الفن في لوحات كتاب الـ"شرف نامه" الحلقة التاسعة عشرة:


المحرر موضوع: الفن في لوحات كتاب الـ"شرف نامه" الحلقة التاسعة عشرة:  (زيارة 1618 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل Dilawer Zengi

  • عضو جديد
  • *
  • مشاركة: 4
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
الحلقة التاسعة عشرة: اللوحة الخامسة عشرة: مجلس شرف خان البدليسي
الفن في لوحات كتاب الـ"شرف نامه"
المؤلف: عبدالرقيب يوسف الزفنكي.
ترجمة: دلاور زنكي.





مجلس شرف خان البدليسي

اللوحة الخامسة عشرة على الصفحة "144". وموضوعها هو حاكمية شرف خان بن الأمير شمس الدين "أي جد المؤرخ شرف خان الذي لم يكن عالماً وحسب بل كان أميراً على بدليس قوي العزيمة شديد الهيمنة. وقد كان متضلعاً من علم الفلك عارفاً بالتنجيم. وفي عام 940هـ /1533-1534م قتل مع /700/سبعمائة جندي من جنوده في معركة دارت بينه وبين الجيش العثماني.
موضوع هذه اللوحة هو مجلس شرف خان.. وهو جالس على أريكة في وسط حديقة.. وقد أقام حوله رهط من رجاله وأهله.. يبدو في اللوحة عريض المنكبين فارغ الطول.. وليس ببعيد أن يكون شرف خان الكاتب قد سمع بأوصاف بنية جده عن أبيه.. يرتدي شرف خان حلل الإمارة.. وعلى رأسه عمامة كبيرة "قلنسوة" بيضاء تعلوها كرة "كبكوب" كبيرة جداً ولا نجد مثل هذا على حاكم آخر. ولا ندري هل هذا "الكبكوب" متخذٌ من ريش بعض الطيور أو أنه مصنوع من شيء آخر؟ ملامح شرف خان- في الصورة مطموسة إلى حد مّا. إلى جانبه الأيمن وضعت أوانٍ وكأنها خاصة للشراب وماء الورد.. وإلى الجانب الآخر امرأة وطفل في الحادية عشرة أو الثانية عشرة من العمر وهما واقفان على أقدامهما.. الطفل مائل إلى المرأة قليلاً.. ملابس المرأة ذات ألوان. أمامها ثوب نسائي سابغ وصدرية دون أكمام. قلنسوتها ضخمة كقلانس الرجال، مصنوعة من ذاك القماش المخطط نفسه الذي صُنعت منه غالبية القلانس الظاهرة في اللوحة. وليس ببعيد أن يكون قماش القلانس مصنوعاً من الحرير.. كما يبدو على كتفها "مجن" "ترس" حيث توجد حلقه كبيرة بينها وبين شرف خان مصنوعة من كرات الـ"كبكوب". وهذا يعني وجود علاقة أو رابطة بينهما وهذه هي الفكرة التي أراد الفنان أن ينقلها إلينا لأن هذه المرأة هي: خاتون شاه بك بنت علي بك ساسوني وهي زوجة "شرف خان" وجدة حفيدة "شرف خان" المؤرخ. هذه المرأة شيدت قبة عالية على ضريح زوجها في باحة مسجد "شرف خان" وهي أيضاً مدفونة هناك.
لدى زيارتي "بدليس حاولت الذهاب إلى هذا المسجد لتصوير المقبرة وقراءة الكتابة المدونة على الضريحين فلم أفلح في ذلك لأن الباب كان مغلقاً والبواب غائباً.
ولا نرتاب في أن تصوير هذا الزي النسائي الأميري قد نُقِل عن الواقع في زمن الانتهاء من كتابة الـ"شرف نامه". إن "أوليا جلبي" لم يشاهد نساء "بدليس" لأنهن كن محجبات.. على وجوههن البراقع.. وفي هذا الصدد يقول "أوليا جلبي": إن النساء في بدليس- كما أخبرني بعض الأصدقاء- يرتدين الملابس البيضاء. ويستعملن "الخمار". وطأس "القلنسوة" من الذهب أو الفضة والثياب مصنوعة من النسيج الحريري.(51)
ومن المفيد أن نقول: إن ثياب النساء اليزيديات كانت بيضاء وكانت قلانسهن بيضاء أيضاً ولا ندري هل تغيرت في هذه الأيام. وفي بعض الأوساط كانت المرأة البوتانية ترتدي كالمرأة اليزيدية. الثوب الأبيض من نسيج سميك قطني يصنع في قرى "بوتان" كما كان يصنع في أماكن أخرى في وسط "طوري" مثل مدينة "مدياتMîdiyat" و"كرجوسKercews" و "حسن كيفHesenkêf". وكانت الثياب المصنوعة في هذه المدن أكثر جودة ومتانة وتصدر إلى "بوتانBotan"... وحتى قبيل ثلاثين عاماً كان هذا الزي شائعاً في "طوري" أي في أوساط الشرق وشمال شرق مدينة "ماردين" وكانت السراويل بيضاء في أكثر مناطق كردستان إضافة إلى الملفع الأبيض "الكتانة" المصنوع من نبات الكتان. وكانت مآزر الرجال قصيرة تصل إلى الركبة أو إلى أسفلها قليلاً. وكانت تصنع من القطن أو من أقمشة... وكانت شديدة الشبه بالزي الهندي إلا أنها كانت أكثر جودة... وكان كثير من الناس يرتدون الثوب دون السراويل بسبب العوز والأحوال الاقتصادية العسيرة.

النعال المْنمْنمة المزخرفة بالخرز
النعال المرسومة في اللوحات المنشورة في كتاب الـ"شرف نامه" ليست واضحة المعالم والملامح، لذلك لا نستطيع التوقف عندها لمعرفة تلك النعال والأحذية، التي وجدتْ في كردستان في تلك الأيام أو نلمّ بصفاتها وأنواعها.
إلا أننا في هذه اللوحة أمام فردة حذاء من أحذية السيدة: شاه بك خاتون وقد ظهرت بوضوح جيد. أما اللون فهو أبيض أو أن اللون قريب من لون القطن... المقدمة عريضة وليست مدببة.. وليست حافاتاتها منثنية نحو الداخل.. وفي فترة كانت هذه النعال معروفة في مدينة "السليمانية" يطلق عليها اسم "ذات الكعب العالي". والحذاء مرصع ببعض الحبات من الخرز- خرزات فردة الحذاء تبدو سوداء أو "زرقاء". وليس من نافلة القول أن نذكر أن "أوليا جلبي" تحدث عن أحذية "بدليس" المزينة أو المطعمة بالأصداف. في كتابه على الشكل التالي:" إن الخدم الذين كانوا يعملون في "حمام باغ" كانوا ينتعلون أحذية مزخرفة بالصدف وكانوا يقدمون للزبن المستحمين هذه الأحذية. وهكذا يتضح لنا أن الأحذية الصدفية كانت تصنع في "بدليس".
ذاك الفتى القائم قريباً من أحضان السيدة: شاه بك خاتون هو الأمير شمس الدين أبو "شرف خان" المؤرخ وهو ولده الوحيد. إنه في هذه اللوحة يرتدي قميصاً خالياً من الأزرار أصفر اللون لأنه مغلق من الأمام. وعلى عطفيه منديل وقد أُرخي طرفا المنديل من الأمام نحو الأسفل. وحتى عهد قريب كان إسدال المناديل على المناكب وارخاؤها نحو الأسفل عادة متبعة، ومازالت دارجة حتى الآن في كثير من أوساط كردستان تركيا. يحمل أحد الفتيان بإحدى مجنّاً "ترساً" وبالأخرى أداه أخرى كأنما هي نوع من الأسلحة الحربية. وفي اللوحة الثالثة عشرة/13/ ظهرت آلة كهذه الآلة.
يقف خلف "شرف خان" حشد من الرجال.. ثيابهم مختلفة ولكن قلانسهم متشابهة وأقمشتها من نسيج واحد.. وهذا يوحي إلى الأذهان أن القماش قد يكون من مصدر إيراني حيث لا يزال الأكراد حتى الآن يستخدمونه في إيران. ويقول "أوليا جلبي" متحدثاً عن أزياء الرجال في "بدليس": قلانسهم زرقاء وصفراء وسوداء وحمراء، وبيضاء فاقعة.. كثيرون من أناسي "بدليس من الزعماء والأثرياء يرتدون المعاطف المصنوعة من فراء حيوان "السمور". وفي أماكن أخرى أيضاً يتحدث عن فراء "السمور" عندما يذكر "ملاطيةMelatiyê " و "دياربكر". وقد كانت "الصين الرأسمالية" تصنع مثل هذه المعاطف من فراء "السمور". وقد أكد أن هذه الفراء كانت ذات قيمة عالية وشائعة جداً في كردستان. ويستأنف "أوليا جلبي" حديثه في هذا الموضوع كالتالي: "أما أولئك الأقل ثراء فيرتدون الـ"شياخ şeyax "  في مناطق "معدنMaden" و "شيروان Şêrwan ".(52)
و "شياخ" كلمة تركية وهذا الرداء يصنع من خيوط ملونة وقد يستخدم "جلة" للدواب. وهو يبلغ الركبة أو يتجاوزها أحياناً.. إنه ذو خطوط عريضة يلبس في أيام الشتاء فوق الملابس. أذكر أنها قبل قرابة /35/ خمس وثلاثين سنة كنا إذا شاهدنا أحد الغرباء يرتديه سخرنا منه. إنّ ذاك الفارس الذي ظهر في اللوحة السابعة متوجهاً نحو "حسنكيف" يلبس لباس الـ"شياخ" الطويلة، ويمر من نهر "دجلة". يقول: "أوليا جلبي" في هذا المعنى: "إن فقراء "بدليس" يلبسون الـ"بوغاص". وكلمة الـ"بوغاص" كلمة تركية تعني الغلالة أو "الشاش" أو القماش الرقيق.(53)
 في اللوحة يبدو حزام أحد الحراس بشكل جيد. وقد لفت نظري أن هذا النطاق مخطط "ذو خطوط" متخذُ من نسيج ناعم وثمين، وهو الحزام الحريري الذي تحدث عنه "أوليا جلبي" يقول " "أوليا جلبي" كالآتي: كان الناس في كردستان يشدون على خصورهم الأحزمة الحريرية".
وقد تحدث "أوليا جلبي" عندما كان في "بدليس" عن "حمام باغ" بعد أن زاره فوصفه وصفاً مستفيضاً.. وتحدث عن الزخارف الزجاجية والمرايا والرخام والمرمر والسيراميك والألواح الحجرية التي فرشت بها الأرض إلى درجة أن السلطان مراد عندما زار هذا الحمام أعجبه كل الإعجاب وأخذ بلبه، فقال معبراً عن اندهاشه:"ماذا كان سيحدث لو أنَّ لي حماماً مثل هذا في استانبول" ويستمر أوليا جلبي في الحديث: "وكان الخدم القائمون على إدارة "الحمّام" من الجورجيين والشركس يدسّون خناجرهم المرصعة بالجواهر تحت أحزمتهم الحريرية". وكانت هذه الأحزمة تشد حول الخصور وتعقد عند الميسرة في الناحية اليمنى. أما الطرف فينسدل نحو الأسفل وقد انقرضت هذه العادة إلا في بعض أوساط قليلة من "كردستان".
في اللوحة لفيف من الموسيقيين أمام "شرف خان" موجودون.. في يسار اللوحة. تظهر آلة من غير أوتار في يد شخص.. الآلة طويلة.. صندوقها ضخم.. تشبه الآلة الموسيقية الغربية "جلو" وإلى جانبه شخص آخر قد يكون موسيقياً. وفي يمين اللوحة "بازيّ" على يده "قفازة" حطّ عليها "طائر قناص" وإلى جانبه شخصان آخران. وفي أعلى اللوحة من الجهة اليسرى رجل آخر يحمل طائراً قناصاً. وفي لوحات أخرى تظهر طيور الصيد و لاشك أن الصيد بالصقور والبزاة كان منتشراً في كردستان بين الطبقة المتميزة.
في الصفحة /122/ من كتاب "سياحة نامه" يتحدث أوليا جلبي عن خمسة عشر نوعاً من طيور الصيد لدى "عفدال خان- أمير بدليس" وذكر أسماءها مثل: " الباز-والشاهين-والقوش وبالبان أيضاً. وهو من صنف " شاهو" (مالك الحزين)(54). وكان الصيد بهما معروفاً في كردستان حتى عهد قريب. قبل وقوع الشيخ محمود الخالد في الأسر كانت في حوزته طيور يصطاد بها. وكان القائمون على شؤون هذه الطيور من السليمانية. من هؤلاء البارزين السيد :حامد بك بن مجيد بك جاف وكان في الخامسة والتسعين من العمر أو فوق ذلك يقول :" حتى أعوام 1950م كنت أقتني طيوراً للصيد".(55)
كان الصيد يتم عندنا بواسطة طائر الـ"هلو=Helo" والباز والشاهين والـ "ترونته=Tirunte "  والباشق. وبواسطة الشاهين والباز كان يصاد الأرانب البرية والإوز والبط. وكان الفتيان يصطادون اليمام، بواسطة الباشق و الـ"ترونته= "Tirunte"  وهو أصغر من الباشق يصطادون في البراري. في تلك الأيام كانت البزاة والصقور تصاد في جبال كردستان وكان الأثرياء من الخليج يحصلون عليها بأثمان باهظة، وحتى قبل عام كان الطائر يباع في منطقة "قرداغ" بخمسمائة دينار /500/ دينار.