عن الايمان واللغة تعليق على موضوع الحوار الساخن

المحرر موضوع: عن الايمان واللغة تعليق على موضوع الحوار الساخن  (زيارة 2230 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل المطران سعد سيروب

  • عضو فعال
  • **
  • مشاركة: 36
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
عن الايمان واللغة
تعليق على موضوع الحوار الساخن

شكراً للأخ يوحنا بيداويد على موضوعه. لقد قرأت موضوع الحوار الهادىء وأريد أن أعلّق عليه من وجهة نظري ككاهن في الكنيسة ومكرّس للمسيح من أجل الناس. أقدّر جيداً غيرة العديد من أخوتي وأخواتي الذين يحاولون الحفاظ على لغتهم، إلا أني أجد نفسي مدفوعاً للكلام عن هذا الموضوع وعن علاقة الكنيسة بمؤمنيها، والايمان باللغة. هذه بعض الملاحظات:
1.   الكنيسة هي جماعة موجودة من أجل الجميع. ومثلها حقيقة "الايمان" الذي يمثل جوهر الانسان: الانسان كائن يؤمن، يتسامى على ذاته باتجاه الآخر كلياً. لا يمكن للكنيسة، وكذلك حقيقة الايمان، أن تكون حبيسة لغة معينة ولا سجينة قومية معينة. قوة الكنيسة في قدرتها على تبني لغات عدّة لإيصال حقيقة الايمان الى الآخرين. اللغة أداة ووسيلة لا يمكن أن تكون غاية بحد ذاتها. الدين والايمان المُنغلق على لغته هو إيمان محدود وغير إرسالي، محدود باشكاله ومحدود بمواضيعه وطرق إيصاله.
2.   ان الكنيسة الأم ترغب أشد الرغبة في أن يحمل المؤمنين جميعهم على المشاركة الكاملة والواعية والفاعلة في احتفالات الليتورجيا هذه التي تقتضيها طبيعة الليترجيا نفسها، والتي أصبحت من حق الشعب المسيحي وواجبه، بفعل المعمودية، ولأنه جيل مختار وكهنوت ملوكي وأمة مقدسة وشعب مقتنى. (دستور عقائدي في الليتورجيا، رقم 4014). على الكنيسة أن تستخدم كلّ اللغات لكي ما تشرك الجميع في سرّ الخلاص. ولا يجب أن نفكر في العربية وحسب، بل في كل اللغات في الدول المتواجدة فيها كنيسة الشتات: الانكليزية، الالمانية، الفرنسية، السويدية، الدنماركية... الخ.
3.   أعظم اللغات عاشت منطق الموت والحياة. اللغة اللاتينية مثالاً كانت من أعظم لغات الارض وأكثرها أنتشاراً واستخداماً؛ كانت لغة الدين والثقافة والتعامل بكافة أشكاله. ومع ذلك، لم تستطع مقاومة شغف التغير والوعي واللغات المحلية ولم تقاوم قوة وضرورة نشر الايمان وأسبقيته. رأت الكنيسة بان اللغة صارت عائق في تنشيط الايمان وأحيائه، ولهذا أخذت الكنيسة اللاتينية القرار الشجاع بالترجمة الى اللغات المحلية، وبدأت نوعاً وشكلاً جديداً من الوحدة الكنسية والايمانية، لا تعتمد على اللغة، بل على اليقين والعلاقة بشخص يسوع المسيح.
4.   بسبب الحفاظ على اللغة عاشت الكنيسة زمناً من الرتابة والجمود والانفصال عن الواقع. بسبب اللغة عجزت كنيستنا عن تطوير صلواتها ومخاطبة ابنائها. بسبب اللغة لا نزال فقراء في الصلوات وفريسة لتكرار رهيب قتل تقريباً كلّ روحٍ خلاّقة وابداعية في نفوس ابنائنا وعلمائنا. فبسبب الحفاظ على اللغة لا نزال نكرّر نفس الصلوات كلّ يوم حتى أفقد مؤمنينا الشعور بها، وفصلتهم عن الصلاة العقلية والقلبية. بسبب اللغة ترك ابنائنا كنائسنا، ولجئوا الى كنائس بديلة واعتنقوا بدائل إيمانية. بسبب اللغة منعنا الكثير من المبدعين من التواصل مع كنيستهم وإيمانهم. بسبب اللغة همشنا عقول مؤمنينا وفهمهم لإيمانهم. بسبب هذه الروح التعصبية تجاه اللغة واستخدامها في الطقوس لا تزال كنيستنا: لا تملك إلا صيغة قداس واحدة نكرّرها كلّ يوم وكل قداس؛ وصلوات ثابتة تقرأ في كلّ يوم وفي كل مناسبة؛ لا نملك ترجمة رسمية للغات أجنبية ومعترف بها لصلاة الصباح والمساء... الخ.

5.   أنا كاهن منذ 11 سنة. خدمتُ في رعيتين في بغداد واثناء الدراسة في الخارج زرت العديد من الارساليات وخدمت في بعضها ولمدة لا بأس بها من الزمن. لمست عن قرب حاجة الناس ومشاكلهم وتوقهم الى التجديد. اختبرت الفقر الشديد الذي تعيشه رعايانا ومؤمنينا من ناحية الصلاة والوعظ والارشاد والليتورجيا. عشت خبرة انقسام الجماعة وسمعت شكوى العديد من الناس حول لغة غير فهومة وعدم اهتمام الكنيسة بمؤمنيها. عانيت من ابتعاد الكثير من شبابنا وتغربهم عن كنيستهم وبالنهاية عن مبادىء ايمانهم وانجيلهم. وأنا لا ألوم اللغة بحد ذاتها، ولكني ألوم مَنْ يتعصب وينغلق عليها، رجال دين وعلمانيين! أنظروا بواقعية الى ما آلت إليه خورناتنا، مجرد آلة طقسية تطحن برحاها كلّ أبداع وتجديد وتأسر عواطفنا لا عقولنا.

حافظوا على اللغة وأحيوها كيفما شئتم، أنشؤوا المدارس والدورات وغيرها، علموها لاولادكم واحفادكم، ولكن أتركوا الكنيسة تكون مكاناً للقاء والنمو في معرفة الله ومحبته التي يمكن أن تأتي بأي لغة ولون وشكل وطريقة. أريد أن أذكركم بكلمات الرسول بولس لأهل غلاطية: "بعدما جاء الإيمان، تحرّرنا من سلطة المؤدب. فأنكم جميعاً أبناء الله بالايمان بالمسيح يسوع. لأنكم جميعاً الذين تعمدتم في المسيح، قد لبستم المسيح. لا فرق بعد الآن بين يهودي ويوناني، أو عبد وحرّ، أو ذكر وأنثى، لأنكم جميعاً واحد في المسيح يسوع" (3/ 25-28). يقول الانجيلي لوقا في سفر أعمال الرسل عن بداية الكنيسة وفي يوم حلول الروح القدس على التلاميذ: " لمَّا دوى الصوت، تَوافَدت إِلَيهم الجموع، وقد أخذتهم الحيرة لأَنَّ كلّ واحد كَانَ يَسْمعهم يتكلمون بلغته" (أعمال الرسل 2/ 6). 

 
الاب سعد سيروب
كنيسة مار يوسف / بغداد
fr.saadsirop@gmail.com