المحـبّة والعــدل، ركيزتان لكلّ حـــــــــوار بيـــن الأديان


المحرر موضوع: المحـبّة والعــدل، ركيزتان لكلّ حـــــــــوار بيـــن الأديان  (زيارة 1472 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل الأب يوسف توما

  • عضو جديد
  • *
  • مشاركة: 1
    • مشاهدة الملف الشخصي
(الفكر المسيحي)
[/b][/color]

الأب د. يوسف توما، رئيس تحرير مجلة


نُسمّيها الديانات الكتابيّة، وهذا علامة رقي، فالكتاب يعني المعرفة، والمعرفة لا تقتصر على حرف الكتاب وإنما تَعبر إلى وجدان القارئ، وتتحوّل إلى طعام لروحه، فيصير هو بعينه كتابًا بل يصبح كلمة واحدة، تُعلن وحدانية الله ووحدانيّة الإنسانيّة، وهاتان هما العامل الفعال في جمع الإنسان على نفسه، فالإنسان الناضج واحد، قبل أن يكون متحدًا بالناس. وحدة كيانه واتفاق "أجزائه" هما دعوة الله إليه، فمن يرى، إذن، في اختلاف الناس مشكلة لهو قصير النظر، لا يرى أن التفاوت أفقي وعمودي، ثقافي وحضاري، لكن الوحدة مرئيّة في تقاطعهما، ومن له عين ترى سيرى، ومن له أذن تسمع سيسمع.
نقول إن كلام الله في الكتاب، أو من خلال نبيّ ما، أو في شخص ما، يتوجّه إلى كل إنسان، كي يصبح هذا ناطقًا بالتسبيح والحمد والشكر لذاك الأكبر الذي رضي بالإنسان، فخلقه واقترب منه: اليهوديّة تقول خلقه والمسيحيّة تقول أحبه والإسلام يقول علّمه، والمعنى واحد، لأني موجود لأعرف ما أحب وأحب ما اعرف، فالله ناطق في الديانات الثلاث، لكن هل نسمع ما يقول الله؟
في ما يأتي ثلاثة محاور، ننطلق منها لنصل إلى الحوار بين الأديان، يبدأ ولا يتعب - كينبوع القرية: كل الأجيال تشرب منه، ومع ذلك ماؤه دائمًا جديد متجدّد لذيذ:
1- في البدء كان الحوار 
الحوار جزء من مسار كل باحث، فهو في وجدانه وقلبه، يبحث عن سرّ الحضور الإلهي. وهناك وحدة في المصدر الإيماني، ما قبل كلّ وحي في الديانات الكتابيّة: اليهودية والمسيحية والإسلام، فالحوار منذ البدء قائم بين السماء والأرض، بين الله والإنسان.
أي إن هناك وحيًا قبل الوحي، في تنوّع الكشف والتجلّيات الإلهية. في اختبار سر هذا الوحي من عمق التراب إلى بهاء السماء، ليلتقي الذات المطلقة السامية، ويتم الفصل ما بين الدين والوحي. الدين حركة تصاعدية من قلب الكون والإنسان إلى الخالق. أما الوحي فنزول من الخـالق مجاني، ومحبّة لملاقاة البشرية والإنسان.
الإيمان في جوهره واحد، أما أسلوب التعبير عنه فمتنوع، لأن أساس الإيمان قائم على الشوق إلى الله، كفراغ تنعكس فيه صورة الله، فالإنسان يبحث عن راحة وحماية ومعنى لذاته، ولا يتحقق ذلك إلا في تبادل مع المطلق المقدس. وفكرة المقدّس تضرب جذورها في قعر وجدان الكائن البشري لتنطلق إلى الجماعة.
هناك خالق يكشف عن سره وعن ذاته باستمرار، والإنسانية يزداد فيها التوق والشوق بشكل مطّرد، فيستجيب الله في تجلّيات متنوعة، تحت أشكال كشف إلهي خاضع للزمان والمكان والظروف الاجتماعية ونضج القلب والعقل لدى الفرد.
هذا المقدس هو سيّد الحياة، يظهر في الشعوب، أي في قيمها الثقافيّة والحضاريّة. لكنّ الإختلاف اللاهوتي في تصوّر الإنسان لإلهه لا يلغي وحدة الله، ولا معنى سعي الإنسان، فينبوع الحوار يقوم على وحدة المصدر وتنوّع الاختيارات.
إن الله تعالى لا يمكن أن يُستنفذ ولا أن يُختزَل ولا أن يُستأثَر به من قبل أي دين، فمحبته وإخلاصه ورحمته أعطيت لجميع الناس، والاختيار أعطي لجميع البشر، لأنه هو خالق البشرية بأسرها، وليس اختياره لشعب أو لجماعة ما كي تتميز عن البقية، فالناس كلهم عيال الله. البشرية مختارة ومدعوّة لأن تترقّى صاعدة من ترابيّة لحمها وأشواقها، مطهّرة بعشقها لأبعد من الصورة والأيقونة والحواس والطقوس. لذا فبذار الحقيقة منثورة في جميع الأديان، ولا يمكن لأحد احتكار الله في دين أو مجتمع أو طائفة أو مذهب، بل على كل واحد أن يقرأ ذاته، ويقرأ الآخرين ليفهم ذاته ويتعلم كيف يحاور، فإن كان الله قد كلّمنا ليكشف عن حضوره وحبّه للجميع وليس لنا فقط، فلا انتقاص للإنسانية في جهلها أو وثنيتها أو وحيها المختلف. بل هنا، بسبب وحدانية الله، وحدة في مسار يندرج من العتمة إلى النور، من الصنم إلى المجرّد، من التلمّس إلى الانبهار، في حال حوار تاريخي لا ينتهي إلا مع نهاية الأيام.
يقول العهد الجديد: "كلّم الله آباءنا من قديم الزمان بلسان الأنبياء مرات كثيرة وبمختلف الوسائل، ولكنّه في هذه الأيام الأخيرة كلّمنا بابنه الذي جعله وارثًا لكل شيء، وبه خلق العالم" (الرسالة إلى العبرانيين 1/1)، أي إن هناك تقاطعًا في الدين، صاعدًا من هنا، من تحت، ونازل هابط بالوحي، من هناك، من فوق. لذا يرتبط اللاهوت بشكل حميم بكل من الجغرافيا والإجتماع، أي إن ظهور كلام الله هو تاريخي سماوي وهو أيضًا أرضي.
هذه هي الأنواع الكثيرة التي بها كلم الله آباءنا، أي هنالك لاهوت للسماوات وللشمس والقمر والنجوم، ولاهوت للأرض في أشجارها وأنهارها وجبالها وصحاريها وفصولها ومواسمها وكائناتها. كل شيء يمكن أن يحاور مع الكلّي الأزلي المتعالي. من هنا، يتوجّب علينا استقراء النص المقدّس واستحداثه في حركة تربط النص بالزمان والمكان والإنسان وأسراره واستمرار الوحي.
والتاريخ في صيرورة وجدلية، يطوّر العقيدة ويخصبها، يطهّرها بفعل النقد العقلي، وينطلق من عمليّة جديدة لأناس جُدد قدِموا إلى التاريخ، أي جاءوا إليه حاملين إيمانهم وصعوباتهم، فيقومون باختبار جديد لله، ولهم الحق في ذلك، وإن شطحوا أحيانًا يَترك لهم الوقت ليعودوا إلى الله في اهتداء وتوبة، ولا يحقّ لأحد أن يحكم على نياتهم، فالطبيب يحكم على المرض لا على المريض. والعقائد مهما كانت ليست قبل الإنسان ولا أفضل من حياته، لئلا تصبح متاحف جامدة يحرسها موظفون قائمون على حمايتها وخدمتها والدفاع عنها والإستفادة منها... فالله ليس في حاجة إلى موظفين، وإنما إلى عبّاد أتقياء كرماء يُحبّون، ويشرق نورهم على الجميع بحلمهم وغفرانهم.
كل شيء يتطوّر كي يتطهّر، وإلا غرق المقدس في طقوسيّة شكليّة تبتعد عن حقيقة الإيمان، وتتيه في مظاهر دينية تغلب عليها القسوة والوحشية الشرائعية، لتصل إلى تبرير القتل باسم الدين، وتخلط بين الإيمان والإرهاب، مبتعدة عن حق الدفاع عن النفس والحرية والكرامة وحرية العقل المعتقد والضمير والنقد، فتعود بالإنسان إلى زمن السحر والمحرّمات.
2- نسبيّة الحقيقة من جانب الإنسان
الأساس الثاني للحوار هو اعتماد نسبيّة الحقيقة من جهة البشر. فالحقيقة نسبية في تجسّداتها. ونسبيتها هذه تسمح للقلوب بأن تتفتح على مناداة الله ومناجاته في الصلاة، وعلى مناداة الآخر في محبّة وعدل ورحمة وسلام. لأن من أهم أسس الحوار بين الأديان التوحيديّة هي الالتزام بالنظر إلى وجه الله المشرق بحنان وسلام. فالله في جوهره خالق عن مودّة. والله محبة. وهذا هو المدخل الحقيقي للحوار. وقد تجلّى كلامه في ربوعنا، فانجذبت البشرية بأسرها إلى وجه هذا المتعالي، وهو قاسم مشترك حقيقي للحوار، أي الإنجذاب إلى وجه الله، كما قال الكثير من المتصوفين والأولياء وعشاق وجه الله.
إن الإفتتان بالنور الإلهي، في اعتقادي، هو جامع مشترك حقيقي لكل حوار بين أدياننا. إنه مضمون مشترك ومساحة لاهوتية مضيئة في رحبة المدى بدون الدخول في المضامين العقائدية، بل هو تقارب بروح التراحم والخشوع والصلاة. الوجه الإلهي زوّد انتظار النبوءات، وغذّى المؤمنين بالخلاص والحب والرقّة والحنان، وزوّدهم جميعًا شعرًا ورسمًا وخيالاً وفنًا وقضيّة جمالية إبداعية. نطلّ من خلال ذلك الوجه على جميع الثورات الجمالية والاجتماعية والثقافية والحضارية، في بعد إبراهيمي كتابي موحّد، يدعو أولاده إلى المحبة والعدل والحرية والأخوّة وحتى إلى محبة الأعداء في مسح صفحات الماضي، فكلنا إخوة من رحم واحد، رحم الإيمان ورحم الخلق في حوّاء.
فالديانات الكتابية إذن مدعوّة إلى بناء حضارة حوار المحبة بين أبناء إبراهيم، القائمين معًا بشموع وبخور وصوم وصلاة، كي تكون هذه مقبولة من الخالق "أبينا الذي في السماوات...".
3-  في المحبّة والعدل تستقيم الأحوال وتُعدّ الطريق لكل حوار
- يُدعى كل مؤمن حقيقي إلى فرح اللقاء حتى بالأعداء فيقال له : "أحبوا أعداءكم" (متى 5/44). وفي هذا المسار لا حدود في الحوار، إذ كي نتحاور يجب أن نكون اثنين. فلا حوار في العزلة، كما لا نغمة في قصبة لم تشقّ. ولا نهر بضفة واحدة. كي نتحاور يجب أن نكون، أنا وأنت، في قبول ايجابي، وليس فقط بمجرّد التسامح والتغاضي. بل بقرار كياني في حق ذلك الآخر في الوجود والإختلاف، وفي حقه في الكينونة التامّة، إذ لسنا هنا نعيش لاقتناص الفرص فقط، ولا في انتظار إلغاء الآخر والانقضاض عليه. بل نحن على موعد مع تكامل وجودنا بإطلالة الآخر، وإقباله إلينا في فرح لقاء ووجود. إنّ التسامح مدخل إلى "شفقة" وجودية فقط، ففي تدميرنا للآخر لا ندمّر إلا ذواتنا، فينهدم فرح التعارف، فالحقيقة إنّ دعوة الكتاب: "لتعارفوا"، هي سر الوجود المنشود والمرسوم للحياة الفاضلة: "أنا أحب وأعرف الآخر، فإذن أنا موجود، وصالح لحياة الشراكة البشريّة التي ترضي الله".
وهنا تأخذ الخطيئة معناها الحقيقي. إنها الإنكفاء عن معرفة الله المقطوعة عن معرفة الآخر. والإكتفاء بالذات لا يُستمدّ منه أي معنى ولا أي قدرة، ولا يمكن أن يصل إلى تحقيق إرادة الله. فالجنة حضور أمام الله ومعرفته من خلال وجه الآخر الذي ينكشف في هذه الحياة. فهنا يبدأ الجحيم في انغلاقي على ذاتي، وبقائي في تراب ما قبل الخلق، وعودتي إليه بعزلتي وانفرادي.
- كما تدعو الأديان كلها إلى العدل ومحبة المساكين والفقراء ومساعدتهم. فهؤلاء جزء من أي حوار الآن وفي المستقبل، أي إننا بهم نُسهم في بناء "مدينة الله" القائمة على العدل والتعاضد، وإلا أصبحت مدينة الظلم القائمة على المجد والقوة والمال. بناء الحضارة اقتسام ومشاركة وهدم لهيكليّة الظلم والإستئثار. فالقضية اجتماعية ترتكز بحق على مستقبل الحوار، وشهادة الأخوّة علامة انتمائنا إلى الله الواحد، والعطاء علامة حقيقيّة لرحمة الله وقبولنا إياه، حتى لو كان ذلك بتقدمة مستورة متواضعة، نصف فلس كما يقول الإنجيل (متى 12/43).
الإقتسام مطلب الجماعة عاش بمقتضاه المؤمنون الأولون: "فالذين آمنوا كانوا جماعة واحدة يجعلون كل شيء مشتركا بينهم، يبيعون أملاكهم ويتقاسمون الثمن على قدر احتياج كل منهم" (أعمال الرسل 2/44). وبيت الخزانة لا يغيب عنه حق البؤساء والواجب نحو المساكين والمحرومين والأرملة واليتيم.
فالعدل (ويسمّى أيضًا البِرّ)، يجمع الديانات التوحيدّية، بمثابة مشروع رديف لأي حوار، إذ لا يمكن أن يُبنى أي مستقبل على الظلم وهدر حقوق الإنسان - رجلا كان أو امرأة.
وهذا ما يقوله الكتاب في سفر النبي إرميا: "ويل لمن يبني بيته بالظلم، ويعلّي غُرفه بغير حق، ويستخدم الآخرين بلا أجرة، ولا يوفي أحدًا عن عمله" (22/13). ويضيف النبي أشعيا: "ويل للذين يشترعون شرائع الظلم ويسنّون قوانين الجور، ليمنعوا العدل عن الفقراء، ويسلبوا المساكين حقّهم، ولتكون الأرامل غنيمتهم واليتامى نهبًا لهم" (10/1).
في الكتب المقدّسة تلتقي الدعوة إلى الحق ورفع الظلم. فيقول القديس يعقوب: "والأجور المستحقة للعمال الذين حصدوا حقولكم، التي سلبتموها، يرتفع صياحها، وصراخ الحاصدين وصلت إلى مسامع ربّ الجنود" (5/4).  كما نقرأ في القديس بولس : "ليس هناك عبد ولا سيّد ولا رجل ولا امرأة بل الكل واحد في المسيح"، ويضيف يوحنا: "إن من قال إنه يحب الله الذي لا يراه، وهو يبغض أخاه الذي يراه، فإنه كاذب". وكما قال المسيح: "أحبب الرب إلهك من كل قلبك وكل نفسك وكل ذهنك تلك هي الوصية الكبرى والأولى، والثانية مثلها أحبب قريبك كنفسك" (متّى 22/34)، ويضيف "لا تدينوا لئلا تُدانوا، فكما تدينون تدانون ويُكال لكم بما تكيلون" (متى 7/1).
يضاف إلى ذلك تعاليم آباء الكنيسة، ورسائل كل الأجيال اللاحقة التي راحت إلى أبعد من الشفقة والحسنة، فأمرت بتوزيع الثروات، وعدّت الفائض سرقة إذا لم يوزع على الفقراء والعمال، فالفائض حق مقدّس لجميع الناس. فقال باسيليوس الكبير: "الخبز الذي تحفظه في المخبأ هو ملك الجائعين، والثوب الذي تقفل عليه الخزانة هو ملك العراة، والحذاء الذي يتلف عندك هو ملك للحفاة، والذهب الذي تدفنه هو ملك للمحتاجين، فأنت مجحِف بحق الذين تستطيع أن تسد حاجاتهم ولا تفعل" (العظة رقم 6). وأضاف "أنت سارق إذا لم تعط المحتاجين".
أما يوحنّا فم الذهب فقال: "ليست الخيرات مُلكًا لك. إنها ملك مشترك لك ولأخيك كما السماء والأرض وكل شيء آخر هو مشترك".  الحب إذن يؤسس للحوار، والعدل يشهد له. وذلك في أديان أولاد إبراهيم كلها.
 الخاتمة
على وحدة المصدر الإلهي نؤسس الحوار، وعلى أن الله محبة نؤسس العدل، فمحبّة الله تلك تجعل الرب يتجلّى فينا، من خلال محبتنا الآخر نؤسس للحوار ولحضارة جديدة، ونشهد بالعدل واقتسام خيرات الأرض في تضامن اجتماعي لا يميز بين إنسان وإنسان. فالجائع والمريض والمهاجر والمسكين، والمقهور والفقير والبائس كلهم "أيقونة" تعكس الوجه الإلهي الذي يريدنا إخوة، إذ لا يصلح الدين إذ قبل بعذاب الناس على الأرض. وسنحاسَب في آخر الزمان على الإحسان حتى لأعدائنا. فلنحاور إله السماء، انطلاقا من إخوّتنا على الأرض، ولنكن حقا أبناء الله وعياله. فيقوم على أيدينا تاريخ جديد ليس له نهاية، وليَنْتَهِ صراع الحضارات والأديان ليغدو حوار الحضارات والثقافات والناس والأديان. هذه هي المغامرة التي دُعينا إليها، فنطل بجرأة على الفرح الذي يكمن في البركة، وترقّب المستقبل، وهكذا سنتخلص من كآبة العنف والترويع والهلع والتعصب غير البصير المقترن بالقسوة والكراهيّة الذي راح يرسم فجر أيامنا.