حسناً فعل سماحة السيد السيستاني فهل يلتزم الآخرون ؟
حامد الحمداني 13 آب 2005
تلقى شعبنا العراقي بارتياح كبير تصريحات المرجع الأعلى للطائفة الشيعية السيد علي السيستاني ، والتي تضمنت جملة من الأمور الحساسة والخطيرة التي كنا نتمنى أن نسمعها من سماحة السيد السيستاني قبل إجراء الانتخابات السابقة ، والتي باتت نتائجها معروفة للقاصي والداني ، بعد أن جرى استغلال اسمه الكريم ، واسم المرجعية من قبل الأحزاب الإسلامية في حملتهم الانتخابية، والتأثير على أغلبية أبناء الشعب البسطاء بعد أن صوروا لهم أن التصويت للقائمة المؤتلفة وكأنه أمرٌ من مرجعية السيد السيستاني ، واستغلوا صوره في دعاياتهم الانتخابية، وهكذا جرت الانتخابات على أساس طائفي في كافة المناطق الشيعية ، وعلى أساس قومي في منطقة كردستان ، في حين قاطعها معظم أبناء الطائفة السنية بسبب الأوضاع الأمنية السائدة في مناطقهم وتهديدات العصابات الإرهابية ، ومحاولات تهميشها.
وهكذا جاءت نتائج الانتخابات في صالح أحزاب الإسلام السياسي ،والأحزاب القومية في كردستان، في حين جرى تهميش القوى العلمانية والديمقراطية واللبرالية ، ونالت الأحزاب الإسلامية حصة الأسد في تلك الانتخابات ، وقد أسكرها النصر الساحق !!الذي كان قادتهم يرددونه في تصريحاتهم !!، وباتوا يخططون لإقامة نظام حكم إسلامي طائفي غير مدركين أن هذا التوجه يشكل لو تم لهم ذلك مفتاحاً لحرب أهلية لا سمح الله لا تبقي ولا تذر.
فالشعب العراقي كما هو معلوم لا يتمثل بطائفة واحدة ، ولا قومية واحدة ، بل هو يتكون من قوميات وأديان وطوائف مختلفة ، مما يتطلب قيام نظام حكم ديمقراطي علماني يضمن كامل الحقوق والحريات العامة والخاصة لكافة مكونات الشعب ، في حين أن قيام أي نظام حكم قائم على أساس ديني أو طائفي سوف لا يعني سوى قيام دكتاتورية دينية اشد قسوة تمتهن كرامة المرأة التي تمثل نصف المجتمع ، وتسلبها كل حقوقها وحرياتها ، وتتدخل في كل صغيرة وكبيرة في حياة المواطن العراقي باسم الدين والشريعة !! ، وبالتالي تشكل هذه الدكتاتورية أكبر إساءة للدين الذي نجله ونحترمه وندعو إلى إبعاده عن أي استغلال من قبل الأحزاب السياسية الإسلامية ليبقى نقيا وناصعاً في قلوب كل المؤمنين .
وهكذا جاءت تصريحات سماحة السيد السيستاني في وقتها تماماً ، ونحن بانتظار ما سوف تتمخض عنه مداولات لجنة صياغة الدستور ، وإجراء الانتخابات العامة، والاستفتاء على الدستور، من دون إقحام المرجعية في الحملة الانتخابية والاستفتاء في الدعايات التي تمارسها الأحزاب الإسلامية .
فقد حذر سماحة السيد السيستاني ، كما تناقلت وسائل الإعلام اليوم، من استخدام اسمه أو اسم المرجعية في الحملة الانتخابية ، وقد أكد سماحته على التوجيهات التالية :
1 ـ رفضه التام إلى اعتبار المرجعية الوجهة الإعلانية للانتخابات القادمة.
2 ـ ضرورة احترام رأي الشعب في التصويت على الدستور ، وأخذ نسبة التصويت بالاعتبار ، وهذا يعني أن محاولة الأحزاب الإسلامية لتغيير قانون الانتخابات من النظام النسبي إلى نظام الدوائر المتعددة حيث يجري إهمال القوى التي تنال 49 % من الأصوات لصالح القوى التي تنال 51 % ، وهكذا يجري إلغاء ما يقارب أصوات نصف المجتمع العراقي من حق المشاركة في البرلمان .
3 ـ تأكيده على الحفاظ على كيان العراق الواحد ، وعدم التفريق بين أبنائه في الشمال أو الوسط أو الجنوب .
4 ـ عدم التفريق بين مذاهب أبناء الشعب المختلفة .
5 ـ دعوة سماحته إلى ضمان حقوق أهل السنة الذين هم جزء مهم من الشعب العراقي ، والذين سماهم بالشريان النابض والصادق للعراق الجديد الذي يتطلع إلى المبادئ والقيم الأصيلة التي ينبغي أن تكون الركائز الأساسية للدستور الجديد .
6 ـ أكد سماحته أن المرجعية مع من يختاره الشعب بصدقٍ وإيمان ، ويكون قادراً على رفع قدرات العراقيين ، وتعزيز دورهم في المحافل العربية والإسلامية والدولية ، وبناء العراق بقدرات أبنائه وثرواته ، وبإرادته .
7 ـ أعلن سماحته أنه مع كل المرشحين ، ومع 26 مليون عراقي وليس مع الأشخاص الذين يحاولون دمج دعاياتهم الشخصية في قضايا المرجعية التي تختص بالأمور الدينية من خلال الفتاوى الشرعية والتي لا تفرق بين أبناء الشعب الواحد .
هذه هي النقاط الأساسية التي وردت في تصريحات سماحة السيد السيستاني والتي تلاقي كل التأييد من قبل سائر أبناء شعبنا الحريصين على وحدة واستقلال العراق ، وتحقيق أماني وطموحات شعبنا في الحرية والديمقراطية ، والعدالة الاجتماعية ، وتحقيق الحياة الحرة الكريمة التي تليق به بعد حرمان دام أكثر من أربعة عقود لاقى فيها أبشع أنواع الحرمان ،والطغيان الذي مارسه النظام الصدامي الفاشي ، وقدم من التضحيات مئات الألوف من خيرة أبنائه الراقدين في المقابر الجماعية .
إننا ندعو القوى والأحزاب الإسلامية إلى الالتزام الدقيق بما جاء في تصريحات سماحة السيد السيستاني ، وعدم محاولة فرض نظام حكم قائم على أساس ديني أو طائفي كما هو الحال في إيران ، فالعراق هو غير إيران ، وشعب العراق غير شعب إيران ، حيث يتكون من قوميات وأديان وطوائف متعددة .
إن أية محاولة من هذا القبيل ستبوء بالفشل حتماً لأنها تتعارض ومكونات شعبنا أولاً ، وتتعارض وطموحات شعبنا بقيام نظام حكم ديمقراطي متحرر ، مع حل المسألة الكردية على أساس الفيدرالية التي تحافظ على وحدة العراق شعباً ووطناً ينعم فيه الجميع في ظل الديمقراطية الوارف ، والعدالة الاجتماعية الحقيقية التي لا تفرق بين المواطنين بسبب الانتماء القومي أو الديني أو الطائفي .
وليكن معلوماً للجميع إن الانتخابات القادمة ستشهد تغيرات واسعة في المشهد السياسي ، حيث سيشارك فيها أبناء الطائفة السنية جنباً إلى جنب مع إخوانهم أبناء الطائفة الشيعية ، وسنشهد اصطفاف جديد للقوى والأحزاب السياسية ، ولاسيما تكتل القوى العلمانية واليسارية واللبرالية الهادفة إلى قيام عراق ديمقراطي علماني يحفظ للدين الإسلامي وسائر الأديان الأخرى كرامتها ونقاوتها وصفائها بعيداً عن المزايدات السياسية .
www.Hamid-Alhamdany.com