلِّ ما كان يجب أنْ يكونَ مُنذ البدءِ علامةً مُميزةً للشخصِ المخلوقِ في العالمِ المحسوسِ، ووسيلةً للتواصلِ المُتبادلِ بين الأشخاصِ، وتعبيراً أصيلاً عن الحقيقةِ والحبِّ؛ أي كلَّ ما تقوم عليه الشَّركةِ بين الأشخاصِ عبر الجسدِ. هذا المعنى الخالدُ للجسدِ البشريّ، يقوم عليه وجودُ كلِّ إنسانٍ، وعندما يتثقَّل الشخص بميراثِ الشَّهواتِ، تقع بالضرورةٍ سلسلةً مِن القصورِ والصِّراع والألمِ؛ لكن بقيام الأجساد سوف يَظهر الجسد مِن جديدٍ في بساطةِ وإشراقِ، بحيث سيجد كلَّ واحدٍ مِن المُشاركين في "العالمِ الآخرَ" في جسده المُمجَّدِ مصدراً للعطيّةِ الحرةِ». (ص.275)

«إنَّ "لغةَ الجسدِ" المُعادَ قراءتها في ضوءِ الحقيقةِ تتقدَّم في خطواتٍ مُتوازيّةٍ مع اكتشافِ الحصانةِ الدَّاخليّةِ للشخصِ؛ وفي الوقتِ ذاته، يُظهر هذا الاكتشاف العمقَ الأصيلَ للانتماء المُتبادلِ بين الزَّوجين: أي وعيهما الناشئ والمُتزايدَ بانتمائهما الواحدِ للآخرَ، ووعيهما الناشئ والمُتزايد بأنَّهما متميزان الواحدِ عن الآخرَ». (ص. 422)

«إنَّ حقيقةَ الحبِّ تَظهر مِن خلالِ وعيهما بالانتماء المُتبادلِ، الذّي هو ثمرةٌ للتطلعِ والطُّموحِ والبحثِ المُتبادلِ؛ وفي الوقتِ ذاته، تَظهر حقيقةُ الحبِّ هذه في ضرورةِ الطُّموحِ والتَّطلعِ والبحثِ التّي تنشأ بدورها مِن الخبرةِ المُتبادلِة. فالحبُّ يقتضي مِن كلاهما، أنْ يسموا باستمرارٍ لارتقاءِ سُلْمَ الانتماء، باحثين دائماً عن شكلٍ جديدٍ أكثر نضوجاً لانتماءهما الواحدِ للآخرَ». (ص. 431)

الحبُّ كسرِّ مُقدَّسِ

«يُؤكِّد المسيحُ أنَّ الزَّواجَ هو سرٌّ مُقدَّسٌ مُتعلَّقٌ بوجودِ الإنسانِ في العالمِ المحسوسِ الحاضرِ لا ينتمي إلى الحقيقةِ الإسكاتولوجيّةِ "للعالمِ المُقبلِ"[10]؛ ومع ذلك، فإنَّ الإنسانَ المدعوَ أنْ يشارك في هذا الحدثِ الإسكاتولوجيّ مِن خلالِ قيامةِ الجسدِ، هو ذاته الإنسانُ ، ذكراً و أُنثى، المُرتبطٌ بأصلُ وجوده في العالمِ المحسوسِ الحاضرِ بالزواج كسرٌّ مُقدَّسٌ أساسيّ مُتعلَّقٌ بسرِّ الخلقِ نفسه». (ص.391)

«إنَّ هذا الشكلَ الأصيلَ والأساسيّ للزَّواجِ سوف يتجدد، عندما يتقبّل الزَّوجان زواجهما كسرِّ مُقدَّسٍ مِن أسرارِ الكنيسةِ، مُدركين العمقَ الجديدَ الخاصَ برضى الله ومسرته بالإنسانِ، الأمرَ الذّي تمَّ كشفه وافتتاحه بسرِّ الفداءِ، عندما قيل "أيها الأزواج أحبوا زوجاتكم مثلما أحبَّ المسيحُ الكنيسةَ وجاد بنفسه مِن أجلها ليقدِّسها مُطهِّراً إياها بغسلِ الماءِ وبالكلمةٍ" (أف 5/ 25-26).

يتم تجديدُ تلك الصُّورةِ الأصيلةِ والأساسيّةِ للزَّواجِ كسرٍّ مُقدَّسٍ، عندما يتحد الزَّوجان المسيحيان بخضوع متبادل "خاضعين بعضكم لبعض في مخافةِ المسيح" (أف 5/ 21)- واعين بالعمقِ الأصيلِ لـ"افتداءِ الجسدِ" أته بواسطةِ الزواج والنعمةِ المُصاحبةِ له كسرٍّ مُقدَّسٍ، يخترق الحب ببعديه الأساسيين الروحي والخلاصي إلى حياةِ الزَّوجين وكما ظهر المعنى الزَّوجيّ للجسدِ في بُعديه كذَّكر وأُنثى، لأولِ مرةٍ في سرِّ الخَلقِ، على أساسِ حالةِ البراءةِ الأصليّةِ للإنسانِ، حيث يربطه القدِّيسُ بولس في رسالةِ أفسس بالمعنى الفدائيّ، يتم تأكيده وتوثيقه في سر الزواج المسيحي، ويُصبح بمثابةِ "خلقٍ جديدٍ"». (ص. 394)

الحبُّ الزَّوجيّ ليتورجي[11]

«يجب أنْ يكونَ الزَّوجان في لحظةِ زواجهما الواحدِ بالآخرَ، كزوجٍ وزوجةٍ، "جسداً واحداً"؛ وعليهما أنْ يتعهدا معاً بشكلٍ مشتركٍ أنْ يُعيدا قراءةَ "لغةِ الجسدِ" في حالته، مِن خلالِ مصدره الإلهيّ. وبهذا الشَّكلِ، تُصبح "لغةُ الجسدِ" لغةَ الليتورجيا: فيَظهر فيها أقصى عمقٌ ممكنٌ مِن خلالِ اتصالها بسرِّ "أصلِ الخليقةِ" ويمكن القولُ إذن إنَّه مِن خلالِ كلا الزَّوجين تُصبح "لغةُ الجسدِ"، سواء في البُعدِ الذَّاتيّ لحقيقةِ القلوبِ البشريّةِ، أو في "البُعدِ الموضوعيّ" لحقيقةِ حياةِ الشَّركةِ، لغةَ ليتورجيا». (ص. 440-441 )

«في اللحظةِ التّي ينال فيها الزَّوجان سرَّ الزواج المُقدَّسِ، ولكونهما خادمي السِّرِّ[12]، يؤسس كلاهما، كرجلٍ وامرأةٍ، العلامةَ المرئيّةَ الفيّاضةَ والواقعيّةَ للسِّرِّ نفسه». (ص. 398) "انتهى هنا كلامُ البابا"

روحانيّةُ الحبِّ الزَّوجيّ[13]

لقد حملتني رِسالتي الرَّعويّةُ في سنوات كهنوتي الأولى أنْ أتكرَّسَ لخدمةِ الشَّبابِ، وخاصةً في مُرافقةِ المُقبلين منهم على الزواج. وعندما أفكر اليومَ في العدد الكبير من المجموعاتِ التّي رافقتها، وأنظر في الجديّةِ التّي تمَّ بها إعدادهم وفي الطَّريقةِ التّي يحيون بها اليومَ حياتهم الزوجية، وأتأمل في أطفالهم وسخاء أولئك الوالدين تجاه أولادهم ومسئوليتهم الحاضرة، يبدو كأنه لا مثيلٌ لهذا في واقعِ المحيطِ الحاليّ. فمرةً عندما شرحتُ هذه المسيرةَ التّي قطعها ولا يزال يقطعها هؤلاء الأزواجُ، تبيَّن لي أنَّ الكثير منهم يعتقدون أنَّ مسيرتهم هذه تنتمي إلى عالمِ الخيال والأساطيرِ، عالمٍ غيرِ واقعيّ؛ ولكنْ واقع حياةُ هذه العائلاتِ يتكلّم مُعلناً صدقَ المسيرةِ.

والآن، كدارس مهتمٍ بدراسةِ اللاهوتِ والتَّبشيرِ في العالمِ المُعاصرِ، أشعرُ بالضَّرورةِ المُلّحِةِ في أنْ أبدأ بالكتابةِ لطلابي كلِّ ما أمكنني تعلَّمه وفهمه ولكلِّ الشَّبابِ الذين يتأهبون لنوالِ سرِّ الزواج ولكلِّ زوجيّن نلتُ النعمةَ أنْ أكونَ الأبَ الرُّوحيّ لهما. فإني مؤمن أنَّه من الأهمية بمكان أنْ نبين في كلِّ مجالٍ مُتاحٍ، روابطَ التَّواصلِ القائمةَ بين الحياةِ اليوميّةِ والحياةِ الرُّوحيّةِ واللاهوتِ. وقد شجعني على البدايةِ في هذا كتابة التَّأملِ ذي الطابع اللاهوتيّ ما وجدته في التَّعليمِ المسيحيّ لقداسةِ البابا يوحنا بولس الثَّاني مِن نورٍ لاهوتيّ وروحيّ فيما يخص الكثير من الاعتباراتِ التّي كنتُ أُعدُّها حول مثلِ هذه الخبرةِ الحياتيّةِ؛ فمِن خلالِ تعاليم قداسته تمَّ تنظيمُ المحاورِ الأساسيّةِ لهذا التَّأملِ، التّي حاولتُ أنْ أصيغها في قالب اللاَّهوتِ الشَّرقيّ. لقد كنتُ واعياً تماماً بأنَّ الحديثَ عن الحبِّ الزَّوجيّ هو نقطةٌ صعبةٌ وشائكةٌ ومُؤلمةٌ، ولكن شعرتُ أيضاً بأنَّ المخرجَ مِن المأزقِ "الأخلاقيّ" لا يكمن في تغيرِ الخطوطِ الأساسيّةِ لتعليمِ الكنيسةِ المُؤيَّدِ على مرِّ العصورِ. ولذلك فقد بحثتُ باستمرارٍ عن أعماقٍ جديدةٍ وعن طُرقٍ قصيرةٍ كامنةٍ في حكمةِ الحياةِ الحقيقيّةِ التّي تمتلكها الكنيسةُ وتحرسها على مرِّ تاريخها، مُقتنعاً بأنَّ الرُّوحَ القدسَ يَهبُ كنيسته النعمةَ الضَّروريّةَ حتى يوجدَ بها في كلِّ الأوقاتِ أولئك الذين ينتمون لهذه الحكمةِ التّي تنيرُ المؤمنين في مسيرةِ تقديسِ حياتهمِ. 

ينبغي علينا إذن أنْ نقومَ باكتشاف معانٍ "جديدةٍ" نضرةٍ، قائمةٍ علي جبلِ التعليمِ الكنسيِ باحترامٍ كاملٍ لكلِّ أولئك الذين -مع الأسفِ- يتوقَّفون عادةً عند حرفيّةِ التَّعليمِ بدون أنْ يسعوا إلى اكتشاف أعماقِه ودوافعِه الرُّوحيّةِ. 

يريد هذا الكتابَ الصغيرَ أنْ يكونَ مجردَ توجيهٍ لاهوتيّ وإنسانيّ للقضيةٍ التّي نحن بصددها، وأنْ يساعدَ في قَبول معنى الجنسِ ومعنى الحبِّ الزَّوجيّ في إطارِ النظامِ الإلهيّ المُتعلِّقِ بخلاصِ الإنسانِ. وسأحاولُ أنْ أظل قريباً مِن الخبرةِ المُعاشةِ في حياةِ الأشخاصِ، ولذلك سأقدِّمُ في بعضِ الأحيانِ بعضَ الإرشاداتِ الرَّعويّةِ العمليّةِ؛ ودون أنْ يقودَ هذا إلى التقليلٍ مِن واقعيّةِ المشاكلِ المُتعلِّقةِ بالموضوعِ، وتنوعها مما يقتضي مجالاً أوسع مِن ذلك.   

المُصطلحاتُ المُستخدمةُ في الحديثِ     

يتخذُ هذا التّوجيهُ الحياةَ الرُّوحيّةَ كأساسٍ له؛ والهدفُ منه هو تقديمُ رؤيةٍ شاملةٍ تُظهرَ الرَّوابطَ القائمةَ بين الحقائقِ المُختلفةِ التّي سنتعرّضُ لها، حتى يبقى الحديثُ مُتجذِّراً في الحياةِ الواقعيّةِ ومرتبطاً بحياةِ الأشَّخاصِ، ويظل في الوقتِ نفسِه موضوعاً للدراسةِ. فالشَّخص الإنساني هو منظومةٌ حيّةٌ؛ ولذلك يجبُ أنْ يُدرسَ كلُّ بُعدٍ فيه في إطارِ هذا السِّياقِ المنظوميّ. والمنظومةُ مرتبطةٌ بالحياةِ التّي يُدعمها الرُّوحُ القدسُ مُعطي الحياةِ؛ وتُعتبرُ خاصيةٌ مُميِّزةٌ للروحِ القدسِ أنَّه يجمعُ ويحفظُ في شركةٍ واحدةٍ عدةَ حقائقٍ مختلفةٍ. ولكن إنْ تمَّ عرضُ وتقديمُ قضيةِ الإنسانِ على مستوى المفاهيمِ اللغويّةِ فقط، بدلاً مِن الانطلاق مِن الشَّخصِ المُحييّ- الرُّوحِ القدسِ- الذّي يُوحِّدُ الكلَّ معاً، سوف يؤدي بنا الحالُ إلى أحاديثٍ مُنعزلةٍ ومعزولةٍ عن الإنسانِ ذاته، أحاديثٍ غيرِ مُتأصَّلةٍ ولا مُتجذِّرةٍ في الشَّخصِ نفسه، وبالتَّالي غيرِ مُتأصَّلةٍ ولا مُتجذَّرةٍ في الحياةِ.

مِن المهم العناية بالمصطلحات الفنيّةِ المُستخدمةِ، فالاتفاق اليومَ على أنَّه يُستحسنُ عدمُ استخدامِ المُصطلحِ "الحبِّ الإيروس"؛ ويُستخدمُ غالباً المُصطلحُ "الحبُّ الجنسيّ" على المستوى التَّناسليّ والبيولوجيّ؛ وأمّا عند الحديثِ عن "الحبِّ الزَّوجيّ"، فهناك كثير مِن الأشخاصِ لا يقتنعون ولا يوافقون على هذا المصطلحِ، وذلك إمّا لأنهم ببساطةٍ يساكنون النساءَ ويقيمون معهن عَلاقاتٍ خارج العَلاقةِ الزَّوجيّةِ، وإمّا لأنهم لا يرغبون في الزواج.

"استخراج معنى الأبعاد" خاصيّةٌ إنسانيّةٌ أصيلةٌ

إنَّ البحثَ عن معنى الأشياءِ هو حقيقةٌ إنسانيّةٌ أصيلةٌ؛ فالإنسانُ إذن لا يقوم بإعطاءِ المعنى، إنَّما بالبحثِ عنه. فلا يمكننا أنْ نكونَ نحن الذين نسند المعاني للحقائقِ الإنسانيّةِ؛ فهي، بالطبعِ، مخلوقةٌ مِن لَدُن الله؛ إنَّما واجبَنا هو استخراجُ معاني هذه الحقائقِ. ومِن ناحيةِ أخرى، يحدثُ وبلا مفرٍ أنَّ تُطرحُ علينا هذه المعاني المُعطاةَ مِن خلالِ الآخرين؛ وهذا طبيعيّ لأنَّ الحديثَ هنا هو عن تعبيراتٍ ذاتيّةٍ شخصيّة.

ٍإنَّه مِن السَّهلِ جداً أنْ نقومَ بإخضاعِ الواقعِ لأفكارٍ ولأيديولوجيات[14]، وقد تكونُ أيضاً مُرضيِّةً ومُشبِّعةً، ولكنَّ المُخاطرةَ في ذلك هي أنَّنا سنذهبُ خارجَ الطَّريقِ الصَّحيحِ تماماً؛ إنَّما يدورُ الحديثُ هنا عن البحثِ عن المعني وإيجادِه. يقولُ "إيفانوف"[15]، وهو شاعرٌ ولاهوتيّ روسيّ عظيمٌ، إنَّنا يجبُ أنْ نكونَ مثلَ "القابلةِ" التّي تساعدُ في خروجِ الطفل إلى النورِ بذراعيها. فينبغي علينا أنْ نصل إلى مستوى قدرةِ عالٍية في كشفِ وإظهارِ الواقعِ، حتى تَظهرَ لنا حقيقتُه الدَّاخليّةُ. وحتى عند الاقتراب مِن الشَّخصِ في العملِ الإرساليّ والتَّبشيريّ أيضاً، من المهم أنْ نعتبرَ الإنسانَ نفسه رمزاً يحجبُ بداخلِه معنىً لاهوتيّاً إلهيّاً عميقاً. فالرمزُ، على كلِّ حالٍ، هو حقيقةٌ واقعيّةٌ ينتقلُ إلينا معناها الحقيقيّ، أي المعنى الأبديّ، مِن خلالِ البُعدِ الزَّمنيّ التَّاريخيّ المحسوسِ، وهو جزءٌ مُكَمِّلٌ للواقعِ ذاته. فينبغي أنْ نفهمَ هذا السَّياقِ الذّي يعتبر فيه الإنسانُ رمزاً، أي حقيقةً توحِّدُ بين بُعدٍ أبديّ وآخرَ ملموسٍ جسديّ محدودٍ يشمل حقيقةَ الجنسَ ؛ فهو أيضاً حقيقةٌ رمزيّةٌ.

 الرمزُ: في الواقعِ هو رداءٍ كونيّ تاريخيّ يَكشفُ وينقلُ المحتوى الحقيقيّ للواقعِ بفضلِ ارتباطه السَّرمديّ مع العالمِ الأبديّ الإلهيّ.

الجنسُ : المُصطلحَ الأولَ الذّي سيتمُّ استخدمُه هنا هو "الجنسُ"، وأقصدَ به تلك الحقيقةَ التّي بواسطتها تُطبعُ كلُّ شذرةِ مِن الشَّذراتِ الفسيولوجيّةِ والنفسيّةِ والرُّوحيّةِ للشخصِ البشريّ بالخاصيةِ الجنسيّةِ؛ فإنّّ وَحدةَ المنظومةِ البشريّةِ وكلَّ خليةِ مِن خلاياها تحملُ طبيعةَ الجنسِ. ويعني هذا أنَّه لا يمكنُ القولُ بأنَّ كونَ الشَّخصُ ذكراً أو أنثى فيما يتعلّقُ فقط بالناحيةِ الفسيولوجيّةِ، فالجنسُ هو "خاصيةٌ مِن خصائصِ الوجودِ" التّي تميِّزُ الإنسانَ وتطبعُ عليه علاماتهِا. كلُّ التَّعبيراتِ المُستخدمةِ في هذا الموضوعِ، كـ "الحبِّ الزَّوجيّ" و"الحبِّ الجنسيّ" و"الحبِّ الجسديّ"، لن يتمْ استخدامُها بنفسِ معانيها الشائعةِ اليوم؛ ولذلك، وعلى كلِّ حالٍ، أتمنى أنَّه مِن خلالِ استخدامِها تدريجياً يستطيعُ القارئ أنْ يُتابعَ تعميقَ معانيها.

إنَّ الجنسَ هو بُعدٌ غيرُ منعزلٍ عن حقيقةِ الإنسانِ؛ فينبغي أنْ نبحثَ إذن عن معناه في سياقِ حقيقةِ الإنسانِ نفسه. وحيث إنَّ الإنسانَ له جسدٌ، والجسدُ له أعضاءٌ، ينشأ بالتَّالي السؤالُ عن المعنى الذّي يحمله هذا الجسدُ وتلك الأعضاءُ. وللإجابةِ على هذا السؤالِ، لدينا اختياران، إمّا أنْ نسعى إلى البحثِ بعمقٍ عن معناه، أو أنْ نقبلَ ونعترفَ بما هو مُسلَّمٌ به مِن قِبْلٍ كثيرين! إنّني أعتقدُ، مثلاً، أنَّه في المحيطِ الثَّقافيّ المُعاصرِ يمكننا أنْ نجدَ على الأقلِ أربعةَ معانٍ رئيسةٍ مُعطاةٍ لتعريفِ الجنسِ، وهي باختصار كالآتي:

·        الجنسُ كشكلٍ مِن أشكالٍ كثيرةٍ للتعبيرِ عن العَلاقةِ قياساً بكثيرِ مِن المظاهرِ الأخرى.

·        الجنسُ كتذكارٍ لمقابلةٍ ما: تذكارٍ لأجازةٍ على البحرِ، أو لرحلةٍ ما، أو لعيدِ رأسِ السَّنةِ.

·        الجنسُ كميدانٍ للمنافسةِ بين الرَّجلِ والمرأةِ، حيث تُقاسُ مِن خلالِه قُدراتِ الجنسين.

·        الجنسُ كتسليةٍ أو كإعجابٍ واستلطافٍ أو كاستمتاع ولذةٍ أو كتعويضٍ لعدمِ الرَّضى، أو كتعبيرٍ نفسيّ تنفيسِاً عن الضِّغوطِ والوِحدةِ القاتلةِ. 

هذه هي المعاني الرَّئيسيّةُ المُعطاةُ لتعريفِ الجنسِ؛ فإذا ضغطنا على زرِّ التلفاز، أو قرأنا إحدى الجرائدَ أو المجلاتِ، سيتضحُ لنا أنَّه مِن الصَّعبِ العثورَ على معانٍ أخرى خارج هذه المعاني. وهكذا ينتهي هذا المأزقُ الأخلاقيّ عادةً بأنْ تدخلَ إلى الذِّهنِ، بطريقةٍ خفيّةٍ باطنيّةٍ، عناصرَ مُقلقةً بالنسبةِ للشخصِ الذّي يريدُ أنْ يكتشفَ ويحيا الجنسَ في حقيقتِه الإنسانيّةِ.

معنى الجنسِ في نطاقِ الحقيقةِ الإنسانيّةِ

ذات مرةٍ، في إحدى المُقابلاتِ الصَّحفيّةِ، سألوا "تاركوفسكي" Tarkovski [16] ماذا يعني الفنُّ؟! فقال مُعترضا إنَّه قْبلَ أنْ يُجيبَ على هذا السُّؤالِ، يجب أنْ يتمَّ الاتفاقُ أولاً وقبل كلِّ شيء حول ماهيّة الإنسانُ وما هو معنى حياته؟! ومِن ثَمَّ يُمكننا أنْ نرى ما معنى ومكانةُ الفنِّ بداخلِ هذه القيمةِ العظيمةِ. وينطبقُ هذا الكلامُ بالضبطِ على السُّؤالِ حول الجنسِ، فلا قيمةَ للحديثِ عن الجنسِ إنْ لم يُعرفْ أولاً وقَبل كلِّ شيء: مَن هو الإنسانُ، وأين هو ذاهبٌ وما هي الغايةُ مِن نضوجِه؟ ففي عصرِنا الحاليّ، عصرِ الذَّرةِ، وعصرِ التَّخصصاتِ النوعية، حيث يؤكِّد كلُّ تخصصٍ مِن التَّخصصاتِ حقيقتَه بدون أنْ ينظرَ للكيان الكليّ، ينبغي أنْ يكون لدينا مِن جديدٍ نظرةً شاملةً، قادرةً على أن تجمعِ معاً مِن خلالِ "رؤية شاملة" نتائجِ التَّحاليلِ والتّفاصيلِ ذاتها مما سيجعلها تجد مكانَها الصَّحيحَ، وأيضاً قيمتَها ووزنَها الحقيقيّ في داخلِ التَّناغم والانسجام الكليّ.

من الضَّروريّ رعويّاً، أنْ نتيقظَ كي لا نقعَ في مُنزلقِ ثقافةِ الأغلبيّةِ هذه، أي ألاَّ نمارس مُعالجةِ الأمورِ مُنعزلةً وبطريقةٍ قطاعيّةٍ أي أُحاديةِ الجانبِ؛ فإذا كانتْ الحياةُ نفسها لا تمثّل حقيقةً مُتجزَّئةً، فكم بالأحرى يكون الشَّخصُ البشريّ ذاته؟! وقد يحدثُ أحياناً، وبوعيٍ ونضجٍ كبيرين، أنْ نعزلِ قضيّةٍ ما لفترةٍ مُعينةٍ، ولكن حتى في هذه الحالة يجبُ أنْ نُقدِّرَ دائماً عَلاقاتها بالكليّ الشَّاملِ. وبهذا الشَّكلِ يمكنُ مُساعدةِ الآخر في تعلّم فنِّ الحياةِ، فلا يمكن أبداً عرضُ القضايا مُنعزلةً الواحدة عن الأخرى أو عن الكل.

يُؤسفنا أن نلاحظ في بعض البرامجِ التَّوجيهِية لإعدادِ المُقبلين على الزواج، أن محتوى الدَّوراتِ، يلتزم بتقديمُ الزواج مِن وجهةِ النظرِ الاجتماعيّةِ والنفسيّةِ،ِ ومِن الوجهةِ البيولوجيّةِ الجنسِية، وأخيراً مِن وجهةِ النظرِ الرُّوحيّةِ؛ دون أن يساعدُ هذا على تقديم رؤيةِ شاملة للزواج تُظهر الارتباطِ الكليّ وتساعد على تكوين رؤيةِ شاملة كليّةِ. فيلزمُ مبدئياً أنْ نحدّد مسبقاً رؤيتنا لمَن هو الإنسانُ؟ ومِن ثَمَّ سنصل إلى معرفة ماهية الجنسُ داخلِ هذه الرُّؤيةِ الإنسانيّةِ المُتسعةِ؟ حيث إنَّ جميعَ الانحرافات الجنسيّةِ هي أساساً، انحرافات أَنثروبولوجيّة؛ أو بمعنى آخر، هي تقديرٌ للجنسِ بدون النظرِ إلى حقيقته.

خُلاصةٌ أَنثروبولوجيّةٌ مُوجزةٌ       

انطلاقاً مِن اعتبارِ الشَّخصِ منظومةً حيّةً، مِن المُلائمِ في هذه الخُلاصةِ الأَنثروبولوجيّةِ المُختصرةِ أنْ ننطلقَ مِن بعضِ التَّأكيداتِ المُرتبطةِ بحياته الشَّخصِية، في سبيلِ فهمِها لاحقاً مِن خلال المُقاربةِ العلميّةِ، حتى يتسنى لنا الوصولُ إلى معناها اللاّهوتيّ والرُّوحيّ. مِن خلالِ مُلاحظةٍ بسيطةٍ للإنسانِ وللتاريخِ البشريّ أيضاً، يمكننا أنْ نستخلصَ بعضَ السِّماتِ الرَّاسخةِ المُميّزةِ للشخصِ البشريّ؛ وتُعتبرُ هذه السَّماتُ الثَّلاثةُ وصفاً لهويةِ الشَّخصِ البشريّ؛ أو كما يقول آباءُ الكنيسةِ[17] هي بمثابةِ "التَّشخُّصِ" للإنسانِ أي ملءِ كيانِه.ِ وسوف نتحدّثُ هنا عن ثلاثةٍ منها:

1.    "قابليّةُ التَّواصلِ والتَّحاورِ"،

2.    "القدرةُ على إقامةِ العَلاقاتِ"،

3.     "القدرةُ على الإبداعِ".

1.    "قابليّةُ التَّواصلِ والتَّحاورِ": إنَّ أبسطَ ما يمكن أنْ يقومَ به الإنسانُ هو "التَّواصل"، فلا يمكنه أنْ يعيش بدونِ ذلك، أي لا يمكنه أنْ يكفَّ عن التَّواصلِ والتَّحاورِ مع مَن وما حولِه؛ حيث توجدُ بداخلِه قوةٌ جوهريّةٌ أصيلةٌ تدفعُه نحو الآخر، ونحو كلِّ ما هو موجود، كي يتَّواصلَ ويتَّحاورَ معهم، ونكاد نجزمَ بأنَّ هذا الشَّخص مريضٌ بقدرِ ما ينقصُ لديه هذا الميلُ،. فإنَّ قابليّةَ التَّواصلِ والتَّحاورِ مع كلِّ مَن وما حولِه هي واحدةٌ مِن المُقوّماتِ العميقةِ للوجودِ الإنسانيّّ. وبحسب علمِ الإنسانِ الكتابيّ الآبائي بمفهومِ الكتابِ المُقدَّسِ وآباءِ الكنيسةِ حول الإنسانِ، قد خُلقَ الإنسانُ بواسطةِ الكلمةِ؛ وهذه الكلمةِ يضعها يوحنا قَبْلَ كلِّ شيء: «في البَدءِ كانَ الكَلِمَةُ» (يو1/1).

وعلى حسبِ شرحِ التَفسيراتِ الحديثةِ المُعاصرةِ، يدورُ الحديثُ هنا عن إلهٍ يتكلّمُ، إلهٍ يتَّحاورُ، إلهٍ يُوحي ويتواصلُ؛ وذلك لأنَّه بالضبطِ إلهُ الكلمةِ؛ بل بالأحرى، الكلمةَ المتَّجسِّدَ هو ذاته الله؛ هذا ويرى بعضُ آباءِ الكنيسةِ خَلْقَ الإنسانِ بمثابة كلمةٍ مُوجِّهةٍ مِن الله للإنسانِ. فالإنسانُ يصير ولا يزال في صيرورةٍ، لأنَّ الله وجَّه إليه الكلمةَ. فعندما نقولُ إذن "الإنسانَ" لا نقصر ذلك على الإنسانَ فقط، بل معه ذاك الذّي لا يزالُ يوجّهُ إليه الكلمةَ "أي الله"، ذاك الذّي يجعله يصير. إنَّ رؤيةَ الإنسانِ تعني رؤيةَ الاثنينِ معاً: الإنسانَ والله؛ فالإنسانُ يشير إلى حقيقةٍ إلهيّةٍ وإنسانيّةٍ، فهو يتَّميَّزُ بطبيعتِه بخاصيةِ الحوارِ.

2.    "القدرةُ على إقامةِ العَلاقاتِ": إنَّ القدرةَ على إقامةِ العَلاقاتِ في حياةِ الشَّخصِ هي بُعد لا يقدر الإنسان أنْ يحيا بدونه. وهو يحيا العَلاقةَ مِن خلالِ عددٍ لا نهائيّ مِن العَلاقاتِ؛ وحتى أصعب آلامه وأفظعها يختبرها بالذَّاتِ داخل العَلاقاتِ، سواء مع نفسه أو مع العالمِ أو مع الآخرين أو حتى مع الله. عندما خَلَق الله الإنسانَ بواسطةِ الكلمةِ جعله شريكاً له في حقيقته الشَّخصيّةِ العميقةِ أي في الحبِّ. إنَّ إلهنا هو ثلاثةُ أقانيمٍ الآب والابن والرُّوح القدس، أحرارٍ ولكنهم مُتحدون تماماً مع بعضهم: فهو إلهٌ واحدٌ ثالوثٌ. لذلك يؤكد القديسُ غريغوريوس النيصيّ[18] أنَّ طبيعةَ إلهنا هي الحبُّ؛ وأنَّه إنْ كانْ الإنسانُ قد خُلِق على صورةِ الله بواسطةِ الكلمةِ، فيعني هذا أنَّه قد خُلِق على صورةِ الحبِّ. فالبُعدُ الحِواريّ في العَلاقة ليس شيئاً ثانوياً في حياةِ الإنسانِ؛ فهو محفورٌ ومنقوشٌ في عمقِ أعماقِ حقيقته الأساسيّةِ. إنَّ الحبَّ الذّي نشترك فيه بالخَلْقِ نفسه، والذّي يجعله الرُّوحُ القدسُ فعالاً ونشيطاً في قلبِ كلِّ مُعمَّدٍ، هو حبُّ الله الآبِ، وهو ذاته مبدأُ الوَحدةِ والحريّةِ. ففي الواقعِ، عندما نفكّر في الحبِّ، نفكّر في حقيقةٍ عَلاقةٍ ديناميكيّةٍ ، فهو كذراعٍ كونيّ جامعٍ يوحِّد ما هو موجودٌ.

إنَّ الحبَّ هو الوجودُ الأعظمُ؛ فهو لا يستبعد شيئاً بل يحتوى الكلَّ. وفي الوقتِ ذاته يجعلنا ضعفاء، متضعين، وكأنَّنا غائبون؛ فهو يحتضن ويعانق بدون أنْ يُقيِّدَ، ويوحِّد بدون أنْ يجبرَ. الحبُّ يُحبّ، ويمكن ألا يجاوب المحبوبَ بنفسِ القدرِ من الحب، ومع ذلك فهو لا يحطِّم ذلك الحبَّ؛ لأنَّ الحبَّ يحتوي أساساً على الحريّةِ؛ فهو اعترافٌ جذريٌّ بالآخر، يترك الآخرَ حراً، حتى في رفضه للحبِّ ذاته.

إنَّ الحبَّ هو النواةُ الأساسيّةُ والجوهريّةُ المُكوِّنةُ للإنسان. وهناك صلةٌ حقيقيّةٌ قويّةٌ راسخةٌ بين الله والإنسانِ ولكنها في نفسِ الوقتِ صلةٌ حرّةٌ؛ فبين الله والإنسانِ يوجد حبُّ الله نفسه وبينهما صلةٌ حميمةٌ حقيقيّةٌ، وحريةٌ حقيقيّةٌ. فإنَّ القدرةِ على إقامةِ العَلاقةِ، سواء مع كلِّ ما هو عليه كإنسانٍ أو مع العالم الخارجيّ، هو بالضبط هذا المبدأُ الأغابي، مبدأُ المحبّة.

إنَّ الإنسانَ يستطيع فهمَ ذاته، في كلِّ وَحدته الكليّةِ الشاملةِ، بفضلِ الحبِّ فقط الذّي يحتضن الكلَّ؛ لكن هذا الحبَّ لا يصنع منه قالباً أحادي الزوايا، لأنَّه يخلق دائماً في مثلِ هذا الاحتضانِ مساحةً للحريةِ، أي لإظهارِ وتأكيدِ الاختلاف. والحبُّ هو الذّي يخلق في العَلاقةِ نفسها وثبةَ الاندفاع نحو احتضانِ العالمِ والآخرين. وحتى الإيمانُ بالله هو ثمرةُ الحبِّ في الإنسانِ، لأنَّه فقط بفضلِ حبِّ الخالق للإنسانُ، يستطيع الإنسانُ أنْ يحوِّلَ نظره عن نفسه وأن يتجه بوعيٍ نحو الله والآخرين.

3.    القدرةُ على الإبداع: إنَّ القدرةِ على الإبداعِ هي نوعٌ مِن الفيضِ عن نواةِ الحبِّ التي يحملها الإنسانُ داخله؛ فهذه النواةُ، كمبدأٍ "أغابيّ" فعَّال، تسعى لأنْ تحتضنَ وتلخّصَ وتطبعَ وتضفي سمةً شخصيّةً على الكلِّ: على الطبيعةِ الإنسانيّةِ، الخلقِ، الآخرين...الخ. إنَّ كمالَ الإنسانِ ونضوجَه يتمثّلان في وجود قوة مُتواصلٌة على الحبِّ تسيطر على الإنسانُ؛ وتمثّل تلك القوة اختراقاً من الحبِّ للعقلِ والمشاعرِ، والإرادةِ، والجسدِ بكلِّ مظاهره، وحتى للعملِ ولتحركاتِ الإنسانِ بمجملها...الخ.

إنَّ مبدأَ الحبِّ هو الذّي ينقلنا مِن مجردِ أفرادٍ إلى أشخاصٍ فريدين؛ فيتحول "الفردَ"، من كونه خاصيةٍ كَميّة، ويصبح "الشَّخصَ"، الذّي هو خاصيةٌ نوعيّةٌ؛ أي أنْ الشَّخصَ يتمتع بهذا البُعدِ الفريدِ مِن نوعه "بُعدِ الحبِّ"، وغير القابلِ للالتباسِ ولا للتغييرِ والتبديلِ،. يمكن تعويضَ كلُّ الأمورِ إلا الحبَّ. والطبيعةُ الإنسانيّةُ هي واحدةٌ فقط والفردُ يشارك فيها؛ لكن الحبَّ هو الذّي يعطي لها طابعاً شَّخصيّاً في إنسانٍ فريدٍ غيرِ قابلٍ للتكرارِ، حيث يُعطيها طابعاً خاصاً كعَلاقة وكذا كلّ ما يقوم به الإنسانُ وكلّ ما هو عليه؛ فتأخذ الحياةُ والأشياءُ والعملُ طابعاً خاصاً بواسطةِ النورِ الذّي يتحقَّق واقعياً في العَلاقاتِ. ينفذ مبدأُ  الحبِّ الأغابي بداخلِ الإنسانِ مثلَ نورٍ خاصٍ يُضيء كلَّ ما يحويه الشَّخصُ في عَلاقاته؛ فربما تظل الأمورُ كما هي، إنَّما يطبعها نورُ العَلاقة الذّي يصبغ الشَّخصُ بلونٍ فريدٍ غيرِ قابلِ للتكرارِ. إنَّ الحبَّ هو تلك الطاقةُ القائمةُ بين الشَّخصِ والآخر، الذّي يمكن أنْ يشمل كلَّ ما هو موجودٍ وكلَّ ما يعمله الشَّخصُ؛ فأيٌ عملٍ يمكن أنْ يتمَّ إنجازه مِن قِبل شخصٍ آخر، وإنَّما لا يمكن الاستغناءُ هذا النورَ وهذه الطاقةَ اللتين امتلكتا الشَّخصَ عند القيامِ بهذا العملِ، وهذا الطابعَ الخاصَ الشَّخصيّ الذّي أعطاه له. إنَّ الحبَّ في واقعِ الأمرِ هو الحقيقةُ الوحيدةُ التّي تضفي سّمة شَّخصيّة على كلِّ شيء. وكلَّ ما يتشبّع ويتشرّب مِن الحبِّ، سيكون مُحتجباً في الأبديّةِ مِن خلالِ مبدأ الحبِّ ذاته، لأنَّ الحبَّ خالدٌ سرمديٌ. وهذا المبدأ بالضبطِ هو الذّي يتيح لنا أنْ نفهمَ "عقيدةَ قيامةِ الأجسادِ"[19] انطلاقاً مِن العَلاقةِ بين الزَّوجين. فبواسطةِ الحبِّ الزَّوجيّ، وبقوةِ السِّرِّ المُقدَّسِ، يضع الشَّخصُ جسدَه في الحبِّ مائتاً عن الأنانيّةِ والخطيئةِ؛ وبذلك يتحوَّل جسدُه إلى "جسدٍ روحانيّ".

 ومِن خلالِ روحانيّةِ هذا الجسدِ يتمُّ إعطاء معنىً روحيّاً لكلِّ الأمورِ وتتم كلِّ الأنشطة التّي تقوم بها الأجسادُ بفضلِ الحبِّ، وفي خدمةِ المحبةِ. الإنسانُ هو وَحدةٌ بين الرُّوحِ والنفسِ والجسدِ، وهذه الوَحدةُ مخلوقةٌ ومُدعَّمةٌ بحبِ الله؛ ولذلك فإنَّ أيُّ فصلٍ أو تقليلٍ مِن أهميةِ بُعدٍ مِن هذه الأبعادِ الثلاثة يؤدي إلى مفاهيم مغلوطةٍ ومُزيفةٍ عن الإنسانِ نفسه. ففي أيٍّ مِن هذه الأبعادِ يُوجد معنى الإنسانِ الكاملُ: أي الحبُّ، والقدرةُ على التَّحاورِ والقدرةُ على الاتصالِ، والقدرةُ على التَّفكيرِ بشموليّةٍ. إنَّ إعطاءَ أيِّاً مِن الأبعادِ الإنسانية المذكورة معنى يتعدى حقيقةَ الحبِّ والتَّكاملِ، يعني إنكاراً لحقيقةِ الإنسانِ؛ ففي أيِّ جانبٍ مِن جوانبِ الإنسانِ، يوجد المعنى الكليّ للإنسان، وتظهر فيه أيضاً الصلةُ بين أبعادهٍ المختلفةٍ مُتحدةً كالشَّرايين في مُنظومةٍ حيّةٍ.           

 كلُّ ما هو إنسانيّ يجدُ معناه في نطاقِ الحبِّ

في بعضِ التَّفسيراتِ الكتابيَّةِ، يُشرح نصُّ (تك 5/2) بهذه الطَّريقةِ: عندما خَلَق الله الإنسانَ، صنعه على صورته ومثاله، ذكراً وأُنثى خلقهما وباركهما ودعاهما "آدم" أي إنساناً (وفي بعضِ التَّرجماتِ المُشتركةِ يُكتب عادةً "دعاهم بشراً أو أُناساً"). فلا يمكن تحديدُ الإنسانِ وتعريفه إذن إلا على أساسِ قدرته على العلاقَةِ، أي قدرته على إقامةِ عَلاقاتٍ: ويُقصد بهذه الكلماتُ العَلاقاتِ القائمةِ بين الله الذّي ينطق بالكلمةِ الخالقةِ والإنسانِ الذّي على وشك أنْ يخرجَ مِن العدمِ واللاشيء؛ ولكن مِن ناحيةٍ أخرى، يُقصد بها أيضاً أنَّ الخليقةَ التّي على وشك الخروجِ مِن اللاشيء لا

غير متصل العراقي2009

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 496
    • مشاهدة الملف الشخصي

إنَّ الاختيارَ هو أيضاً عمليّةٌ تطور مُستمرةٌ لن تحدث إلاَّ مِن خلالِ الذَّبيحةِ؛ فلا يوجد بالحقيقةِ أي إتحادٍ إلا بواسطةِ الذَّبيحةِ؛ حيث يصبح الاثنان "جسداً واحداً" مِن خلالِ التَّضحيةِ بالمبدأ الفرديّ لتأكيدِ الذَّاتِ، وبذلك ينتقلان مِن الجزءِ إلى الكلِّ. ولا شكٌ في أنَّ وجوبَ الموتِ أمرٌ مُتعبٌ ومُكلِّفٌ، ولكن عندما يصل الشَّخصُ إلى هذا المستوى مِن الوعي، أي عندما تستطيع الرَّغبةُ في الاتحادِ أنْ تتلفَّحَ بتحقيق الذَّبيحةِ، فعندئذٍ فقط ينشأ الاختيارُ ويُصبح ممكناً وسليماً وذلك عندما يقتنع الشَّخصُ، بكلِّ واقعيّةٍ وبحبِّ، أنَّ كلَّ ما يتنازل عنه سوف تكون له قيامةٌ. فيكون الاختيارُ حقيقياً عندما يَعتبر الشَّخصُ أنَّ المشاركةَ في الصَّليبِ هي مشاركةٌ أيضاً في القيامةِ، واعيّاً تماماً بكلِّ قوةِ القيامةِ. وهكذا تُصبح مهمةُ الحبِّ تبريراً وشرحاً واقعيّاً وعمليّاً للمعنى الذّي كان في البدايةِ مجردَ شعورٍ.

خدعتان محتملتان: توجد أمام الحبِّ خدعتان محتملتان، المثاليّةُ أي النـزعة إلى الانفصال عن الواقع والتَّناسليّةُ أي النـزعةُ إلى التَّناسلِ؛ فحيث إنَّهِ للوصولِ إلى اتحادِ بالآخر، يلزم العبورُ بالصليبِ، يعتزم الشَّخصُ أنْ يُسلِّمَ ذاته، بإذعانٍ، في مثاليّةٍ غيرِ واقعيّةٍ وغيرِ مُتجَّسِّدةٍ أو متجذرة في أرض الواقع أو في ماديّةٍ يَعتبر فيها الجسدَ مجردِ مادةٍ، وبالتَّالي ينـزلق نحو نـزعةِ شَّديدةِ إلى الإنجابِ. ويدور الحديثُ هنا بالفعلِ عن "خدعةٍ" لأنَّه يتعيّن على الحبَّ أنْ يحتضنَ كلَّ الشَّخصِ  لا جزء منه فقط.

الحبُّ طريقُ الخلاصِ 

        في هذه المسيرةِ، يُعرض الحبُّ الزَّوجيّ على الإنسانِ كطريقٍ للخلاصِ الذّي صنعه اللهُ مِن أجلِ كلِّ البشريّةِ بواسطةِ ذبيحةِ ابنه. فيتجه هذا الحبُّ نحو إعادةِ اعترافِ الواحدِ بالآخر، اعترافهما بأنفسهما، اعترافهما بأنَّهما حقاً محبوبان. إنَّها مسيرةٌ مُتبادلةٌ بين المحبوبين، تتجسّد فيها الخاصيّةُ المُميِّزةُ للحبِّ الزَّوجيّ، وهي: اعترافهما بأنَّهما محبوبان. وهنا تجد نعمةُ الحبِّ الزَّوجيّ مكانها في الديناميكيّةِ اللاهوتيّةِ، بالعبورِ مِن صورةِ الله إلى مثاله[26]. فيضرم الحبُّ الزَّوجيّ صورةَ الله في الشَّخصِ، حتى تتمكَّنَ هذه الصُّورةُ مِن أنْ تخترقَ وتنفذَ بداخلِ الوجودِ الإنسانيّ كاملةً؛ فيصبح هذا الوجودُ بدوره باستمرارٍ أكثرَ تشبهاً بالله في تعبيراته، تفكيره، شعوره وتصرّفه.

يُعتبرُ الحبُّ مسيرةً يجد الشَّخصُ فيها نفسه مدفوعاً للخروجِ مِن قوقعة الأنانيّةِ، بحيث يُصبح قادراً على أنْ يعيش ويُظهرَ تعبيراً حقيقيّاً للحبِّ. حيث يبدأ الجسدَ الحسيّ، الذّي أصبح بعد الخطيئةِ مغلوباً مِن الأهواء والبُعدِ الكونيّ الحيوانيّ للعالمِ، في استقبال مبدأٌ فعَّالٌ حيّ حيويّ، أي المبدأُ الرُّوحيّ.

ومِن هنا تبدأ عمليةُ النضوجِ والانتقالِ مِن حبٍّ جسديّ حسيّ إلى حبٍّ روحيّ؛ أي إلى حبٍّ يُذكِّرنا باستمرارٍ, من خلال تعبيره وتضحيته، بعالمٍ مُتحوِّلٍ ومُتجدِّدٍ. ولذلك فالطَّريقُ نحو الزواجِ هو أيضاً طريقٌ نحو الجسدِ الرُّوحيّ الرُّوحانيّ؛ إذ يبدأ الشَّخصُ، مِن خلالِ الحبِّ الزَّوجيّ، في الانتقالَ مِن إدراك الذاتِ بطريقةٍ جسديّةٍ حسيّةٍ إلى إدراك هذا الجسدَ الرّوحانيّ؛ وبالتَّالي يتم العبورُ مِن العزلةِ إلى الاتحادِ، ومِن الجسديّ الشَّهوانيّ إلى الرَّوحاني، ومِن الخطيئةِ الأصليّةِ إلى الفداءِ. وفي عمليةِ النضوجِ هذه يستطيع الجنسُ، عند حدٍّ معينٍ، أنْ يُنجزَ مهمته مِن خلالِ الطَّريقةِ التّي يُعاش بها في الحياةِ؛ فيُعرض الجنسُ على الإنسانِ السَّاقطِ المُحبطِ، مِن خلالِ العملِ الخلاصيّ للمسيح، كطريقٍ للخلاصِ. ففي الحقيقةِ، عندما يتمُّ تحطيمُ الوِحدةِ وتأسيسُ عَلاقةَ حبٍّ حقيقةٍ بدلاً منها، لن يُعاش الجنسُ بَعدُ بطريقةٍ عالميّةٍ شهوانيّةٍ، إنَّما يُصبح على العكسِ علامةً ورمزاً للعالمِ الآتي.

الحبُّ وَحدْةٌ مُحققةٌ

يُوحي لنا الفصحُ بالمعنى الرُّوحيّ للجنسِ. وقد رأينا أنَّه يمكن للجنسَ أنْ يُصبحَ حافزاً أو دافعاً بالنسبةِ للإنسانِ يُخرجه مِن قوقعته ويتجِّه به بقوةٍ نحو الآخر، بحيث يبدأ الإنسانُ في هجرِ أحكامِ الأهواءِ والجسدِ، حتى يُكمِّل هذا البُعدَ الجنسَي في رؤيةٍ روحيّةٍ إلهيّةٍ.

تأتي بالتّالي لحظةُ اختيارِ شريكِ الحياةِ بالنسبةِ للشخصين، مِن خلالِ مسيرةِ انجذابهما الواحدِ للآخر، ومِن خلالِ  اكتشافهما الواحدِ للآخر. وفي هذه اللحظةِ بالذَّاتِ، يكون الحبُّ، قبل كلِّ شيءٍ، "عملاً عقلياً"؛ لأنَّه إمَّا أنْ تنتهي عَلاقةُ الحبِّ هذه، وإمَّا أنْ تستوجبَ بالعكسِ قراراً جذريّاً في التَّنازلِ عن الإرادةِ الشّخصيّةِ؛ فليس ثَمَّة وسيلةٌ أخرى. فللوصولِ إلى الاتحادِ الكاملِ الحاسمِ، لا مفرٌ مِن التَّضحيّةِ بالأنانيّةِ التّي تقود إلى الفرديّةِ وتأكيدِ الذَّاتِ الأنانيّ. ولكن الواقعِ يقول أن كل ما بداخل الإنسانِ يثور ضد التَّضحيّةَ؛ وحتى السَّيدَ المسيح عندما اقتربٍ من لحظة التَّضحيّةِ تحوَّل عرقه إلى دمٍ، وطلب مِن الآبِ أنْ يعبرَ عنه هذه الكأسَ؛ وذلك لأنَّ التَّضحيّةَ أمرٌ مُخيفٌ مُفزعٌ والإنسانُ لا يملك معها أيَّ يقينٍ في استعادة ما ضحى به، ولكنَّ الحبَّ يضمن مُسبقاً أنْ تعويضَ التَّضحيّةِ سوف يكون عظيماً؛ فضمانَ الحبِّ يعني أنه: عندما يُضحِّى الشَّخصَ بنفسه، فإن الحبُّ يقنعه باطنياً بأنَّه بَعد الموتِ هناك القيامةُ.

يصل الحبَّ الجسديّ إلى ذروته في الفعلِ الجنسيّ، حيث يجد لذته وتنعّمه بشكلٍ حسيّ؛ إنَّها أقصى قدرةٍ للجسدِ البشريّ على الحسَ والتذوّقَ، ومِن المسلّم به أنَّه ليس هناك أيُّ إحساسٍ مفهومٌ أكثرَ مِن هذا. وحيث إنَّ البُعدَ الذّي يثور ضد الحبِّ أكثرَ مِن غيره هو الإرادةُ الخاصةُ التّي تمُارس عملها في الجسدِ، فهي المنطقة التّي تتنكَّر للحبِّ أكثرَ مِن أي منطقةٍ أخرى في الإنسانِ، لذلك وبواسطةِ الجسدِ بالتَّحديدِ يعمل الحبُّ الزَّوجيّ ليقنعَ الإرادة بالقيامةِ التي تنبع عن تضحيةِ. وإنْ لم يكنْ هناك الفعلُ الجنسيّ الذّي يعمل على إظهارِ القيامةِ مِن خلالِ التَّضحيّةِ بالشَّهواتِ والأهواءِ الخاصةِ، وبالإرادةِ الخاصةِ، وبالمزاعمِ الخاصةِ، فلن يتمكَّن الإنسانُ مِن الدِّخولِ في الفصحِ، بل يظل دائماً مُنغلقاً على أنانيته؛ وسوف يتوقَّف هذا الإنسانُ عند عتبةِ الجمعةِ العظيمةِ، لأنَّه لا يمتلك أيَّ يقينٍ بأنَّه بَعد ذلك توجد القيامةُ. يكشف لنا الحبِّ الزَّوجيّ، وهذه اللذةِ -المقدسةِ الطَّاهرةِ- التّي تكلم عنها آباءُ الكنيسةِ، عن لاهوتٍ حقيقيّ لسرّ الزواج؛ وهو بُعد لاهوتي مُتمركزٍ حول تضحيّةِ المسيحِ وموته وقيامته.

ومِن وجهةِ نظرٍ أخرى، وهي مشوقةٌ أيضاً، نجد أنَّ تحليلاتَ المُحللين النفسيين في ما يتعلَّق بالفعلِ الجنسيّ تُظهر أنَّ الفعلَ الجنسيّ في حدِّ ذاته لا يقول شيئاً، ولا يملك أيَّ محتوى أو مضمونٍ خاصٍ؛ فالتَّفكيرُ بأنَّ الفعلَ الجنسيّ قد يملك في حدِّ ذاته وبشكلٍ آلي مضمونَ الاتحادٍ، وأنَّه يحمل بالتَّالي بشكلٍ آليّ إلى الاتحادِ بين الشَّخصين، وأنَّه يُنتج اتحاداً، هو ببساطة خداعٌ ووهمٌ؛ بل بالأحرى قد يكون الفعلُ الجنسيّ هو الخدعةُ أو الكذبةُ العُظمى، أي أنْ يكونَ مجردَ شكلٍ خارجيّ لمضمونٍ ليس له وجودٌ في الواقعِ: فيقول الشَّخصان أحدهما للآخر بأنَّه يحبه، ولا يكون ذلك صحيحاً بالمرةِ.

وبحسبِ بعضِ المحللين النفسيين الأكفاءِ، يمكن أنْ يكونَ الفعلُ الجنسيّ أمراً ذاتيّاً وشخصيّاً تماماً، بدون حتى أدنى مُشاركةٍ لأيِّ مضمونٍ أو محتوى للعَلاقة، وبالتَّالي لا حقيقةٌ له، أي أنَّه مجردُ شكلٍ خارجيّ لا يُعلن عن أيِّ بُعدٍ للعلاقة حقيقيّ. ويحدث أنَّه يمكن ممارسةُ الفعلِ الجنسيّ على مستوى الإشباعِ واللذةِ فقط وبدون أيِّ مضمونٍ للحبِّ، أي بدون أيِّ مضمونٍ للشخصِ. إنَّما الفعلَ الجنسيّ، على العكسِ مِن ذلك، هو فعلٌ أصيلٌ، يُعبِّر عن حقيقته عندما يكون رمزاً، أي عندما يصبح تلك الحقيقةَ الكونيّةَ الملموسةَ ذات الصلةٌ المُوضوعيّةٌ والسرمديّةٌ الغيرُ قابلةٍ للانحلال بالمضمون الذّي تحجبه وتخفيه.

خلافاً لهذا التّصورِ، يصبح الفعلُ الجنسيّ مجردَ "علامةٍ"، أي مجردَ شيء يمكن أنْ نعطيه المعنى الذّي نريده؛ فالعلامةُ في الحقيقةِ، كما هو مُتعارفٌ عليه، مثلُ لافتةِ الطَّريقِ، لأنَّ معناها هو ثمرةٌ لاتفاق ما، ولذلك يمكننا تغييره. إنَّما الرَّمزُ، بالعكسِ، فهو يملك في حدِّ ذاته محتوىً موضوعيّاً لا يمكن تغييره على حسب الاختياراتِ. ويمكننا أنْ نُشبِّه الجنسَ بجبل الجليد، الذّي يمثل فيه الجزءَ المُنغمسَ المخفيّ القسم الأكبرَ بمراحلٍ مِن ذاك الجزءِ الذّي يُرى؛ كذلك أيضاً الفعلِ الجنسيّ: ينبغي أنْ يُظهرَ كلَّ حقيقةِ الواقعِ المُعاشِ كحياةٍ مُتشبِّعةٍ بالحبِّ، يتداخل فيها الكلُّ ويتوحَّد في الحبِّ، وفي الموتِ عن الذات مِن أجلِ الآخر.

ذات مرةٍ، قال لي أحدُ الأزواجِ، وهو متزوج مُنذ 17 عاماً، شيئاً في غايةِ الجمالِ: إنَّه لو كان طُلب منه تحديدُ ماذا يعنى بالنسبة له، كرجلٍ متزوجٍ، لذةُ الاتحادِ الجنسيّ مع زوجته؟ لا يمكنه أنْ يُجيبَ بقوله أنَّ المعنى هو الحياةُ المُمتدةُ على مدارِ 24 ساعة يوميّاً، فهو التَّعبيرُ عن الحبِّ على مدار اليوم كلِّه. وقد حكى لي أنَّه لم يحدثْ أبداً أنَّه اتحد مع زوجته ذات مرةٍ بدون أنَّ يكونا كلاهما مُدركاً تماماً أنَّ حياتهما معاً في هذه الفترةِ تُعبِّر عن موتِ كلٍّ منهما مِن أجلِ الآخر. ويبدو هذا التَّحديدَ تعبيراً فريداً ورائعاً؛ لقد اخترق الحبُّ ونفذ إلى حياةِ الزَّوجين كلها، فهناك الكثيرُ مِن التَّضحيّةِ الواحدٍ مِن أجلِ الآخر، لكنهما عندما يتحدان معاً جنسياً يشعران بلذةٍ وبتحقيقٍ لجسديهمِا، ويُصبح كلُّ هذا حقيقةً مُؤسسةً ومُشخَّصةً في الحبِّ؛ لأنَّ لحظاتَ الموتِ مِن أجل الآخر قد تمَّ تذوّقها في التَّضحيّةِ، فالرجل يُضحِّي مِن أجل المرأة وهي بالمثلِ تُضحِّي مِن أجله. فالاتحادُ إذن هو اتحادٌ مُشبعٌ ومُرضيّ، لأنَّه اتحادٌ في الحقيقةِ، فهو رمزٌ واقعيٌ يُعلن محتوىً حقيقيّاً، محتوى قد تجسَّد في الواقعِ المُعاشِ؛ وأي اتحاد حبي أو جسدي خلافٌ ذلك هو خداعٌ.

في الواقعِ، عندما نعود إلى اللاهوتِ الأدبي[27]، نجد أنَّ الخطيئةَ في المجال الجنسيّ تتمثَّل في ممارسةِ الجنسِ خارج حقيقته الإنسانيّةِ، أي أنَّها تتمثَّل في السَّعي إلى قطف ثِّمارِ القيامة بدون العبورِ بالجمعةِ العظيمِة. وهذا ينطبق أيضاً على الموقف الذّي يبدو ظاهريّاً وكأنَّه خالٍ مِن الضَّررِ مِن الناحيّةِ الجنسيّةِ، أي الاستمناء أو العادة السرية[28]. فيدور الحديثُ هنا عن البحثِ عن إشباعٍ ولذةٍ بدون التَّضحيّةِ بالذَّاتِ مِن أجلِ أحدٍ، ويتمُّ الوصولُ إليهما بطرقٍ كثيرةٍ غيرِ أصيلةٍ. ومِن المُسلَّم به أنَّ اللذةَ الحقيقيّةَ والإشباع الحقيقيّ يأتيان فقط مِن خلالِ العَلاقةِ؛ فاللذَّةُ غيرِ الأصيلةِ هي حقاً إفسادٌ للحبِّ. وتتمثَّل الخطيئةُ المُتعلِّقةُ بالوصيّةِ السَّادسةِ[29] في تقديرِ الجنسِ خارج حقيقته الإنسانيّةِ، وبالتَّالي أيضاً خارج حقيقةِ الجنسِ نفسه؛ أي هي البحثُ عن ثمرِ الجنسِ، الذّي هدفه هو الاتحادُ، بدون العبورِ بواسطةِ طريقِ التَّضحيّةِ. إنَّ الموتَ والقيامةَ هما المسيرةُ التّي تحتجب وراء الحبِّ الزَّوجيّ، حيث يتمركز المعنى الأكثرُ جمالاً وسحراً للجنسِ. فإنْ لم يوجدْ هذا الجبلُ الجليديّ، أي هذا العمقُ الحياتيّ، حيث يلتقي الشَّخصان معاً في الواقعِ المُعاشِ، فعلاقتها هي إذن مجردُ كذبةٍ خادعةٍ للشخصين، بدلاً مِن أنْ تكونَ سراً مُقدَّساً. يحتاج الحبُّ الجنسيّ إلى تجديدٍ لما هو يوميّ أو مألوفٌ، وهذا يقوم بدوره بإنشاءِ هذا التَّحويلِ، لأنَّه يُقنع الشَّخصَ بالمصيرِ الإيجابيّ للتخليّ.

دورُ الجنسِ يبلغُ قمتَه في العذريّةِ     

ربما تُثيرَ فينا هذه العبارةَ الحيرةَ والقلقَ؛ ولكنَّها صحيحةٌ تماماً. فإنْ اخترق الحبُّ ونفذ خطوةً خطوةً إلى كلِّ لحظاتِ حياةِ الشَّريكين، عندئذٍ سيبدأ كلٌّ منهما في إدراكَ نفسَ الحقيقةِ المُعبَّرِ عنها بالفعلِ الجنسيّ في مواقف أخرى كثيرةٍ في الحياةِ. إنهَّا مسيرةٌ ، "كلاسيكيّةٌ" لحبِّ حقيقيّ. فإنْ كان معنى الفعلِ الجنسيّ يتمثَّل في اتحادِ الشخصين معاً، عندما يوثِّقان ويدعِّمان واقعيّاً حياتهما المُعاشة، فإنَّ الجنسَ، يبدأ في إنجازِ دوره. ولذلك يقول السيدُ المسيح أنَّه في الحياةِ الأخرى لن يُعاش الجنسُ بالشكلِ الذّي يُعاش به في هذا العالمِ؛ لأنَّه عندما يصل الشَّخصان إلى تحقيقِ وحدتهما، لن يُجدي الجنسُ نفعاً بعد: «فعندما يقوم الناسُ مِن بين الأمواتِ، فلا الرِّجالُ يتزوَّجون ولا النساءُ يُزوَّجن، بل يكونون مثلَ الملائكةِ في السَّمواتِ» (مر12/25)

بهذا المعنى، يتكلَّم آباءُ الكنيسةِ عن عذريّةِ الزَّوجيّن، ولكنهم لا يقصدون المعنى المألوفَ والمعتاد أي عدمَ مُمارسةِ الجنسِ؛ إنَّما العذريّةِ تعني بالنسبةِ لهم نقطةَ الوصولِ، أي عندما يصبح الشَّخصان فعلاً مُتحدان تماماً؛ إنَّ المسيرةَ هي إذن العبورُ مِن الحبِّ الحسيّ "الإيروس" إلى الحبِّ المُضحِّيّ "الأغابي".

إنَّ الرُّؤيةَ الإنسانيّةَ الرُّوحانيّةَ المسيحيّةَ ترى الإنسانَ في بُعده العذريّ؛ بحيث تبلغ مسيرةِ العهدِ القديمِ وصولاً إلى العهدِ الجديدِ قمتها في عذرية والدة الإله مريم[30]. ولذلك فإنَّ العذريّةَ تعني أنَّ الإنسانَ يجد كماله في الحبِّ الإلهيّ، هذا الحبِّ الذّي لا يجعله يشعر بالحاجةِ بَعدُ إلى أيِّ رمزٍ حسيّ إيروس مِن أجلِ اختبارِ الحبِّ والإيمانِ به. فالإنسانُ العذريّ يَعبر مِن الحاجةِ إلى أنْ يكون محبوباً إلى اليقينِ بأنَّه محبوبٌ فعلاً ؛ وبالتَّالي يحيا كمالَ هويته الخاصةَ كشخصٍ يُحب. وتتحقَّق العذريّةُ في ذلك الإنسانِ الذّي يغمس انفتاحه الأساسيّ وقدرته العلائقيّةِ الأساسيّةِ في خبرةِ حبِّ الله ذاته. لذلك فإنَّ العذريّةَ هي حالةٌ تتحقَّق واقعياً وبشكلٍ ملموسٍ إمّا بواسطةِ الحبِّ الزَّوجيّ، وإمَّا بواسطةِ الدعوةِ إلى التَّبتلِ.

الحبُّ الزَّوجيّ يَظهرُ في خصوبةِ العائلةِ

تبلغ مسيرةِ الانتقالِ مِن الحبِّ الإيروس إلى الحبِّ الأغابي قمتها في العائلة.. فماذا يعني هذا؟ إنه ما لم يكن لدى الشخصٌ اليقينٌ بأنَّه محبوبٌ، فهو وبلا شكٌ شخصٌ لا يمكن الاعتمادُ عليه، لأنَّه لا يزال في بحثٍ عمَن يمكنه هو الاستنادُ عليه، فهو في حاجةٍ إلى سندٍ. وعندما يُعاش الحبُّ الجنسيّ في حقيقته، فثمرته الأولى هي يقينُ الشَّريكين- المؤسسُ على منطقِ العَلاقة والثَّقةِ بالآخر- في أنَّ كلَّ منهما بالفعلِ محبوبٌ؛ وبالتَّالي يُصبح الشَّخصُ المحبوبُ قادراً على أنْ يُحبَّ؛ فإنْ لم يشعر الشخَّصُ بأنَّه محبوبٌ، سوف يذهب بعيداً باحثاً عن الحبِّ. أمَّا عندما يبلغ الشخصان إلى اليقينِ بأنَّهما محبوبان، فإنهما سيصبحان بفضلِ هذا اليقينِ قادرين على أنْ يُحبا؛ ويمكنهما عندئذٍ أنْ يُنجبا الأولادَ، الذّين هم ثمارٌ لحبِّهما. وخلافاً لذلك، يصبح هذان الشَّخصان بسهولةٍ موضوعاً للامتلاك، ومجردَ وسائلٍ لإشباعِ الاحتياجِ الخاصِ إلى الحنانِ.

في المجالِ الرَّعويّ العائلي، لا يجدي نفعاً كثرة التَّأكيدُ على الحاجةِ إلى إنجاب أطفالِ؛ إنَّما يلزم أولاً وقبل كلِّ شيءٍ، مساعدةُ الشَّريكين على العودةِ إلى حقيقةِ سرِّ الزواج.

الأساس إذن هو اليقين الثابت بأن كلاهما محبوب لنا وإنَّ إنجابَ الأولادِ ما هو إلا نتيجةٌ لهذا اليقينِ المُتواصلِ، وكذلك الأمر في تأسيسُ عائلةٍ مُنفتحةٍ وإقامةُ شركةٍ في الحبِّ تُصبح قادرةً على استقبال الأصدقاءِ والأقاربِ وحتى الغريبِ الذّي يمرِّ بها، كلُّ هذا نتيجةٌ لليقينِ المُتواصلِ بالحبِّ.  فمِن الضَّروريّ إذن توجيهُ الشَّريكين، نحو طريقِ نزعِ جذورِ الأنانيّةِ؛ لأنَّ إنجابَ الأولادِ لن يكون نتيجةَ أو ثَّمرةَ شريكين لا زالا يحييان على مستوى الأنانيّةِ، والحديثُ هنا لا يختلف كثيراً عن وصيةِ الله لهما بأنْ يُخصبا ويُثمرا. فكلَّما عاش الزَّوجان الحبَّ الإيروس كحقيقةٍ يتحوَّلَ هذا الحبٍّ إلى أغابي، ويتضح استعدادُهما الكاملُ للانفتاحِ على الحياةِ ورفضِ الحساباتِ، وبذلك يقبلون أولادهم- إنْ أعطاهما الله إياهم- في إطار قصةٍ مُتجذِّرةٍ في الحبِّ الحقيقيّ. وعلى ضوءِ هذا الحديثِ، يتضح أنَّ خصوبةَ الشَّريكين لن تُحبطها استحالةٌ محتملةٌ في إنجابِ الأولاد؛ فمثلِ هذه المشكلةِ، حتى وإنْ كانت مؤلمةً جداً، ستُقرأ وتُفسَّر في إطارِ النضوجِ النابعِ مِن الحبِّ الأغابي الذّي ينمو فيه الشَّريكان، وينفتحان أكثر فأكثر على الآخرين ويعتنيان بهم.

الجنسُ رمزٌ للموتِ مِن أجلِ الآخرَ         

فَقَدَ الإنسانُ بعد الخطيئةِ الأصليّةِ، القدرةَ على الاتصالِ والعَلاقة بالله وبالآخرين وبنفسه وبالكلِّ؛ ومِن ثَمَّ أصبح وحيداً ومُنغلقاً على ذاته. ويمكننا الآن أنْ نضعَ في عبارةٍ واحدةٍ تعريفاً، لا وبل تحديداً كلِّيّاً للإنسانِ، "إنَّه الوجودُ الذّي يبحث عن عَلاقةٍ"، أي الذّي يبحث عن أنْ يكونَ مِن جديدٍ محبوباً، يبحث عمَّا فقده. فما هو يا تُرى البرهانُ الذّي يقنعه بأنَّه محبوب؟ إنَّ البرهانَ يكمن في شخص يُظهر له أنَّه اختاره هو بدلاً مِن ذاته نفسها، وبدلاً مِن الأشخاصِ الآخرين الذّين كان بإمكانه أنْ يختارهم. فبرهانُ العَلاقةِ المُستعادةِ هو اليقينُ بالعَلاقة الذّي يُماثل ويوازي اليقينَ بوجودِ الإنسان ذاته. فيمكن للشخصِ أنْ يتأكَّدَ مِن أنَّه فعلاً في عَلاقةٍ، عندما يصل مِن خلالِ هذه العَلاقةِ إلى خبرةٍ راسخةٍ ومتواصلةٍ أي عندما يحصل على ثقةٍ أكيدةٍ تُعادل اليقينَ بوجودِ الفعلِ نفسه.

يصل الشَّخصُ إذن إلى اليقينِ بوجوده ذاته، عبر الثقة الكاملة بأنَّ هناك آخرُ قد اختاره هو، وبأنَّ هذا الآخر متحدٌ به؛ فبالتَّالي هو واثقٌ مِن وجوده، وواثقٌ بأنَّه لن يهلك ولن يضيع في اللامعنى. إنَّ البرهانَ "الأنثروبولوجي"، يعني أنَّ يتمسَّك الشَّخصَ بالآخر أكثر مِن تمسّكه بنفسه، وأنَّه ينشغل بالآخر أكثر مِن انشغاله بنفسه، وأنَّه يختار الآخرَ بدلاً مِن نفسه؛ وأنه يبقى ثابتاً في هذا الاختيارِ في كلِّ ظروفِ الحياةِ المُحتملةِ، حتى أمام الموتِ؛ فإنَّ البرهانَ الأخيرَ الحاسمَ والقاطعَ هو الموتُ مِن أجلِ الآخر، بُعدُ التَّضحيّةِ مِن أجلِ الآخر، الذي نجده في قلبِ كلِّ الأديانِ، وهو موجودٌ بالأخصّ في المسيحيّةِ.

إنَّ البرهانَ الوحيدَ الذّي يُقنع شَّخصَ بأنَّه حقاً في عَلاقةٍ، هو إدراكه بأنَّه عوضاً عن انشغاله بذاته، ينشغل بآخرُ. فالعَلاقة تتحقَّق بفضلِ الثِّقةِ والولاء؛ فمثلاً إذا ائتمن أحدهما الآخر على بعضِ الأمورِ الشَّخصيّةِ، فما الضمانُ بأنَّ تلك الأمورَ ستظل سراً بينهما؟ فإنْ لم تكن الثِّقةُ المُتبادلةُ هي الضمانَ، فما هو الضمانُ يا تُرى؟! وبقدرِ ما يكون الحبُّ كبيراً، بقدرِ ما يَعظم اليقينُ بالثِّقةِ المُتبادلةِ بينهما. لذلك حتى الله نفسه، يتصرَّف بحسبِ منطقِ العَلاقةِ، فلا يُجبرنا أنْ نحبه وأنْ نُسلِّمَ له أنفسنا؛ ولكنَّه مِن خلالِ ذبيحةِ ابنه يُوحي لنا بحقيقةَ عَلاقته ومصداقيّةَ إخلاصه وعلينا الاختيار؛ ولذلك فالرجاءُ بالله ليس أبداً خداعاً وتضليلاً، فالرجاءُ به لا يخيب أبداً. وتُعتبر المسيرةُ التي يتطلَّبها الحبُّ الزَّوجيّ مسيرةً أصيلةً، ولأجلِ ذلك يمكنها أنْ تُصبح سراً.

وقد يعترض البعضُ: ولكن إذا مات الرَّجلُ ليُبيِّن للمرأةِ أنَّه يحبها ويختارها هي، فسوف ينتهي كلُّ شيءٍ! وللردِ على مثلِ هذا الكلامِ، نقرأ (تك 3/ 7)، حيث يدور الحديثُ عن ورقةِ التِّينِ، فنجد أنَّ الإنسان يكتشف أنَّ أعضاءه الجنسيّةَ خُلقتْ مِن أجل الاتحادِ، فيقوم بتخبئتها؛ وعندما يقوم بهذا الفعلِ، فهو يُقدِّم صورةً رمزيّةً للموتِ مِن أجلِ الآخر. فهو يعترف بأنَّ أعضاءه الجنسيّةَ هي منطقةٌ للمودة والألفة، وينبغي أنْ تُكشفَ فقط أمام هذا المخلوق الوحيد الضروريّ مِن أجلِ بلوغ اليقينِ بالعَلاقةِ. ويعني هذا كلُّه أنَّ الإنسانَ قد اكتشف في الجنسِ تلك الحقيقةَ الرَّمزيّةَ للبرهانِ الأعظمِ للعَلاقةِ المُستعادةِ، مِن حيث إنَّه يكشف لشخصٍ واحدٍ فقط حياته الجنسيَّةَ الخاصةَ؛ وبهذا يُصبح الجنسُ التَّعبيرَ عن الإخلاصِ والثِّقةِ الكاملةِ بالآخر. إنَّ البرهانَ الوحيدَ للعَلاقةِ الرَّاسخةِ هو الثَّقةِ التّي تُخلق مِن خلالِ هذه المودةِ والآلفةِ؛ فإنْ نقصت هذا الثِّقةُ، ستبدأ الغيرةُ وعدمُ الإحساس بالأمانِ في القضاء على كلّ شيءٍ. وإنْ لم يملك شخصٌ ما اليقينَ بأنَّه محبوبٌ، فلن يقدر على أنْ يُحبَّ أحداً؛ وبالطبع لا يجب فهمُ هذه العبارةِ الأخيرةِ بشكلٍ مُطلقٍ وحسابيّ.

يتحدث كثيرون اليومَ عن أزمةِ القيمِ، وعن الانعزاليّةِ والرُّوحِ الفرديّةِ، وعن نقصِ التَّضامنِ؛ ولدينا غالباً نوعٌ مِن التَّخوفِ في أنْ نقولَ أنَّ هذا يرجع، على الأرجحِ، إلى انتهاكِ حقيقةٍ الحبِّ الزَّوجيّ. ويحضرني هنا اجتماعٌ لأولياءِ الأمورِ، كان عددُ الحاضرين فيه يزيد على مائتيّ شخص، وقد طرحتُ عليهم السُّؤالَ التَّالي: مَن منكم واثقٌ ومتيقن بأنَّه فعلاً محبوبٌ؟ فأجابني بنعم شخصان أو ثلاثةٌ فقط مِن كلِّ الحاضرين! وهذا يعني ببساطةٍ، أنَّ المجتمعَ الذّي نعيش فيه يبعث على الفرديّةِ والبحثِ عن ضماناتٍ وعن الاستقلالِ الذَّاتيّ ، لأنَّه يفتقد هذا اليقينُ الجوهريّ، يقينُ بالعَلاقة. وفي هذا السِّياقِ يمكننا أنْ نفهمَ إصرارَ البابا يوحنا بولس الثاني في أحاديثه - وله كلُّ الحقِّ في ذلك- على موضوعِ التَّضامنِ الاجتماعيّ. فإنَّ يقينَ الإنسانِ المُتواصلِ بأنَّه محبوبٌ ومُختارٌ هو قاعدة وأساسٌ للتَّعايشِ الإنسانيّ؛ وانطلاقاً مِن هذا، يُصبح الإنسانُ ذاته قادراً على أنْ يُحبَّ.

المسيحُ ذاتُه رفعَ  الحبَّ الزَّوجيّ إلى مرتبةِ السِّرِّ

        لقد رفع المسيحُ هذا الحبَّ الزَّوجيّ ليكونَ سراً. والسِّرُّ كما نعرفه هو علامةٌ حسيّة أسّسها السيد المسيح تشير إلى النعمةِ وتمنحها. يدور الحديثُ في هذا المجال عن مُشاركةٍ شخصيّةِ للزوجين في المسيح، وهو سرُّ أساسيّ وأوليّ يعني التَّواصلُ الفعَّالُ لنعمةِ الله. فإنْ كان سرُّ الزواج يتمُّ ويتحقَّق في الفعلِ الزَّوجيّ، فهذا يعني أنَّه سرُّ، وأن مادته السِّريّةِ توجد هناك حيث يوجد الزَّوجان. إنَّ سرَّ الزواجِ هو السرُّ الوحيدُ الذّي لا تُصاحبه مادةٌ، فلا يلتصق به ماءٌ ولا خبزٌ ولا خمرٌ ولا زيتٌ، كما يحدث في الأسرارِ الأخرى؛ فمادة هذا السِّرِّ هي فقط الحبُّ بين الشَّخصين؛ فالزوجان والكنيسةِ المُمثّلةِ في الكاهنِ والشُّهودِ أي جماعة المؤمنين، يؤكّدون "أنَّ الحبَّ بين الشريكين هو حبٌّ مُعترفٌ به مِن قِبْل الله وعلى مثاله، هو مادةُ السِّرِّ". فلا وجود لهذا السرُّ إنْ غاب الحب؛ فما يوجد هذا الحبَّ المُتبادلَ لدى كلا الشّخصين، أو خدع أحدهما الآخر، فإنَّ هذا الزواجَ يصير باطلاً. ولذلك تُصبح الشَّهادةُ لهذا الحبِّ قَبل الزواج أمرٌ هامٌ للغايةِ؛ فالناسُ يجب أنْ تُلاحظَ أنَّ هذين الشَّخصين هما في مرحلةِ انتقالٍ وتغييرٍ، وأنَّهما أصبحا وسيصبحان باستمرارٍ قادرين على الحبِّ، لأنَّ الحبَّ قد زار قلبهما، كما يقول إفدوكيموف[31]؛ فإنْ لم تكن الأمورُ تسير هكذا، فهي إذن مجردُ مراسيمٍ خارجيّةٍ وكاميراتِ تصويرٍ.

إنَّ الاحتفالَ بسرِّ الزواج، هو بالأحرى، لحظةٌ في غايةِ الأهميّةِ بالنسبةِ لكلِّ الجماعةِ الكنسيّةِ، لأنَّ الاستبصارٌ والوعي بالحبِّ مُؤسسٌ فقط على الثِّقةِ في العَلاقةِ، ويمكن التَّحقَّقُ منه وإثباتُ صحته فقط مِن خلالِ العَلاقاتِ، وبالتَّالي مِن خلالِ الجماعةِ. فينبغي أنْ يُعترفَ بهذا الحبِّ كحبٍّ له نفسُ خصائصِ حبِّ الله، فهو حبٍّ أكثرُ مِن الحبِّ الإيروس، بمعنى أنَّه ليس مُوجَّه فقط إلى شخصٍ واحد، الشَّخصِ المحبوبِ، إنَّما يجب أنْ يتحوَّل باستمرارٍ إلى حبِّ أغابي مع الآخرين أيضاً؛ وبالتَّالي فهو حبٍّ يدخل في عَلاقاتِ مع الآخرين ومع العالمِ، وهو بمثابةِ حريةٍ منـزه عن المصلحةِ الشَّخصيّةِ، في سخاءٍ وإخلاصٍ، ورسوخٍ. وإنْ كان حبُّ الله هو حبٌّ مُطلقٌ، بمعنى أنَّه عطاءٌ كاملٌ لذاته، فلذلك ينبغي على الزَّوجين وعلى الكنيسةِ أيضاً أي جماعةِ المؤمنينِ التحقُّقَ، قبل الزواج، ومِن خلالِ العَلاقاتِ، مِن مدى كون حبُّهما له نفسُ خصائصِ الحبّ الإلهي؟ ففي فترةِ الخطوبةِ، عندما كان كلاهما يرى الآخر في شموله، يختبر الشَّريكان أنَّ الحبَّ كان يقنعهما بمعنى التَّضحيّةِ بأنفسهما؛ فقوةُ الحبِّ تُعرف حقاً، مِن خلالِ الاختبار الحياتي الذي يؤدي بالشخص إلى التخلّي عن مبدأِ إثباتِ الذَّات الأنانيِّ في سبيل إسعاد الآخر.

وبهذا المعني، تقدّر الكنيسةُ مُنذ نشأتها الدَّورَ الكبيرَ الذي يحتله الجنسُ، بحيث يستطيع الشَّخصَ أنَّ يتركَ الانجراف وراءِ الإشباعِ الجنسيّ، مِن أجل ثقته الكاملةِ في العَلاقةِ. فإنْ كان هناك حبٌّ بين شخصين، ولم يبلغ هذا الحبُّ إلى قدرته في تقديرِ الآخر والذَّاتِ معاً بشكل شامل، وكذلك تقديرهما أيضاً في كلِّ العَلاقاتِ الأخرى، فالفعلُ الجنسيّ هنا لم ينضج بَعدُ. عندئذٍ يتلاشى المضمونُ الشَّاملُ للعَلاقةِ والذي يُعاش في الثِّقةُ واليقينُ في العَلاقة، كما لو أخذنا كتلةً مِن جبل الثَّلجِ الذّي تحتها دون النظر إلى الجبلَ الذي يحملها.

وعندما يمتنع الشَّريكان عن إتمامِ الفعلِ الجنسيّ خارج الزواج ويؤجلاه إلى لحظةِ الاعترافِ به من كلِّ الجماعةِ، فهذا يعني أنَّ حبهما هو من حبَّ الله، ذاك الحبَّ الذي يُعطي الكمالَ للجنسِ. وبذلك يقبل الجنسُ مبدأَ الحبِّ الفعَّالِ، فيتمَّ الانتقالُ بفضلِ ذلك مِن جنسٍ قائمٍ على الهوى ومقتصر على الجسدِ، إلى جنسٍ بين جسدين يُعبِّران، مِن خلالِ انتظارهما للاتحاد معاً، عن القيمةِ الفريدةِ التي يراها الواحدُ في الآخر. والكنيسةُ في ذلك كلِّه تعمل على المحافظةِ على معنى الفعلِ الجنسيّ عندما تصون الحبِّ. فعندما يتمُّ اختبارُ الحبِّ في أوضاعِ كثيرةٍ في الحياةِ اليوميّةِ، والتَّحقَّقُ منه أيضاً مِن خلالِ الآخرين وبواسطةِ العَلاقة في الجماعة، وعندما يُعترف بقيمةِ التَّضحيّةِ في سبيلِ الحبِّ تفضيلِ الآخر عِن الذَّاتِ -على الأقلِ بدرجةٍ مُعيّنةٍ- فسيتحد الشَّخصان معاً جنسيّاً ويتذوقان ثمرةَ ذلك الحبِّ القادرِ على الاتحاد. بعد ذلك مهما يحدث، فإنَّ الشَّخصين يكونا قد توحدا معاً حقاً ويمكنهما الآن إتمامَ الفعلِ الزَّوجيّ على ضوء القيامةِ كيقينٍ بالثِّقةِ المُستعادةِ من خلال العَلاقةِ.

إنَّ الفعلَ الزَّوجيّ نفسه سينقل الزوجين إلى اختبارِ حبَّ الله، الذي في شخصهما يحبُّ الإنسانيّةَ كلها. لقد جعلتْ الخطيئةُ الأصليّةُ من الجنسَ وسيلةٍ مطبوعةٍ بالأنانيّةِ، ولذلك فإنَّ القدرةَ على التخلّي عن الانجراف وراءِ الأهواءِ هو أحدٌ البراهينِ الأكثرِ قوةٍ للشخصِ المحبوبِ، الذي يدرك بدوره أنَّ الآخرَ يحبه بشكلٍ كاملٍ وأنَّه مُستعدٌ مِن أجله للتَّخلّي عن أي شيء؛ إنَّ هذا البرهانَ هو برهانُ الأمانةِ أو الإخلاصِ، التي هي الخاصيّةُ الأساسيّةُ المُميزة لحبِّ الله.

ينبغي أنْ تكون الأمانةُ الزَّوجيّةُ حقيقةً فريدةً وثمينةً بوفاءِ الشَّريكين لبعضهما؛ إذ يربط القديسُ بولس بين أمانةِ الزَّوجين نحو بعضهما وأمانةُ المسيحِ نحو كنيسته، فيقول إنَّه "سرٌّ عظيمٌ"؛ فالحديثُ هنا يدور حول سرٌّ حقيقيّ: حيث يتشابه حبُّ الرَّجلِ والمرأةِ مع حبِّ المسيحِ لكنيسته[32]. فكما وُلدتْ حواء مِن ضلعِ آدم، هكذا وُلدتْ الكنيسةِ مِن جنبِ المسيحِ المفتوحِ.

المعنى الرَّوحيّ يتحاشى المثاليّةَ في الجنسِ

        رأينا أنَّ المعنى الرَّوحيّ يصل إلى الكشفَ عن الحقيقةِ النهائيّةِ للجنسِ، التي هي الحقيقةِ الأسراريّةِ. ومِن المؤكدِ الآن أنَّه بدون الفهمِ الرَّوحيّ لهذه الحقيقةِ، فإن التَّفكيرُ التأملي حول الموضوعِ يمكن أنْ يخدعنا ويضللنا، وقد يقودنا إلى مثاليّةِ مغلوطةِ تقودنا بدورها إلى نوعٍ مِن عبادةِ الأصنامِ، تأليهٍ للجنسِ؛ وبالتَّالي يمكنها أمام عدمِ التَّوافقِ المُستمرِ مع الواقعِ المعاشِ أنْ تنتهي بنا، إلى خيبةِ أملٍ مريرةٍ.

فالمثاليّةٌ، عندما تصطدم مع الحياةِ، تُنشئ ردةَ فعلٍ عكسيّة؛ فبدلاً مِن المثاليّةِ المزعومةِ، تَنشأ رؤيّةٌ طبيعيّةٍ أي رؤيةٌ ماديّةٌ للجنسِ، ومِن ثَمَّ يحمل عدمُ التوافق بين الواقعِ الفعليّ المُعاشِ الناتج من المثاليّةِ، إلى اتهام الأشخاصِ والشَّكوى منهم؛ فيبدأ الشَّريكان في إلقاءِ اللوم على الظروفِ والأحوالِ، أو يعتقدَ أحدهما تحت الإحساس بالذَّنبِ، بعدمِ قدرته على أنْ يحيا الجنسَ بشكلٍ سليمٍ.

عندما ننظر إلى المراحلِ التَّاريخيّةِ المُختلفةِ والثَّقافاتِ المُتنَّوعةِ، يتضح لنا وكأنَّ بعضَ الثَّقافاتِ، كانتْ تُؤلّه الجنسَ، واضعةً إياه في صبغاتٍ تصوفيّةٍ؛ في حين أنَّ  المجتمعَ وقتها لم يكن قادراً بَعدُ على أنْ يحيا هذه الصبغاتِ التَّصوفيّةِ بشكلٍ مُتزنٍ. حدث نفسُ الأمرِ أيضاً في البيئاتِ الثَّقافيّةِ التي تمَّ فيها تأسيسُ "مثاليّةٍ أخلاقيّةٍ/ فلسفيّةٍ" كبيرةٍ مُتعلِّقةٍ بالجنسِ، فبالمثلِ لم تكن الناسُ حينئذٍ قادرة أنْ تحيا مثلَ هذه المثاليّاتِ؛ فكانوا مِن ثَمَّ يصطدمون بالواقعِ المُعاشِ المُختلفِ تماماً عن المثاليّةِ؛ وقد انتهى بهم الحالُ لأنْ يبتكروا لأنفسهم مجالات أخرى للهروبِ والتَّنفيسِ.

وعلى عكس ذلك، نجد أنَّ الثَّقافةَ العبرانيّةَ، قد اعتبرتْ دائماً الجنسَ جزءً طبيعيّاً مألوفاً مِن الحياة؛ فكلُّ ما هو إنسانيّ أصيلٌ يتداخل ويرتبط بانسجام مع الواقعِ اليوميّ المُعاشِ. ولقد كشف المسيحُ عن المعنى الحقيقيّ الرُّوحيّ والخلاصيّ للجنس، رافعاً إياه إلى المستوى الأسراريّ. فليس "السرّ" نوع مِن عبادةِ الأصنامِ، "أي تأليهٍ لأمرٍ ما"، ولا هو أيضاً نوعٌ مِن "المثاليّةِ"، إنَّما هو "تحويلٌ وتجديدٌ"؛ بل وأكثر مِن هذا، فالجنس هو تحوُّلٌ للخليقةِ في المسيحِ بواسطةِ طاقاتِ الرُّوحِ القدسِ كتحوُّلِ الخبزِ والخمرِ؛ إنَّه وصولٌ نعمةِ الله إلى الإنسانِ بشكلٍ مُدركٍ وملموسٍ، ولكنَّه ليس نوعاً مِن السَّحر ولا يتعارض مع عمليةِ الخلقِ، بل بالأحرى هو كمالها المُتناغمُ. وعندما نقول "كمالها المُتناغمُ" لا يعني ذلك "رومانسيّةً" مغلوطةً؛ ولكنه يفترض مُسبقاً مسيرةَ الفصحِ، أي مسيرةَ الحبِّ الذي يخلص بفضلِ التَّضحيّةِ بالذِّاتِ.

إنَّ الحبَّ الزَّوجيّ هو مسيرةٌ تمرُّ بكثير من الصُّعوباتِ والاضطراباتِ، تمر بفترات من عدمِ التَّفاهمِ والصَّمتِ بل قد تصل إلى الإهاناتِ؛ ولكنَّ الحبَّ، يُقنع الشَّخصَ بأنَّه عندما يموت بسبب الإصرار على استمرار الشَّركةِ فلن ينتهي في الظِّلامِ وإنَّما يعبر دائماً إلى النورِ. وعندما يحيا الزَّوجان هذه الشَّركةِ الشَّخصيّةِ في حياتهما اليوميّةِ، صداقةٌ روحيّةٌ، يجعل البُعدَ الجنسيّ بمعناه الضِّيقِ يحتل مكانةً دائماً أقلَ في العَلاقةِ بين الزَّوجين.

خطواتُ نضوجِ الحبِّ نحو الرُّؤيةِ الأسراريّةِ

للانتقالِ مِن الحبِّ العاطفيّ العشقِ إلى الحبِّ الزَّوجيّ، هناك بعضُ المراحل الخاصّةِ بمثلِ هذه المسيرةِ، تحتاج إلى التَّقديرِ والأخذِ بعينِ الاعتبار. ومع ذلك، ينبغي أنْ يستدعي انتباهنا أيضاً ما يجب فعله، وما يلزم وضعه في الاعتبارِ دون أن نتجاهل ما لا يجب فعله.

·        المُحاورُ الرُّوحيّ "المُرشدُ الرُّوحيّ"

تعاني العائلةُ اليومَ من صعوباتٍ مَلحوظةٍ؛ فالشبابُ المُقبلون على الزواج غالباً ما لا يجدون في عائلاتهم صداقةً روحيّةً توجههم وتقودهم لمواجهة متطلبات الحياة الجديدة، فمن ثَمَّ يبحثون لهم عن مُحاورٍ روحيّ في مكانٍ آخر. وغالباً ما يكون هذا المُحاورُ الرُّوحيّ إمَّا زوجين قد تزوجا مُنذ بضع سنواتٍ، وإمَّا كاهناً أو مُكرَّساً ناضجاً روحيّاً. ويعتبر مِن الحكمةِ أنْ يختارَ الشَّريكان في مرحلةِ العشقِ، فترةِ ما قبل الزواج، محاوراً من النوعيّةِ الجيدة، لأنَّنا نعيش اليومَ في عالمٍ متعارض في ثقافتهٍ مع الكثير من قيمِ الحبِّ الذي يجب أن يقوم بين الرَّجلِ والمرأةِ؛ بل لا نبالغ إذ نقول أن الثقافة المُعاصرة تمثل كثير من العقباتٍ والصعوباتٍ للحبُّ الزَّوجيّ والعائلةُ. ولذلك فقَبل اختيارِ المُحاورِ الرُّوحيّ، ينبغي التَّحقُّقُ أولاً مِن أنَّه ناضجٌ حقاً عاطفياً، ولديه صفاتُ وملامحُ الأُبوةِ/ الأُمومةِ الرُّوحيّةِ، وله قلبٌ صاف خالٍ مِن أيِّ مصالحٍ شخصيّةٍ مُتعلِّقةٍ بأحدِ الشريكين، وهدفه الأوحد أن يساعد الشخصين في تحقيقِ إرادةِ الله في حياتهما، كي يصلا إلى الحبِّ والحريّةِ.

وطالما أنَّ الخطيبين لم يتزوجا بَعدُ، فمِن المهمِ أنْ يفهما ويُقدِّرا أنَّ الأبَ الرُّوحيّ يبغي خيرهما هما الاثنين؛ ومِن المهمِ أيضاً، وعلى قدرِ المُستطاعِ، ألا يُشعرهما الأبُ الرُّوحيّ ذاته بأنَّه راضٍ عن زواجهما، أو أنَّه على العكس رافضٌ له. فغالباً ما تنشأ عواقبِ وخيمةِ عندما يتدخَّل الأبُ الرُّوحيّ في شئونِ الشَّريكين ويوجههما بدلاً مِن أن يرافقهما في مسيرةِ اكتشاف. وينبغي أنْ يكونَ هذا الشَّخصُ ذو خبرةٍ كافيّةٍ، ولديه معرفةٌ جيدةٌ بالعالمِ والواقعِ، ويعرف أيضاً ثقافةَ الشَّبابِ، وعلي وعي جيد بمراحلِ النموِ الرُّوحيّ؛ ومِن الضروري أيضاً ألا يكونَ فضوليّاً أو مُتَطفلاً أو محباً للتَّحريّ والتَّنقيبِ، وألا يتدخِّل بالذَّات في المجالِ الأخلاقيّ المُتعلِّقِ بالألفةِ والمودةِ الجسديّةِ بين الشريكين. ومِن الأفضلِ أنْ يجدَ الشَّريكان شخصاً يمكنهما أنْ يُخبراه بكلِّ شيءٍ بشفافيّةٍ كاملةٍ، حتى الصُّعوباتِ والشُّكوكِ المُرتبطةِ بالمستوى العاطفيّ؛ ولكن مِن الناحيّةِ الأخرى، مِن المهمِ أنْ يُجيدَ هذا الأبُ الرُّوحيّ استقبالَ كلِّ هذه الأمور وتقديمها لله كصلاةٍ، وأنْ يُحاولَ إيضاحَ وإنارةَ الأمور برؤيةٍ لاهوتيّةٍ وروحيّةٍ، دون أنْ يُقحمَ نفسه فيها.

مِن المهمِ أيضاً إيجادُ الوقت المُلائم لإقامِة حوار رُّوحيّ بين الثَّلاثةِ، الشَّريكين والأبُ الرُّوحيّ، ومِن المهمِ تدريبُ الشَّريكين على خصوصية السرِّ المصونِ للضميرِ الشَّخصيّ. ومِن المفيدِ أيضاً ألا يطلب أيٌّ مِن الخطيبين مِن الآخر أنْ يروي كلَّ شيءٍ أمام الأبِ الرُّوحيّ، وإنَّما عليهما التَّحدُّثَ بشكلٍ شخصيّ معه. وينبغي على الأبِ الرُّوحيّ بدوره، أنْ يكونَ مُنتبهاً لكلِّ ما يسمعه مِن كلٍّ منهما، وأنْ يتوخى الحذرَ في استعمالِ ما يسمعه، فأحياناً يجب عليه أنْ يلتزمَ الصَّمتَ تماماً؛ فواجبه الأساسيّ هو أنْ يُقود الشَّخصين باستمرارٍ نحو رؤيةٍ شاملةٍ، وعَلاقة منطقِية واستبصارِ واستنارةِ فصحيّةِ؛ فهو يقوم بشكلٍ مُتواصلٍ بمساعدةِ الشَّريكين على الانفتاحِ نحو الاستبصارِ الحقيقيّ مِن خلالِ فكره الرُّوحي، حتى يتجنبوا البطولاتَ الزائفة والتَّضحيّاتِ الوهمية والأحلامَ الرومانسيّةَ ويتفادوا الانهيارات العصبيّةَ...إلخ

وعليه أنْ يُذكِّرهما أحياناً بأنْ يأخذا أحد الأبعاد بعينِ الاعتبارِ في وقتٍ مُعيَّنٍ، وفي وقتٍ آخرَ يقدّم لهما بُعداً آخرَ، ثُمَّ يعود لربطه مِن جديدٍ بالبُعدِ الأولِ، حتى تكونَ هناك استمراريّةٌ. ولا يجب أنْ تُفهمَ هذه وكأنَّها مراحلٌ زمنيّةٌ إنَّما كأبعادٍ للحبِّ؛ حيث ينتبه الشَّريكان لبُعدٍ معين في فترةٍ محددة، ثُمَّ مِن خلالِ الصِّلةِ الباطنيّةِ، يكتشفان بُعداً آخرَ...

·        مُذَكِراتُ الحبِّ

يُحبَّذ أنْ يُقومَ المحبوبان، مُنذ بدايةِ عَلاقتهما، بكتابةِ نوع مِن اليوميات لحبهم. ويُنصح بقدرٍ كبيرٍ مِن الاعتدالِ، أي بأنْ يُكتبَ القليلَ وأنَ يُكتبَ فقط ما هو جوهريّ. فلا شكٌ في أنَّ هذه المُذَكِراتَ تخدم بشكلٍ خاصٍ في تسجيلِ كلِّ ما يكتشفه الشَّخصُ في مسيرةِ نموه في الحبِّ؛ إنَّها مُذكَّرات النموِ في المعرفةِ، لأنَّها تُصبح بالفعلِ قصةَ حبٍّ "روايةً". والمبدأ الذي يقودَ الشَّخصَ في كتابةِ هذه المُذكَّراتِ هو مبدأٌ كتابيّ؛ فكما أقام يعقوب حجراً كتذكارٍ للحظةٍ مُهمةٍ في عَلاقته بالله، هكذا بواسطةِ هذه المُذكَّراتِِ يبدأ الشَّخصُ المحب أيضاً في تميزِ علاماتِ الحبِّ الحقيقيّةِ الأولى التي بدأت تظهر في حياته. بهذا الشَّكلِ يتعلَّمَ الاهتمامَ بجوانبِ من الحياةِ، ينيرها ويقودها الحبُّ. وهكذا يمكن أنْ تُصبحَ هذه المُذكَّراتُ أداةِ لتسجيلِ ووصفِ كيفيّةِ وصولِ خلاصِ المسيحِ من خلال الحب إلى الشَّخصين.

ولاحظتُ أنَّ محتوى المُذكَّراتِ اليوميّةِ يُمكن أنْ يُصبحَ في غايةِ الأهميةِ خلالِ مسيرةِ الحياةِ الزَّوجيّةِ؛ لاسيما في اللحظاتٌ العصيبةٌ، أوقات الإحباط، أو الشكٌّ، أو الجفافٍ، قال لي كثير مِن الأزواجِ أنْ مُذكَّراتَ يومياتِ حبهمِ كانتْ بالنسبةِ لهم، في تلك اللحظاتِ، كتذكارٍ لكلِّ ما هما عليه الآن ولكل ما يصبحانه؛ وأيضاً كنوعٍ مِن النورِ لخطواتِ مسيرتهم. وليس هذا فحسب، فإنني أرى اليومَ الأولادَ عندما ينمون ويصلون لسنِ 12- 15 عاماً، أراهم يملكون الكثيرَ مِن الأسئلةِ التي تتعلَّق أيضاً ببابا وماما؛ وقد رأيتُ كم تكون سعادتهم غامرة ورضاهم عميقاً عندما يقوم أحد الوالدين بقراءةِ شيئاً مِن هذه "المُذكَّراتِ السِّريّةِ"، على حدِّ تعبيرِ أحد الأبناء.

·        معرفةٌ عميقةٌ للذاتِ وللآخرَ

مِن المهمِ أنْ تتمَّ مُساعدةُ الشَّخصين على توجيهِ انتباههما إلى تعميق معرفتهما بأنفسهما لأنهما في مرحلةِ تغييرٍ مُستمرٍ مُنذ بداية العَلاقةُ بينهما. فإنْ كان الحبُّ القائمُ بينهما هو حبُّ حقيقيّ، فسيبدأ كلاهما بالتَّالي، في مُلاحظةِ قدراته ومواهبه وطباعه التي كان غيرَ مُدركٍ لها مِن قَبل؛ وسيبدأ أيضاً، بشكلٍ مُتواصلٍ، في النظرِ إلى نفسه مِن خلالِ نظرةِ الحبِّ الجامعةٌ؛ فالآخرُ بالتَّحديدِ هو الذي يُساعد في تعميق لمسيرة معرفة الذات. كما ينبغي تذكيرُ الشَّخصِ، مِن حينٍ إلى آخرَ، وتوجيهِ انتباهه، لأنَّه يمكن أنْ يمرَّ بفتراتِ تفاؤلٍ وحماسٍ ومثاليّةٍ، أو على العكس بفتراتِ إحباطٍ وانهيار؛ فهو بذلك يتمكَّن مِن أنْ يكتشفَ خطوةً بخطوةً عدمَ انسجامه وتأقلمه معِ المناطقِ المُظلمةِ في شخصيته.

يحتاج الشَّخصُ إلى النموِ حتى يصلَ إلى تكوين نظرةٍ قادرةٍ على الجمعِ معاً بين الخيرِ الذي يحياه والخيرِ الذي لم يصلْ إليه بَعدُ، وبين كلِّ ما يوجد فيه وكلِّ ما هو ناقصٌ بَعدُ، وبين المميزات والنقائص، وحتى يصلَ أيضاً إلى نظرةٍ قادرةٍ على تَفهُّمِ الدَّعوةِ إلى حبِّ الآخرَ مِن خلالِ كلِّ خصائصه الشَّخصيّة، ومِن خلالِ كلِّ مُميزاته وعيوبه الخاصةِ؛ فيكون عندئذٍ قادراً على أنْ يقولَ للمحبوبِ: "أُحبُّكَ بكلِّ ما أنا عليه، أُحبُّكَ كما أنا".

وعلى هذا المنوالِ نفسه، ينبغي الوصولُ إلى معرفةٍ مُتدرِّجةٍ ومُتواصلةٍ لشريكِ الحياةِ؛ فيتمُّ الانتقالُ خلالِ مسيرةٍ شاقةٍ وصعبةٍ، مِن معرفةٍ عامةٍ و"إجماليّةٍ" إلى اكتشافِ الآخرَ في تفاصيله وجزئياته؛ ومع ذلك، تبقى هناك صعوبةٌ في الوصول إلى الرؤيةِ الكليّةِ؛ حيث غالباً ما يحدث نزوعٌ إلى إعطاءِ المُطلقيّةِ لجانبٍ مُعيَّنٍ أو لخاصية ما. وعلى كلِّ حالٍ، سيصل الشَّخصُ إلى النَّضوجِ في معرفةِ الآخرَ، عندما يتمُّ اكتشافُ عيوبِه ومناطقهِ المُظلمةِ؛ ولكنَّ يظل الحبَّ، مع ذلك، قادرٌ على احتوائها ووضعها في داخلِ العَلاقةِ، بدون أنْ يجعلَ الشَّخصُ مِن نفسه مُخلِّصاً للآخرَ مُعتبراً إياه مِسكيناً، وأيضاً بدون أنْ يدفعَ ذلك الآخرَ إلى الاستسلامِ شاعراً بأنَّ الآخر  أرفعُ منه مُقاماً. فمن الضَّروريّ إذن أن تتم تلك المعرفةُ الواقعيّةُ التي بفضلهاِ يتأصَّل الشَّخصُ ليس فقط في التَّضحيّةِ، إنَّما أيضاً في القيامةِ مع الآخرِ. وعند هذه المرحلةِ، يظهر غالباً نوعٌ مِن "التَّحركِ نحو الآخر" ولذلك يبدأ الشَّخصُ في تقويمِ الآخرِ بدايةً مِن الأمورِ الصَّغيرةِ السَّطحيّةِ: كالأذواقِ، وكالعاداتِ، ...إلخ، وصولاً إلى المسائلِ الرَّئيسيّةِ المُتعلِّقةِ بالإيمانِ وبالحقيقةِ.

سيحتاج الشَّخصان إلى مسيرةٍ بطيئةٍ وفي غايةِ الصُّعوبةِ مِن أجلِ الوصولِ إلى الفطنةِ التي مِن خلالها يمكن لأحدهما أنْ يوجّه للآخرِ ملحوظة لكي يُصلحه، فسيحدث ذلك فقط عندما يقبله هكذا كما هو. فمِن خلالِ الفطنةِ يقدر الشَّخصُ أنْ يُظهرَ كلَّ شيءٍ للآخرِ، في حركةٍ مِن الدَّاخلِ إلى الخارجِ، حتى يجعلَه يفهم أنَّه يُقدِّر كرامته وجمال إنسانه الباطنيّ، وحتى يجعله يفهم أيضاً أنَّه عندما يقول له شيئاً فهو يهدف فقط إلى مساعدته لتجاوزِ بعضَ تعبيراته الخارجيّةِ العَرَضيّةِ التي لا تنسجم مع إنسانه الدَّاخليّ.

·        العائلةُ والأصدقاءُ كمجالٍ للمراجعةِ والتقويمِ

إنْ كان العشقُ حقيقيّاً وإنْ أمكنه أنْ يَنضجَ إلى حبٍّ؛ فإنَّ أول مَن يدرك ذلك هم بالطبعِ أولئك الذين يعيشون بالقربِ مِن الحبيبين. فحينْ يبدأ الحبُّ داخلِ الشَّخصين، يكون التَّحقُّقَ الأكيدَ منه هو ذاك الذي يتمُّ مِن خلالِ العَلاقاتِ؛ حيث يبدأ الشَّخصُ في تغيير علاقته بالأبِ، والأمِ وبالأخوةِ، والأصدقاءِ، وبكلِّ الأشخاصِ القريبين جداً منه. ولكن إنْ حدثَ العكس، أي حمل العشقُ الشريكين إلى الانعزال عن العائلةِ والأصدقاءِ، فهذا علامةٌ على أنَّه لا يزال الأمرٌ ليس على ما يرام.

يحملُ الحب إلى انسلاخٍ مِِن العائلةِ؛ وهذا أمرٌ سليمٌ ومفهومٌ، لأنَّه يتعلِّق بابنٍ يُوشك على أنْ يتركَ أبيه وأمه ليتحد بامرأته، ليصبحا هو وهي "جسداً واحداً"؛ وإنْ كان التَّطورُ في العَلاقةِ صحيحٌ وسليمٌ، فإنَّ العَلاقةَ مع الوالدين ستصبح تدريجيّاً أقلَ شموليّةً على المستوى العاطفيّ، ولكنَّها ستصبح تدريجيّاً أكثرَ وعياً بالحبِّ الذي هو أساسها؛ فيبدأ الشَّريكان في إعطاءِ مجالٍ للشعورٍ بالعرفانِ بالجميلِ مِن أجلِ كلِّ ما تلقياه في حياتهما مِن قِبْل الوالدين؛ ويمكنهما أيضاً أنْ يسألاهما النصيحةَ، ولكن دائماً كشخصين ناضجين. أما إذا كان الوالدين مِن صُنِّاعِ المشاكلِ، ينبغي أنْ يكونَ موقفُ الشَّريكين في مثلِ هذه الحالةِ موقفِ الحبِّ الذي يتألم والقادر على أنْ يُزيلَ الكراهيةَ والعداءَ والاتهاماتَ مِن داخلِ قلوبِ الأشخاصِ؛ وينبغي هنا أنَ يواصلَ الشَّابان مسيرتهما بدون جرح لوالديّه، أو احتقارٍ لهما؛ بل بالأحرى عليهما مواصلة المسيرةَ برغم الألمِ الذي يُميِّز العَلاقةَ الناضجةَ القادرةَ على قَبولِ حتى الألمِ؛ وهذا النوعِ مِن العَلاقةِ أفضلُ مِن عَلاقةٍ قادرةٍ على القيامِ "بالعملياتِ الحسابيّةِ" والتّي تأخذ بمعاييرِ العالمِ في الحكمِ على الأمورِ.

فمِن المهمِ إذن الوصولُ إلى انسجامٍ طيبٍ في البيتِ؛ لأنَّه حيث لا يوجد هذا الانسجامُ، فإنَّ الحب يُمكن أنْ يُصبح مملوءً بالمتاعبِ، ومعه تزداد حياةُ الشَّريكين مشاكل هما في غنى عنها. وأمَّا بشأنِ العَلاقةِ مع الآخرين، فمِن المهمِ أيضاً التَّحقُّق مِن طريقِ ردّ الفعلِ والتصرُّفِ أمام الناسِ في المجتمعِ. فينبغي أنْ يعيشَ الشَّخصان حباً يتجِّه نحو نضوج حقيقي، في انفتاح على الآخر وعلى المجتمعِ؛ فالش