السياسة في الفلسفة السريانية -1-
تأليف: المطران غريغوريوس بولس بهنام
أشهر من كتب في السياسة:
إن أقدم فيلسوف كتب في السياسة العالمية هو أفلاطون في (الجمهورية) إلا أن أفكاره لا تتفق و
حقيقة الأديان السماوية، بل تناهض بعضها معظم الأسس الاجتماعية التي ألفها الإنسان المتمدن، كتعليمه باشتراكية النساء و الأولاد و الأموال، الأمر الذي يتنافى و الذوق المدني الحر. و يهبط بالإنسان إلى دركة الحيوانية السخيفة و يسلبه أغلى ما في الوجود من شرف و كرامة و شعور بالشخصية، و إليك ما يقوله أفلاطون في هذا الصدد " إن طبقة الحكام لا تملك عقاراً خاصاً" و لا
يكون لأحدهم مال أو مخزن، و لا يكون للحكام زوجات لأنهم يجب أن يتحرروا من الأنانية، و يجب أن تكون النساء بلا استثناء أزواجاً مشاعاً فلا يعرف والد ولده".
إنها وايم الحق لمحاولة مجرمة قام بها الفيلسوف اليوناني الكبير، و لكن و إن أيدها نفر من أتباعه فقد وئدت في مهدها، فلم يعرها بقية الفلاسفة اهتماماً،فاكتفوا بالأخذ ببقية أفكاره السياسية التي أعطت دروساً قيمة في الحكم والإدارة وتدبير الممالك و المدن، و كان لكتابه نصيب من الاهتمام في عهد الترجمة، فنقلت أفكاره إلى السريانية، ثم إلى العربية، فأخذ بأحسنها الفلاسفة الشرقيون، و
نبذوا ما كان حرياً بالتجنب و النبذ، و اكتفى بعضهم ببحث المملكة باعتبارها " شخصاً عاماً بيراً" من ناحية، و بحث الإنسان باعتباره "مملكة صغيرة" من ناحية أخرى. و أقدم فيلسوف شرقي عرفناه في هذا البحث الهام، و يؤلف فيه كتاباً خاصاً، هو احودامه أول مفارنة المشرق (575+) الذي وضع مقالات فلسفية هامة في "الحرية الدينية، و النفس، و الإنسان باعتباره عالماً صغيراً، و في التركيب البشري" (اللؤلؤ المنثور ص260) إل أن مؤلفه هذا لا يتطرق إلى بحث السياسة إلا من ناحية واحدة فقط بتشبيه الجسم الاجتماعي الكبير بالجسم البشري الصغير، و من ناحية وظائف أعضائه من الرأس إلى القدم، و أظهر أن الإنسان بحد ذاته عالم صغير بينما العالم كله إنسان كبير. و نبغ في القرن العاشر فيلسوف رهاوي سرياني، و ألف الكتاب الشهير المعروف بـ (علة كل العلل) فتطرق إلى السياسة تطرقاً أوسع، و أعطى أفكاراً ناضجة في هذه الناحية إلا أن
أفكاره اجتماعية أكثر منها سياسية، فإنه يتناول أسباب تكوين المدن وكيفية سيرها و إدارتها، بطريقة خاصة غير التي سلكها أفلاطون في جمهوريته، وغايته فيها إيصال الإنسان إلى السعادة في الحياة من أقرب و آمن السبل، و تكلم أيضاً عن تسلسل البشر، و أسباب اختلاف صورهم و أصواتهم و أشكالهم، و أسباب تمصير المدن و تنوع الأديان، و غير ذلك من المواضيع السياسية و الاجتماعية. و جاء الفارابي أيضاً في هذا القرن نفسه، فأعطانا صورة صحيحة للفكرة السياسية في (المدينة الفاضلة) وأعاد إلى أسماعنا أقوال أفلاطون، و لكن بأسلوب جديد بعيد عن ما ينافي
فكرة الأديان السماوية، و لم يذكر صاحب (الجمهورية) و أفكاره المتطرفة لا بخير و لا بشرأنها لم توجد، و هذه أيضاً حكمة بالغة سلك طريقها الفيلسوف العربي، فأعطانا كاسه صافية نقية بعيدة عما يسيء إلى أفكارنا و أبصارنا، و مع ذلك جاءت(المدينة الفاضلة) مدينة لا يمكن وجود مثلها على هذه الأرض، و لو وجدت لانقلبت الأرض فردوساً و الناس ملائكة أطهاراً.
و فكرة " الفردوس الأرضي" قديمة جداً وجدناها لأول مرة في تعاليم الفيلسوف (هيبوداموس) الأيوني، و جاء بعده أفلاطون في الجمهورية ناسجاً على منواله، و انطفأت الفكرة تقريباً حتى
جاء الفارابي في القرن العاشر، فبعثها من لحدها و قدمها لنا في " المدينة الفاضلة" و من المتأخرين توماس مور الإنكليزي في القرن السادس عشر(1478-1535) الذي تصور مدينة خيالية تشبه "المدينة الفاضلة" و تبعهم الفيلسوف الإيطالي (كامبانيلا 1568-1639) في مدينة الشمس، و كلهم بحثوا شرائط الحياة المثلى، وقربوا حياة الدول و الأمم و الأفراد من السعادة الحقيقية و اعتقدوا أن في وسع الإنسان التوصل إلى هذه السعادة إذا أصلحت الدول شرائعها، و بثت قوانينها على الأخوة و العدالة.
ألف ابن العبري كتاب (السياسة) في أواخر حياته أي نحو سنة 1280، و هو الكتاب الخامس من
الجزء الثاني لكتابه الفلسفي الجليل (زبدة الحكم). و ذلك بعد أن خبر الحياة بدقائقها و جلائلها، و اطلع على معرف الأوائل و المتأخرين، فجاء فريداً في بابه ولاسيما عند فلاسفة السريان الذين لم يطرقوا هذا الباب إلا لماماً، وأفكاره السياسية فيه مستمدة من تجاربه الطويلة في الحياة و الإدارة من جهة: ومن آراء الفلاسفة السابقين، و لاسيما أفلاطون و أرسطو و الفارابي من جهة ثانية إلا أنه لم ينسج على منوالهم، بل نهج له طريقاً خاصاً به، و أسلوباً علمياً بالدرجة الأولى، بينما كان أسلوب الفلاسفة السابقين نظرياً لا أكثر و لا أقل.
علمنا أن الذين كتبوا في السياسة من الفلاسفة، كانت بحوثهم فلسفية مثالية، تحاول تبديل مجرى
الحياة السياسية، و قلب النظام الاجتماعي رأساً على عقب، و جعل الأرض سماء، بطرقة خيالية لا يمكن تطبيقها، و لا يعقل فرضها على الهيئة الاجتماعية مهما كان البشر أطهاراً و أبراراً، أما فيلسوفنا فقد جاءنا بتعاليم سياسية واقعية نستطيع تطبيقها على الهيئة البشرية، لتقويمها و إصلاح ما فسد فيها من نظام وما تعطل فيها من النواميس الطبيعية و الاجتماعية و السياسية، و هو و الحالة هذه يتبوأ درجة عليا بين الفلاسفة الذين طرقوا هذا الباب، و ينفرد في واقعيته التي تتمشى و الحياة البشرية جنباً إلى جنب.
يقسم ابن العبري كتاب السياسة إلى ثلاثة أبواب، وكل باب إلى ثلاثة فصول، و كل فصل على نظريات عديدة بالنسبة إلى حاجته في البحث، و لا يدع موضوعه قبل أن يشبعه درساً و تحقيقاً، و
يخرج منه بنتيجة صالحة في كل مرة هي خلاصة فكرته في الموضوع، و هو يمشي مع القارئ خطوة خطوة. فيقدم لنا التعاليم بطريقة سهلة سائغة، قد لا نظفر بها في مطاوي جميع مؤلفاته العلمية و الفلسفية و اللاهوتية، و لا غرو فبحث السياسة لديه قدمه للخاصة و العامة، بينما قدم بقية المؤلفات أو معظمها للخاصة فقط من العلماء.
و يجدر بنا في الصفحات القادمة استعراض الكتاب و معارضته بما سبق للفلاسفة في هذا الموضوع،لنرى الفرق بين أفكاره و أفكارهم، و نقدم لقراء العربية مؤونة جديدة للبحث و التفكير.
عن كتاب : الفلسفة
المشائية في تراثنا الفكري
بحوث أدبية. فلسفية. تاريخية. اجتماعية
عن موقع حضارتي السريانية