قصة قصيرة مترجمة ـــــــــــــــــــــ فتاح خطاب

المحرر موضوع: قصة قصيرة مترجمة ـــــــــــــــــــــ فتاح خطاب  (زيارة 508 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل Fatah Khatab

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 100
    • مشاهدة الملف الشخصي
قصة كوردية مترجمة ـ فتاح خطاب 

الفارس
       
      للقاص : رؤوف بيكَه رد
      ترجمة  : فتاح خطاب



في البدء كنا نحرك أنفسنا على الشكل التالي:
خطوة إلى الأمام، خطوتين إلى الوراء
خطوتين إلى الامام، خطوة إلى الوراء
طوال الفصول كنا يدأ بيد والطمأنينة كانت ثالثنا، ظناً منا أن سلوكيتنا تلك لشئ طبيعي. إذا كان واحد منا قد خالف او غيّر شيئاً من تلك الحركات أستناداً إلى فكرة ( لا قدرة لنا أفضل مما كان) او ( الانفصال هو الموت بعينه )           
وهكذا تقاسمنا على أنفسنا، موروثاتنا التي لم يصدر حكم إطلاق النار عليها بعد. مرت الفصول واحداً تلو الآخر ونحن نغذي خطواتنا إلآ أننا مازلنا نتراوح في ذات المكان. حيثما حلّ فصل آخر، وقد أطلق الرأي العام عليه (فصل الصقر) قديماً كان الصقر يطلق على جمهرة من الناس وفور هبوطه على أي واحد منهم ينصّب ملكاً عليهم. ولكن صقر فصلنا هذا، كان ينبغي القبض عليه عنوة وتحت حراسة أثنين من الجنود الاشقياء الواقفين في كلا الجانبين، الأيمن والايسر. وقد هبّ الجيران كلهم بحثاً عن الصقر، بغض النظر عن قربهم أو بعدهم عن المكان. فأي واحد قُدِّرَ له النيل من الصقر كان يتوّج ملكاً. ونحن في ذلك الهرج والمرج كنا ندور حول انفسنا، نتناكف ونصطدم ببعضنا البعض..
لأجل القبض على الصقر ولكي ننزع عنا تلك الملابس الرثة التي أورثناها ممن سبقونا والإستغناء عنها، بأرتداء الأجود والأحدث منها. كان الجيران بوجوههم الممكيجة قد أبدوا إخلاصهم لنا قائلين:
ـ ها نحن اولى قد القينا القبض على الصقر وأصبحنا ملوكاً. إن القبض على الصقر ليس سهلاً. وكل من يتمكن منه يجب أن يحافظ عليه. ولكي لا تقعوا في المشاكل والنوائب، تعالوا وأنضموا إلينا وسوف نعيش سوية كالاُخوة!
كان هناك ثمة أشخاص بيننا، ممن يشكرهم على ذلك الإخلاص ويثني عليهم وثمة شخص كان يضحك في سره واضعاً الخطط في كيفية القبض على الصقر. كان كل واحد منا يفكر بطريقة مختلفة.                           
ـ الجندي الواقف في الجهة اليسرى فهيم وشجاع، إنه يسير على الاسس المعلوماتية، يعرف الناس جيداً ومُلّم بمعطيات الامور التي تجعلهم يتصادمون فيما بينهم. إذا لم يساعدنا هو في إختيار مكان الصقر، لوقعنا في هاوية مغامراتنا.
ـ الجندي الواقف في الجهة اليمنى مقتدر ومتمكن، يفعل ما يحلو له وإذاما أنبس أحد ما بكلمة، سيقطع لسانه دونما تردد. إنه بفضله هو فقط حظي جيراننا بذلك الصقر.
ـ إن الذين قبضوا على الصقر لم يكونوا أفضل وأكثر عدداً منا. إذا لم نألوا جهداً أكبر ونشقى أكثر لأجل الحصول على الصقر، فإننا سوف لا نقدّر أهميته.
آنئذ بدأنا بالبحث والاستكشاف. فكرنا، أنتظمنا وهيئنا قوافلنا للسير في الطرق البعيدة، مالبث حتى تفاجأنا بضربات القصف وإشتعال النيران عمت المنطقة برمتها.. أينما وليّت بوجهك، لن ترى سوى رماداً، تاركاً أثره عميقاً في الذاكرة. كان أهل القرى المجاورة قد فقدوا كل ما لديهم من ممتلكات متروكة. ومنهم من بات قوتاً للنيران التي أضرمها الحقد الأسود. وما أن خمدت النيران حتى لاح من بعيد راكب حصان، كان الحصان ثقيل الخُطى، متطأطئ الرأس. اقترب الراكب وصاح:
ـ أنا سأقبض على الصقر.. أنا سأقبض على الصقر
أُنظروا إلي! ها أن البرق يومض من تحت حوافر جوادي
فيشيع الرعب في مهرجان زخات المطر
ـ يا أيها الفارس! يا حادي قافلة البرق
اسأل سؤالك بحرقة قبل الكرّ والفرّ
فالسؤال كالنعش الذي تحُشرُ فيه
أجداث الجبناء
ـ يا أيها الفارس لاتخف، فالغيوم تُسقط أمامك أمطار الموت!
ـ أنا المطر.
بات الحصان المتهالك يتراخى ويتململ تحت زخات المطر والفارس قد لُفّت حول عنقه شِباك كائن ممسوخ وممكيج، فيما لم يزل صوته  قد فارق حنجرته المختنقة بعد، قال لنا:
ـ قبل أن تبحثوا عن الصقر، عليكم البحث عن جواد أصيل!
كانت آخر قطرات الدمع ما برحت جفوننا بعد وإذا بعاصفة جواد آخر قد هبت من بعيد، حيث أن الفارس كان يقتحم المدى لإثبات الذات، يلفلف ويجرف بإندفاعاته الخاطفة كل بقايا الأشجار المتآكلة والمتيبسة وراءه، كان رمقهم الأخير ينتهي بآخر شهقة على تراب الارض. لقد متّعنا أنظارنا برؤيته، وكان الفرح قد لوّن شفاهنا الباسمة، حين رأينا أن صقراً قد إستقرّ بين أبصعيّ فارس عركته التجارب، صقّلته الحياة فأنطلق هتافنا عالياً:
ـ فليسلم الجواد الأصيل، إذ لولاه لما أصبحنا ملوك أنفسنا.
كنا نمُسّد براحات أيدينا أطراف وجه الحصان وأضلافه ونقبّل جبينه ونحن ندور حول الفارس. معاهدين له بأننا سوف نحافظ على الصقر ونذود عنه بدمائنا فقال الفارس:
ـ لا داع للخوف، دبّكوا وأحتفلوا ما استطعتم! وليشارك كل الجيران في إحتفالاتكم. و الجندي الواقف في الطرف الايسر، قد عاهدَنا بأن كل تكاليف الفرح سيكون على نفقته الخاصة. فأرخينا أحزمة بطوننا، أكلنا حد الشبع ورفعنا  بغية السكر والعربدة كؤوس الملوكية مترعات. وكانت الجرعة الثانية كطلقة حمراء إخترقت عين الصقر اليسرى، فأنهمد في مكانه، عاجزاً عن خفقة جناحيه وكما يسقط الحجر أرطدم الصقر بالارض. فامتزج دم الصقر وشراب السُكّرِ معاً وتماهت الالوان.
ورمى كائن ممسوخ وممكيج شِباكه مجدداً، فلقفته أيادي شيوخنا الاشراف ليلفّوها بأنفسهم معتزين ومتفاخرين حول رقبة الفارس. كانت الامطار تزخ بجنون ولكي لا نبتل، هرب بعض منا تحاشياً ومختبئاً تحت السقوف والاستار وبقي البعض متشابكين حول الجواد الذي مازال ينتظر فارسه المنتظر. وعندما خفت الامطار وطأتها رأينا الفارس معلقاً على أعواد المشنقة. لم يبق ما يقوله سوى: وقد أصبحتم الآن تملكون الجواد الأصيل. إذا لم تحظوا اليوم بالصقر فإن غداً لناظره قريب. ولكن عليكم أن تثقوا بأنفسكم فقط!
آنذاك قد انتفض الجواد الاصيل جامحاً من مكانه وانطلق كالبرق، يهز الارض بحوافره ويطلق صهيله طالباً بفارسه الذي سوف يأتي بالصقر. وقد حاول الكثيرون ممن كانوا يعتبرون أنفسهم فوارساً، أن يمسكوا به من رسنه اولجامه. ولكن الجواد الاصيل كان يصهل بوجوههم وينتفض حيالهم رافضاً وضاربا بحافريه كل من أراد الإقتراب منه، ريثما ظهر من بعيد راجل وهو يقطع طريقه متوجهاً صوب الجوادالاصيل. ولما أقترب أكثر عرفنا بأنه أحد المبعدين والمغضوبين عليهم مثلنا. كان الجواد الاصيل قد هدأ من روعه حين بدأ الآخر يمسّد بكفيه أطراف وجهه ويعانقه برقة ورأفة. كان يبدو عليه علامات الإرتياح كأنه وجد فارسه الحقيقي فبدأ هو الآخر يبادله الشعور بدعابته المعهودة. وفور الركوب على صهوته، تحرك الجواد الاصيل بخيلاء وبشئ من التحدي. وفي الجانب الآخر كان الشيوخ الشرفاء يلفّون على بطون جلاوزتهم الجحوش أحزمة من الشباك. فرُميتْ الشباكُ من كل صوب وحدب، يميناً ويسارا. بينما كان الجواد الاصيل يغطي رأس الفارس بذيله وقايةً، يقطع ويفضّ شباك الخيانة واحدة تلو الاخرى، كاسرا أعناق المتحزمين بشارات الخيانة.
وشرع الفارس ينطلق على صهوة الجواد الاصيل، ليبحثا معاً عن الصقر. وفي بداية النصف الثاني من فصل (الصقر)
تهادت الى مسامعنا بشرى سارة مفادها: أننا قريباً سوف نحظى بإمتلاك الصقر وسنكون عندئذٍ ملوك أنفسنا. هذا ما سمعناه وعندما يصل الفارس والحصان الاصيل ومعهما الصقر المنتظر، ستبدأ رواية حكاية جديدة.